حرف النون

ن

في كل حالاته الأخرى، لم يأتِ متمنعاً كما هو الآن، حرف النون الذي كتبته آلاف المرات، رصيناً في النسخ، مرناً في الرقعة، ومعقوفاً كنصف صليب في الثلُث، وأعرف تماماً كيف أنحته، وأعيد خلقه، وتوجيهه حيث ترتفع الكلمات وتنخفض، ومثلها قلبي عندما كان غبياً، لأني في هذه الخطوط الثلاثة: ضيعتُ ربع عمري!

 

تلك الليلة وحدها أدركتُ بلادتي، كان ضوء القنديل كعادته يركَبُ عتمة الحبر ويصنع كلمةً بأمر يدي، ولأني كسرتُ تاءً، ولم أكمل استدارة واو، عرفتُ أني مشتت، وأفكر كماضغ خبز يابس في منتصف ظهيرة جديدة ضائعة من العمر: من ذا الذي يدخر كل سنواته في يده اليمنى؟!، ماذا لو كُسرت هذه اليد، مرضت، سقطت في الشارع، ماذا لو استيقظتُ ببساطة ولم أجدها في مكانها المعتاد تحت رسغي؟

 

انتظرتُ حتى كتبتُ القرآن كاملاً سبع مرات بخط يدي، لأنهي بذلك ديني على عبد المجيد عثمان الذي صاحبته لأتعلم الخط العربي عشر سنواتٍ في اسطنبول، بلا مقابل، سوى أن أقضي بعض حوائجه، وأكتب القرآن بيدي تلك المرات السبع، مهدياً ثواب كل مرةٍ إليه، وإلى والديه، براً بقسمي له في اليوم الأول الذي وقفتُ فيها أمامه، وعمري ست عشرة سنة، وعلى وجهي فداحة السفر، وفي جيبي فستقٌ من حلب.

 

هجرتُ الخط والأحبار، وسافرت بعيداً، حتى جاء حرف النون!

 

*   *   *   *   *   *

 

آشكمااااآاان...

 

كان كمال قد حذرني، بهذيانه المعتاد، وصخبه الدائم، أن المكان خطيرٌ على القابلين للخسائر أمثالي، ولم يذهب هو، كما لم يذهب إلى أي حفل إيراني من قبل، لأن القلب برأيه كفضيّات أمه، لا يجب أن يؤكل فيه!

 

لأن كسرى لم يكن مجنوناً عندما استألَهَ وعلا علوه القديم، وكان تحته الجدات البعيدات لهؤلاء الفتيات!، أراقبهن وأعلم أن تحت جفني أربع ليال مفقودة، وفي رصيدي رقمان لا أكثر!، وما نصيبي من الحفل الصاخب المرتعش الأضواء إلا مساحة من مفرش الطاولة تلقف نظراتي إذا سقطت عليها بإرهاق، ورائحة طفيفة من العرق تمر بأنفي كلما اقتربت يدي من وجهي العصبي.

 

أخرجتُ قلمي، وجلستُ أخربشُ بظهر ورقة صغيرة من فوضى جيبي، كتبتُ اسم الله، وأبي، وحلب الشهباء، وكل الأشياء التي افتقدتها جداً منذ هاجرتُ إلى كندا قبل سنتين، كان الخط وحده يفرغ إرهاقي، وتوتري الذي تزيده رائحة العطور المتماوجة، محاذراً ألا أرفع عيني من إطراقتي إلا بشكل عابر، سريع، ينظر نظرة شاملة للمكان، لأن أي تحديق، انزلاقة بصرية ما، توجع القلب أكثر!

 

آشكمااااآاان...

 

 ما زال يرددها المطرب بشكل إيحائي ومؤثر، يستفز بها جموح الفتيات، ويزداد الجمع الراقص فوراناً وارتماءً في أحضان بعضهم، أو بين حلقاتهم المختلفة، وجدتني بعد دقائق قد كتبتها عدة مرات دون أن أنتبه، كتبتها بالقاف، والكاف، بالعين ابتداءً والألف المهموزة، غيرتها عدة مرات، واكتشفتُ أن الكلمة تتصاعد في الورقة، وتحتل كل المساحة المتبقية لأنفاسي، لعرقي، لدموعي التي تنتظر في صف طويل خلف جفني.

 

بالفارسي أخيراً، كتبتها في المساحة الأخيرة الباقية من الورقة.. و..لم يبق متسع لحرف النون!

 

 

*   *   *   *   *   *

 

قال لي أستاذي أنه كيسُ طحين، مقوّس..

 

رسمه أمامي، ورحتُ ألتقط حركة أصابعه وأبدأ في العد كعادتي لأسجل زمنياً كم تستغرقه كل انحناءةٍ واستقامة، وفي أي منعطف من الحرف يقف لجزء من الثانية ليريح نبضة يده كما يقول، بدأ من أعلى، ونزل بسرعة ثابتة، توقف في بعد ذلك لجزئيْ عدّ، ثم تسارع ليرسم القعر، ويختم القوس لأعلى، كان الوقت الذي يتطلبه رسم المتن لحرف النون بالخط الفارسي متساوياً مع بقية الحروف، الغريب هنا أنه عبد المجيد توقف ثانية كاملة، وغيّر وضعية أصابعه على قصبة الخط، قبل أن يضع النقطة بحذر شديد في أعلى قوس النون!!

 

كانت أهم نقطة أراها في كل الحروف الأخرى، بمختلف الخطوط التي أكتبها بها!!، لأول مرة أرى معلمي يغير وضعية أصابعه أثناء رسم حرف، كانت أصابعه عادة تلتصقان بالقصبة كأنها أجزاءٌ ناتئة منها، وهو الذي علمني هذا أول ما ابتدأ في تدريسي، ولهذا صحتُ مباشرة، بشبه لهاث وانفعال: ((أصابعك، لقد حركتها؟!))، وأجابني وكأنه ينتظر سؤالي: ((لأن نقطة النون الفارسية يا ولدي، حرفٌ مستقل!))

 

أعاد رسم الحرف ثلاث مرات أمامي وهو يتكلم: ((نون الفارسية كيس طحين، قلتُ طحين بالتحديد وليس أي كيس، الطحين ناعم جداً، يملأ الكيس تماماً، ويجعله تام التقوس من الأسفل، وهو ثقيلٌ أيضاً، ما يمنعه من التحدب لأعلى، وبهذا يأخذ الكيس حقه من السمنة، كذلك حرف النون، والنقطة مستقلة كما قلت، هل اليد التي تحمل كيس الطحين هي جزء من الكيس؟، طبعاً لا، إذن النقطة كاليد، مستقلة، تذكر هذا..))

 

 

*   *   *   *   *   *

 

الآن أتذكر هذا، وأنا أبعثر جيوبي مرة أخرى بحثاً عن ورقة أكمل بها النون التي تنتظر!، كدتُ أجنُّ وأنا لا أجد في جيوبي ورقةً تليق باستذكار درسٍ قديم من معلمي، قفزتُ من طاولتي لأبحث عن ورقة، زاحمتُ الراقصين، ولمستُ ظهر فتاةٍ فالتفتت لي بالحاجب الأسود المشوب بشقرة، والعينين المكتملتين مثل حاءين بخط النسخ، وابتسَمَتْ دون أن تتوقف عن رقصها، ابتعدتُ عنها لأجد نفسي بمواجهة فتاة أخرى، ذات خصلتين متنافرتين تحيطان بجبينها، كأنها الإطار التي نكتب فيه رقم الآية في القرآن، وعطرها يفوح بشراسة، كأنها الرتوش التي نملأ فيها فراغاتِ الثلث، دخلتُ في زحمة الراقصين دون انتباه، في الوقت الذي أطلق في المطرب صيحة نشوة كبيرة، واندفع نحو الجمهور يحثهم على الغناء معه، والمزيد من الرقص، فاندفعوا جميعاً إليه، ووجدتني محاطاً بهن، مغموساً في اللوعة التي تفرزها مباشرة فتنة ليست لغيرهن من النساء: فتنة الفارسيات!

 

خرجتُ من سخونة الجنة المفاجئة تلك، واندفعتُ مباشرة نحو أحد السقاة، وسألته: ((ورقة، لو سمحت؟))، ابتسم لي بخبثٍ بسيط، وأشار بيده بسخرية أنه لا يمكن أن يحمل معه ورقاً في مكان كهذا، ثم اقترب من أذني، وهمس بمكر: ((سجل رقمك في هاتفها مباشرة، الأوراق تضيع!))، ابتعدتُ عنه بدهشة، صحتُ: ((لا))، وخلفته ورائي، واحتجتُ عشر خطواتٍ لأتفادى اضطرابي، وأفكر: ((حسناً، معه حق، الأوراق هنا من أجل هذا، وحدي يبحث عنها من أجل نزوة خط!))

 

عدتُ بمنديلٍ أبيض هش إلى طاولتي البعيدة، وارتعشت يداي وأنا أحاول رسم النون فوق غضاضة المنديل المزعجة لقلمي، لم تكن كيس طحين أبداً، كانت تبدو أي شيء فاشل آخر، كيس حصى، كيس لب، كيس همّ!، حاولت مرة أخرى، كان الحبر ينتفخ فوق المنديل، وينتشر بقبح، تركتُ قلمي يسقط على الطاولة، ودفنتُ وجهي في يدي، ورحتُ أفكر بعمق، محاولاً أن أسترجع في ذاكرتي كل الدروس القليلة التي كان يعطينيها عبد المجيد في الخط الفارسي، أي شيء ينقذني من عثاري هذا!، ((الحاء منقار طائر، الراء ضفيرة طفلة، النون.. النون.. النون..))، فجأة أضاءت في عقلي كلماته: ((يا ولدي، الخط الفارسي ليس صعباً، كل الفُرْس يكتبونه بعفوية!))

 

*   *   *   *   *   *

 

-       هل أنت بخير؟

 

نطقَتَها بالفارسية، وانتبهتُ إليها جافلاً من إطراقتي تلك، وبوجهٍ منكِرٍ لما تقول، فكررتها مرة أخرى بالإنجليزية، فأجبتُها بإيجاب مشوب بذهول واضطراب، ابتسمَت لي، ثم سألتني أخرى: هل تسمح أن أترك حقيبتي على الطاولة هنا؟، أومأتُ لها بإيجاب آخر مشوب بلا شيء محدد هذه المرة!، فتركَتَها، وخاضت في الزحام الراقص.

 

لم تكد تغيبُ حتى قفزتُ من طاولتي، وفي عقلي صورة ذلك الملصق الدعائي الذي كان عند مدخل المرقص، وهو يكاد يسقط دلالة تثبيت سيء، تذكرته الآن فجأة، ورحتُ أهرول إليه غير مبالٍ بالأقدام التي أدوس، والأزواج التي أخترق، حتى وصلتُ إليه، ونزعته من الحائط، وعدتُ به إلى طاولتي. كان مستطيلاً بحجم صينية الشاي تقريباً، وظهره الصقيل الأبيض مثالياً جداً للخط.

 

وضعتُ قلمي جواره، وأسندتُ وجهي على مرفقي، وجلستُ أنتظرها!

 

رأيتها بلمحة، كانت في الثلاثين كما تبدو، عيناها حاءا نسخ ككل عيون الفارسيات، فمها يشبه الهاء الأخيرة في لفظ الجلالة، وأنفها دقيق كنقاط الثاء الثلاث المتراكمة فوق بضعها كمكعبات السكر، خداها، بالغمازتين، مثل جيمين متعاكسين يحفان بوجهها، وجبينها المتساقطة عليه خصلٌ قليلة من شعرها كان سيناً مقلوبةً من النسخ ولا أجمل.. و

 

كانت ترقص، ترقص، ترقص، كعشرين سطراً نزقاً من الرقعة!!

 

هاهي تعود لتأخذ حقيبتها، وأنا أمد إليها قلمي بوجهٍ متوسل:

 

اكتبي لي نوناً !

 

*   *   *   *   *   *

 

في الصباح التالي، كشفت "قولنوش" نهدها الأيسر، متوّجاً بحلمته الصهباء.. وقالت: كهذا !

 

 

محمد حسن علوان

28 يوليو 2004

 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي