|
مقتطفات نقدية من كتاب (حداثة
النص الشعري في المملكة العربية السعودية: قراءة نقدية في تحولات
المشهد الإبداعي)، للدكتور عبدالله بن أحمد الفيفي، الأستاذ بكلية
الآداب، جامعة الملك سعود بالرياض، وعضو مجلس الشورى السعودي.
2005.
* * *
* *
((......
ومن الشعراء الجدد، المتميزين في المآخاة بين الحداثة والأصالة،
محمّد حسن علوان،
كما يتمثّل ذلك في
نصّه الشعريّ الطويل بعنوان "صداع"، الذي ينطلق هكذا:
وقلتُ :
((إذا ارتادني هاجسُ البوحِ يوماً..
أنادي عليكْ
أضمُّكَ في غرفة الغرباءِ.. وأبكي،
كأني تلاشيتُ من دفتر البؤسِ يومَ
التقى كتفانا..
وبُحْتُ!))
تلعثمتُ في دفتري ساعتينِ،
شممتُ على الورقِ المستبدِّ
روائحَ ما بَعَثتها يديْ !
وما بَرِحَ الخوفُ يُلقي أمامي جَزُورَ الكتابة !
فعلى الرغم من حداثة سنّ هذا الشاعر وقِصَر تجربته الشعريّة، فإنه
يتميّز بنضجٍ لغويّ، وصقالة أسلوبية، وقدرة تعبيريّة لافتة. وقد
ظلّت بداياته متعلّقة بالقصيدة البيتية- المتأثرة بطابع الجملة
الشعريّة لدى نزار قبّاني
- مُظْهِراً تمكّناً نظميّاً جيّداً، حتى أخذ في نصوصه الأخيرة
يراود تحديث القصيدة، على النحو الماثل في "صداع". (وستقف الدراسة
مع جوانب هذا النصّ الفنيّة في مواطن لاحقة).
((.....
في البنية اللغوية، الصفحات 32،
33
* * *
* *
((.....
وقد يُلمَح أن مثل هذا النمط من التوظيف الفنيّ آخذٌ في التنامي،
عبر نصوصٍ أكثر جدّة- وغير منشورة ولا مدروسة- لشعراء أحدث سنًّا
وتجربة، كالشاعر محمّد حسن علوان،
في مثل قوله:
(...)
جلستُ على آخر السطرِ
أحصي خِرافي
وأحملُ في داخل الجرح ذاك الثغاء الأخيرْ!
(...)
تعيساً..
أشاهدُ وجه الجدارْ
وفي داخلي ألفُ طبشورةٍ
تستعدُّ بغبنٍ لهذا الحوارْ !
(...)
لعلمكَ : لم يبق عنديَ ثوبٌ
لأرقعه بالنصائحِ..
لا بابَ حوليَ للطارقينَ،
ولا دربَ فوقيَ للسالكينَ،
فوفِّر من النصح واجلس ندخِّن سوياً..
أو ارحل..
فلم يبق إلا لفافة تبغٍ وحيدة !!
(...)
مارستُ نفسي هنا
أتأمل خلف المكانِ،
وأقلبُ ذاكرتي مثلما يقلب الطفل
حصالة المال بعد شهورٍ،
أفتِّشُ جيباً قديماً،
وأفتحُ دُرجاً عتيقاً،
وأبحثُ..
ما زلتُ أبحثُ..
منذ قرونٍ..
وحتى الأبدْ !
(...)
ترى أيّ شيء تبقّى لنا؟
لماذا مشينا بكل اتجاهٍ
ولم نمش، لو مرةً، نحونا!
تراك تميّز طعم الفصولِ
إذا نمتَ في وسَط البوصلة؟!
تراك تحسُّ بلون الرياحِ
إذا كان جسمك صندوقَ شمعٍ
ووجهك نافذةً مقفلة ؟!
(...)
.. آسفْ !
هذيتُ طويلاً !
ولا شئ متَّسقٌ معْ دروب الخواء !
هنا كلُّ سهمينِ عكس اتجاهيهما
يرحلانِ ..
كأن الصداعَ.. غريزة !
ومنحنياتُ انطفائي تكنِّسُ
في النفس حلم الرضا،
والممرَّ العريقَ،
وتطفئ نارَ الطموحِ المهيبة !
.........................
أغْلقْ حنيني وراءكَ..
وارحل.. لعلي أنامْ
لقد نزفتني إلى الموتِ هذي القصيدة !
وقد اجتزأتُ هذا الشاهد المطوّل، غير المنشور، من قصيدةٍ لشاعرٍ
شابٍّ، في العشرينيات، لأُشير إلى بزوغ هذه الحساسيّة الجديدة،
التي ترتفع بتوظيف لغة الحياة اليوميّة وعناصرها إلى هذا المستوى،
الذي يمازج وجدان الشاعر وذهنه، بشفافيّته وصدقه، لتعبّر في
مزيجها عن مزاج الذات الإنسانية، في صراعها المحتدم مع واقعها
المعاصر. كل هذا دون أن تتعثّر بالشاعر سلامة اللغة، أو صفاء
النَّبْر، أو سلاسة الإيقاع، أو براعة الأداء. ولعل هذا مؤشرٌ على
إقبال التجربة الشعريّة في المملكة على معادلة تتميز بالنضج
النسبيّ في مشوارها الحداثويّ.
في البنية اللغوية، الصفحات 54
- 58
* * *
* *
((....
غير أن هذا المستوى الأسلوبيّ قد يأخذ في نصوصٍ أخرى وجهاً من
النثريّة الشارحة، أو التقريريّة المباشرة. مثلما يلحظ في النصّ
الطويل بعنوان "صداع" لمحمّد حسن علوان، ولعل للإطالة هنا دورها
السلبيّ في إفقاد النصّ توتّره الشعريّ المستمرّ:
تعال احترقْ ها هنا في بقية
مدفأتي قبل أن يسرق السهد
ما ظلّ من حفناتِ الرمادْ
يقولون إنّ الرمادَ على الحزن
مثل الظلال على السفحِ،
مثل النحيبِ على الحلقِ،
مثل الحنينِ على عتباتِ البيوتِ القديمة،
مثل المناديلِ.. فوق الزكامْ !
تعال ارتجفْ ها هنا،
بعضُ جلدكَ يرقص من ضجة القلبِ،
أعلمُ هذا..
وأعلمُ أنكَ آخر خدشٍ يوقِّعه
فوق جلدي الزحامْ
تعال.. تعال،
وأفرغْ على الجرحِ قِطْراً
فلن ينقبوه سوى حين يأذن ربي
لقيحكَ أن يفسد الذاكرة !
(...)
تراك تخيّلت يوماً جمالاً كبيراً..
وكانت عيونكَ أضيق مما تخيّلت
فانسكب الماءُ منها..
تراك سعيت لأنبوبة الأغنيات
التي تنتهي بالغيوم،
وكنتَ مهيضاً بفرحك..
فابتعدت خطواتك عنها !
لأنك من سطوة الحزن
لا تستطيع التآلف مع
حالة واحدة !
…
فيميل الشاعر بقصيدته هكذا إلى نثرية الشرح، والتحليل، والتعليل،
وهو ما لا تسيغه لغة الشعر. وقد انزلقت قصيدة "صداع" إلى هذه
النثرية بدافع السرديّة الشعريّة، التي اتجه إليها النصّ لنقد
المدينة الحديثة، وتعرية موقع الشاعر منها. ومن الواضح أن علوان
قد كتب القصيدة في لحظات متباينة، حتى إنه قد أدمج في وسط النصّ
جزءاً بين قوسي تنصيصٍ، يبدأ بقوله: "أنا يا إله الأماكن أكره
كالموت هذي المدينة!"، ليشرع في تفصيل أسباب ذلك الكُرْه، وهو ما
أدرج في القصيدة أكثرَ أجزائها ضعفاً ونثريّة. وهذا يميط اللثام
عن عادات كتابية تأليفية تُسهم أحياناً في ضعف اللغة الشعريّة في
النصّ الشعريّ الحداثيّ. فمعروف عن الشاعر علوان شغفه بالكتابة
السرديّة، وقد أصدر نصًّا سرديًّا مسهباً، بعنوان "سقف الكفاية"،
وآخر بعنوان "صوفيا"، غير أنه قد كان من حقّ الشعر عليه التمييز
بين ما تتطلبه لغة الشعر، من كثافة خاصة، وما ميدانه الأمثل النثر:
من تكرارات إيضاحية وتفاصيل شارحة.
في البنية اللغوية، الصفحات 64
- 66
* * *
* *
((.....
كل حداثة شعريّة تراهن على نجاح مشروعها من خلال اشتغالها على منح
اللغة طاقات تعبيريّة جديدة، تنجم عن تحريف العلاقات بين الكلمات.
حدث ذلك في مشروع أبي تمّام الشعري قديماً، ويحدث حديثاً في تجربة
الشعر المعاصر. غير أن الوقوف عند هذا المستوى- من العدول
بالكلمات عن علاقاتها المألوفة- يقف بالشاعر عند حدّ ما تمكن
تسميته بـ"الانزياح البسيط"، الذي كان الثبيتي رائداً مهمًّا من
رواده في الشعر الحديث في السعودية، ومنذ "عاشقة الزمن الوردي"،
1982. على أن هذا الانزياح البسيط يظل شرارة اللغة الشعريّة
الأولى، وإن تخطّاه الشاعر إلى عوالم أوسع من التصوير وتقنيات أكثر
تعقيداً في التركيب. يظل نواة الحداثة الشعريّة، التي تَفْتِنُ
القارئ بعبارة كـ"وما خنتُ جذري/ إذا اصطبح الناسُ روماً بفُرسِ"،
أو "هاتي يقيني/ وهاتي من الحلم رأسي"، لمحمّد جبر الحربي؛ أو "أين
من العمر أجلس/ في هدأةٍ لأقشّر جوز الظنون العنيدة"، لمحمّد حسن
علوان. إلاّ أنه، لمّا كان هذا الضرب من الانزياح يَقْنَع بصنعة
العلاقات الجزئيّة، فإنه قد يفضي إلى الاعتساف، الذي لا ينجو من
تكلّف، أو طرافة، كـ"راتب الحروف"، أو "بيض السكينة"، في قول
علوان:
أنا يا إله
الأماكن جدًّا
فقيرٌ، ومنذ شهورٍ
وكلُّ حروفيَ
لم تستلم راتباً واحداً من دميْ!
كيف أكتبْ؟
(...)
أنا يا إله الأماكنِ
أكره كالموتِ هذي المدينة!
...
وأكرهها حين تزحفُ نحوي
برائحة الجوعِ،
تقتحمُ الروح قسراً وتأكلُ
في عشِّ رؤياي..
بيضَ السكينة !
غير أن هذه الانزياحات، كلما تجاوزتْ علاقات المفردات الجزئيّة إلى
اتساع الرقعة في تلافيف المركّب النصيّ، منحتْ النصّ فتنته الأوسع،
وحضوره الأحدث، كأنْ تقرأ لعلوان نفسه:
...
ومنحنياتُ انطفائي تكنِّسُ
في النفس حلمَ الرِّضا،
والممرَّ العريقَ،
وتطفئ نار الطموحِ المهيبة !
......................
أَغْلِقْ حنيني وراءكَ..
وارحلْ.. لعلّي أنامْ
لقد نزفتني إلى الموتِ هذي القصيدة !
ذلك أنك هنا إزاء استعارة موسّعة، لا لَقْطَة جزئيّة. تتسرب كلمة
"منحنيات" فيها، عضويًّا، متّصلةً بسائر الكلمات اللاحقة بها، غير
منتهية عند الكلمة المجاورة "انطفائي". مثلما هي متواشجةٌ بما
قبلها من كلمات.
هندسة الأشكال الفنية، الصفحات
79 - 81
* * *
* *
((.....
ويمكن رصد أشكالٍ عشرة رئيسة يتخذها التناصّ في القصيدة الحديثة في
السعوديّة:
1) الاستعانة الأسلوبيّة.
2) التضمين والاستشهاد.
3) الإحالة.
4) التلميح.
5) المناقضة.
6) المعارضة.
7) حوار النصوص.
8) بنية الأقنعة.
9) أسلوب المرايا.
10) التناصّ بين الشعر والفنّ التشكيليّ.
والمستوى الأوليّ من تلك الأشكال هو أن يتّجه النصّ إلى الاستعانة
الأسلوبيّة، أو تضمين النصوص تضميناً استشهاديًّا، سواء ما كان
منها شعرًا أو نثرًا. ويبرز من الاستعانة الأسلوبيّة بالنثر
الاستعانة بنصوصٍ من القرآن الكريم، بمفرداته أو تعبيراته. وأكثر
الشعراء المحدثين احتفاء بهذا محمّد حسن علوان:
تعال.. تعال،
وأفرغ على الجرحِ قِطْراً
فلن ينقبوه سوى حين يأذن ربّي
لقيحكَ أن يفسد الذاكرة!
إلا أن هذه الظاهرة- على تفشّيها في أسلوب علوان
- لا تعدو عنده غالباً هذه الاستعانة الأسلوبيّة، المحدودة في
التوظيف الاستعاري.
هندسة
الأشكال الفنية، الصفحات 104، 105
|