|
في البدء:
لقد رأيتني وأنا أهز كتفي "آنا كارنينا" وأصرخ
بها "لا تنتحري يا سيدتي، أنتِ لم تقترفي خطيئة رغم خطيئتك
العظيمة، أنتِ لا تستحقي الموت رغم مواتك السابق، لا تلقي تحت
العربة الثانية بقلبك البكر الذي لم يتدنس إلا بحقه، كأنك بفشلكِ
في تجربتك الأولى المنتظمة تتجاوزين بلا وعي القاطرة الأولى،
وتلقين بنفسكِ تحت القاطرة الثانية هي هي ذاتها، هي تجربة القلب
الخاطئ و تجلياته، لا تنتحري .. لا تنتحري".
فهل لي بمثل هذا الخطاب؟ و هل لي بالشرف الإنساني المحض في إنقاذ
بطلة السرد؛ و ضحيته؟ بالتأكيد لا، ذلك أني خارج النَّص، فتولستوي
لم يدخلني نصه كفاعل وكمحرك للحدث، لكنه بدهائه الإبداعي أدخلني
النَّص متأثرا، أو ثائرا سلبيا يتعاطف و لا يعطف، و يتباكى و لا
يبكي، و يحزن بصمت دون أن يشارك في مراسم العزاء. و لمَ لا، أليس
هو من جعلني – كقارئ – جزءا من نصه و إن كنتُ خارجه؟!
إنني أعجبُ من معركة نشبت بين روائي سعودي وبين روائية سعودية زاد
من إذكاء نارها من تحلَّقوا حول الحدث، فجعلوا منه حكاية عظيمة،
دون أن يتأملوا أننا لا نمتلك رواية حقيقية إلا في حدودها الضيقة،
فالروائي الناقد عرف بأنه لا يتصدى لنقد عمل إلا ويجتازه إلى
صاحبه، والروائية منذ البدء لا تزال في بداياتها رغم تتابع السنين،
و محاولات الروائيين الآخرين في وطني لم تتعدى كونها سرداً لا يدخل
في إطار الفن إلا في نماذج أذكر منها "الغيمة الرصاصية" لعلي
الدميني، و "الفردوس اليباب" لليلى الجهني، وروايات التعزي، و
غيرها القليل.
ما علاقة كل ذلك بنصنا "جفاف"، أردتُ أن أخلص إلى أن الرواية التي
لا تحمل الحكاية/ الحدث/القصّة إلى قارئها في قالب فني أدبي روائي
مكتمل الأدوات التقنية لكتابة الرواية لا تكون رواية، و إن ارتكزت
على شخوص وأمكنة وأزمنة متعددة، كذلك هو الشعر، فهناك فرق شاسع بين
الكتابة التي تنقل الواقع/المعنى فقط، وبين الكتابة التي تشارك في
صياغته و فقهه، بل و إفرازه.
إن الفن، بمختلف تياراته لا يكون فنا إلا إذا حمل الواقع/المعنى
وفق رؤية مبدعه الخاصة، فيضيف ولا يقرر، ويبني ولا يقف راصدا لما
يتم بناؤه، و هو بذلك يجعل القارئ/المستمع كمستهدف مشاركاً في
النَّص متفاعلاً معه. أي أن الفن يضيف لمستهدفه الرؤية، بينما يخرج
عن إطار الفن كل منجز – و إن تسمى بمسميات عرفت بها تيارات الفكر
الإنساني – لا يضيف، و لا يؤثر في مستهدفه بشكل بنّاء.
"مقروئية" النَّص الحداثي/القارئ أولاً:
النصوص العظيمة هي تلك التي تنزعنا من الداخل وتدفعنا باتجاه
الخارج، تخرجنا من التجربة الخاصَّة إلى عموم التجريب، تجبرنا على
مشاركتها الهاجس، التطلع، البناء الموازي، والتوق إلى الاكتشاف.
فاللغة – قالب النَّص/أداته – فعلٌ إنساني يمكن – إذا بحث عن
مستهدفه الخاص – أن يسمّى تقنية اتصال أو أداة من أدواته، و ذلك
بأن يُقرأ، أو يُسمع لا جدل في ذلك. و لكن، هل اللغة للتأثير أم
للتعبير؟ ما وظيفتها بالتحديد؟. في الحقيقة يمكن أن تكون لواحد من
هذين الاثنين وفقاً للهدف من تكوينها، إذ إن وظيفة اللغة تختلف
باختلاف الهدف منها؛ فاللغة التاريخية أو الوصفية أو العلمية...
إلخ تهدف بالدرجة الأولى إلى نقل ما حدث أو ما يحدث الآن، فتقرر
واقعاً و تحاكيه بغض النّظر عن زمنه، و هي بذلك تتمحور في وظيفتها
حول التعبير، حرصاً منها على إيصال المعنى الواضح المطابق للواقع،
فالواقع هو المعنى الذي جاءت اللغة كتركيب لفظي لحمله إلى
القارئ/المستمع، والمعنى هو الواقع الذي كان مطروحاً – بحسب الجاحظ
– على قارعة الطريق فجاء من يحمله إلى قارئه ليعلم طبيعة الأشياء
من حوله، و يجلي اللَّبس. أما اللغة الإبداعية فلا شك أنها تتحلى
بوظيفة تأثيرية أكثر من كونها تعبيرا أميناً عن واقع، وإلا فما
الهدف من لغة إبداعية تقرر واقعاً/تحاكيه إعلاء من شأن المعنى فقط؟
إنها – عندما تصف/تقرر.. تتحول إلى قالب لا يضيف شيئاً و لا يأتي
بجديد، والأدب من منطلق كونه إبداعاً يؤمَّل منه دائماً أن يبني
على غيرِ مثال سابق ليستحق مسمّى " إبداع ".
إنها صرخة فاليه اتكلان: (ويلٌ له ذلك الذي لا يملك الشجاعة على أن
يجمع بين كلمتين لم تجتمعا لأحدٍ من قبله أبداً) ، ودلالة (أن يجمع
كلمتين) هي أن يولِّد معنى جديداً، أي أن يأتي بما لم يأتي به
سابقوه، وهي دعوة للتأسيس على غير بناء سابق، لتنتقل اللغة بذلك من
التعبيرية – التقريرية إلى التأثيرية/الإبداعية، فالتقرير لا يحمل
فكراً جديداً مؤثراً يضيف إلى فكر سابق بقدر ما يحمل من حقائق
مجردة يستدعي فقهها أن تصاغ في قوالب يألفها القارئ ويدركها بوضوح،
بينما النسج على غير مثال سابق يقتضي إيجاد صيغ جديدة ودلالات قد
تولد شذوذاً قواعدياً على مستوى استخدامات اللغة في سبيل البحث عن
المعنى الجديد المبتكر الذي يضيف إلى الفكر الإنساني و يرفده.
كل هذا يدعوني للإشارة بشكل موجز إلى مصطلح (المقروئية) كمقياس
موضوعي يقاس به مدى مقروئية المادة المكتوبة من حيث أن المادة
المطبق عليها هذا المقياس سهلة القراءة، أو صعبة القراءة، وهذا
المصطلح (المقروئية) كما يشير جورج كلير في (مقياس صلاحية القراءة)
يستعمل في ثلاثة معان:
1- للدلالة على وضوح الخط والكتابة أو وضوح الطباعة .
2- للدلالة على سهولة القراءة سواء أكانت راجعة هذه السهولة إلى
اهتمام القارئ بالمقروء، أو إلى متعته و سروره به.
3- للدلالة على سهولة الفهم أو الاستيعاب، هذه السهولة الراجعة إلى
أسلوب الكتابة.
و عليه ، دائما ما أتساءل؛ ما مدى مقروئية
النَّص الحداثي؟
حين يتحدث مايكل ريفاتير في كتاب "سيمياء الشعر" يرى أن القارئ
الذي يحدد اهتمامه بمعنى القصيدة فحسب يكون بذلك يختزلها كنص إلى
سلسلة من مقاطع غير مترابطة. كما يرى أن عملية تامُّل أي قصيدة تشذ
عن القواعد العادية (السائد/المألوف) تجعلها تبدو و كأنها تؤسس
دلالة بشكل غير مباشر فقط، إلا أن الشواذ القواعدية – قواعد وتقنية
الكتابة غير المألوفة – التي قد تصادفه تجبره على الانتقال إلى
مستوى ثانٍ أعلى للدلالة، ليصل إلى "القالب الأم matrix" البنائي،
و هو - أي هذا القالب – محصِّلة النَّص و جوهره. هذا القالب الأم
لا يمكن استنتاجه بسهولة ذلك أنه لا يوجد في النَّص على شكل مفردة
أو جملة أو عبارة متاحة، بل إنه – بحسب ريفاتير – كليشيهات وعبارات
مألوفة أو تداعيات تقليدية تحمل "رسائل ضمنيَّة/الهايبوغرام
Hypograms" (وأشرحها على أنها المفردات أو الجمل الدلالية التي
يظهر أنها تعمل في ظاهرها ضد النسق العام للنَّص بينما هي في
جوهرها تحمل دلالة النَّص و قالبه الرئيس)، و"القالب الأم" كنتاج
لرسائل النَّص المضمّنة هو ما يعطي للقصيدة وحدتها. ويمكن أن
ألخَّص عملية قراءة النَّص قراءة أدبية تقنية – بحسب ريفاتير –
بأنها القراءة التي تمر بالمراحل الأربع المتتابعة التالية:
الأولى: القراءة العادية من أجل الحصول على معنى عادي مباشر.
الثانية: القراءة التي تركِّز على العناصر غير القواعدية – غير
المألوفة، والتي تعيق التأويل العادي المألوف.
الثالثة: القراءة التي تبحث عن الرسائل المضمَّنة، و هي التعابير
الموسَّعة المألوفة في النَّص و تفضي إلى غير المألوف.
الرابعة: استخراج "القالب الأم" من خلال استقراء "الرسائل
المضمَّنة".
و عليه، فيمكن أن أقول أن مقروئية النَّص الحداثي تحددها ثقافة
القارئ و أدواته التي يمتلك، فليست الأدوات التي اعتادها حين
تناوله النصوص التقليدية هي ذات أدوات تناوله للنَّص الحداثي، أي
أنه إما أن يبحث عن المعنى المباشر فلا يجده و ينصرف إلى نص آخر،
أو أن يكتشف أن النَّص يأتي بالعديد من الشواذ القواعدية فيصطدم
بها ليتهم النص الحداثي بالإيغال في التعتيم و الغموض، وبالتالي لا
يتورع عن قذفه بحجارة النقد العاجز عن الفهم، القاصر عن البحث و
التنقيب. أو أن ينتقل للمرحلة الأخيرة التي تؤهله للفهم و
الاستيعاب بمواجهة الشواذ القواعدية فيفتش عمّا تتضمنه من رسائل
مضمَّنة تفضي إلى "القالب الأم " أي نتاج النَّص النهائي و وحدته.
"جفاف" نصٌ يتحصن باللغة:
حسب ريفاتير، فإن "جفاف" نصٌ يتخذ شكل قلعة
حصينة، فقراؤه المقدمون كثر، ومن أحجم عنه كثر و لا شك، فهو كنص
حداثي ليس من شيمه أن يسلِّم قيادة للكسالى من القراء، ولا
للمستويات الأبسط من القراءة، فهو يرى أن من واجبه –إضافة إلى
إيصال رسالته الخاصَّة – أن يأخذ بأيدينا كقراء للنشوء و التطور
معه، و تكوين رؤانا الخاصَّة بنا من خلال التقاطع مع تهويمات
النَّاص/المبدع الخاصّة. فلننظر إلى مستويات القراءة و تتابعها عند
ريفاتير نجد أن كل من تقع عيناه على النَّص لأول مرَّة سيشرع في
قراءته – إذا لم يكن متبنياً موقفاً مسبقاً من النَّص الحداثي
بعامَّة – و هو بذلك سيبحث عن المعنى العادي للنَّص (المرحلة
الأولى من القراءة بحسب مايكل ريفاتير)، و لعل البعض يخرج بمعنى
يتملكه منذ الجملة الأولى للنَّص:
يا ربي.. لم أطلب أكثرْ
جاع جبيني في أصقاعِ العمياواتِ،
فخذ بيدي..
نقّط لي شيئاً أكتبه،
.
.
واجعل لي دفتر!
(يا ربي) إذا فالشاعر يبتهل، طالباً الهدى؟! طالباً أن يتخلص
من "جفاف" يتملكه، ويستمر في ذلك حتى نهاية النَّص، يدعو، ويستغيث،
بل و يلجأ إلى ربِّه، و يمضي قارئاً على هذا النحو، فالنَّص لا
يعدو كونه تهويمات تدور حول دعوات متفرقة لسد كثير من الاحتياجات
التي تشكل "جفاف" النَّاص/المبدع.. و على هذا ينتهي جزء غير قليل
من قراء النَّص.
إلا أن آخرين سيكتشفون مستوى دلالياً أعلى للنَّص، إلا أنهم يركزون
في قراءتهم الثانية (المرحلة الثانية بحسب ريفاتير) باعتبارها
مرحلة تلي المرحلة القرائية الأولى للنَّص سيصطدمون بالكثير من
الشواذ القواعدية غير المألوفة، و هي قواعد لا أعني بها قواعد
النَّص النحوية أو اللغوية، بل قواعد كتابة النَّص الشعري/تقنيته،
فالمتلقي الآن غالباً ما يتصدى لقراءة النَّص بغير الأدوات التي
تفيد في قراءته و استكناه معانيه، إذ أنه يمتلك أدوات قراءة النَّص
التناظري التقليدي (علوم البلاغة؛ تشبيهاتها واستعاراتها، و ما إلى
ذلك مما عُدَّ شارحا للنَّص القديم و مفسراً له)، بينما يفقد –
المتلقي – أدوات قراءة النَّص الحديث، ويتصدى لنص ليس صعب القراءة
فحسب، بل نص يخترق القواعد العامة التي يمتلكها المتلقي بحكم
الدربة والمران المدرسي أو القرائي الذي كان يتوافق مع النص القديم
وما أنشئ على غراره من النصوص الحديثة، هذا المتلقي حين تفاجئه
الشواذ القواعدية وأبرزها توليد المعنى الجديد، أو إخراج المفردة
إلى غير دلالتها المعتادة كلفظة تنقل معنى متداولاً تمتلك مفهوماً
محدداً، وإخراج هذه المفردة عن دلالتها التقليدية بوضعها في سياقات
تخرجها عن المألوف إلى وضعها في شذوذ قواعدي يبني النَّص (أنظر
صرخة فاليه اتكلان أعلاه)، وبالتالي فإن هذا الشذوذ القواعدي يخرج
النَّص عن التأويل المباشر الذي كان نتاجاً للقراءة السابقة، و لعل
أبرز هذه الشواذ القواعدية التي أربكت النَّص – و بالتالي قارئه –
و أعادت تشكيله؛ هي:
((جاع جبيني في أصقاعِ العمياواتِ،))
فأي جبين ضاع في أصقاع العمياوات ؟
((واجعل لي دفتر!))
و كذلك في قول الشاعر :
((فلقد أصبحتُ قنوعاً جداً حين أطارد رزقي في
الأوراقِ،
وما عدتُ أناضل كي أنشب ظفري فيها
أصبحتُ أطالع صفحاتٍ كان يحرِّمها الشعرُ علينا،
كالرأي العام، وأخبار المسؤولين، ومقالُ سياسيٍّ بارزْ ))
فالدفتر حاضر هنا كدلالة تعمل ضد المعنى المباشر للنَّص، و رزق
الشاعر في الأوراق يعمل باتجاه مخالف للنَّص، بل هادماً لدلالته
العامة المباشرة التي ركن إليها ما بقي من قراء النَّص بعد
انتهائهم من القراءة الأولى.
((ذكّرني يا ربي مقياساً أعتمد عليه لفهم العمر، وما يحتاجُ إليه،
وتفسير الجوع المتشابكِ في صدري،
وأقلني من خطئي الدائم في تحديد الرغبة!اليوم استيقظتُ على دقاتِ
التلفِ وقد قَطَعَت مشواراً جبلياً في عقلي!،
واحتجَزَت أطفال الشعر بركنٍ قمريٍّ مظلمْ!
يا ربي ذكرني كيف أمارسُ صرخة!))
و أي دلالة للجوع المتشابك في صدر النّاص/المبدع؟ ولمَ احتجزت دقات
التلف أطفال الشعر في ركن قمري مظلم؟ و ما صرخة النَّاص/المبدع
التي سُلبت منه ليدعو ربَّه كي يتذكر كيف كان يمارسها؟ إنها جزء من
شواذ قواعدية تعمل ضد النَّص كنتاج مألوف قابل للتأويل المباشر .
((ذكّرني يا ربي،
فالعهد القادم عهدُ القهوةِ والقلق المأجورِ،
فكيف سأحمي نفسي من غدر مناخ الحزن،
وإنفلونزا الضجة والتغيير!
بعض الأشياء تعاندني دون مبررْ!
ولقد يركض طفلٌ من أول دكان في الحي إلى آخر شريانٍ في وجهي،
دون حكاياتٍ تسكن فيه، ودون أراجيحَ يعانقها،
لكن كي يجعلني أبدو عادياً وسخيفاً كالصور الفوتوغرافية!))
و يستمر النَّاص / المبدع :
((فأنا أقلق في صمتٍ منذ نعومة أصفادي،
وأخاف من الباب تواربه الريح، ومن قسوة خادمتي الحولاء، ومنك!
ذكرني يا ربي نشوة حرفٍ يتسلق جذع الحبر ويقضم إبهامي،
فأنا أتعاون مع كل هزائم هذا العمر، وأيأسُ تدريجياً كالغرباء،
وأنفق من روحي كل صباحٍ مكيالاً من إيمانْ!))
كيف يقلق الشاعر في صمت؟ وهل يقضم الحرف إبهام الكاتب؟ كل هذا و
أكثر لا يعمل – في هذا المستوى القرائي – إلا عكس اتجاه النَّص،
فكأننا حين ركنَّا إلى تأويل بسيط مباشر، أو كلما أردنا أن نركن
لذلك يصفعنا النَّاص/المبدع بشذوذ قواعدي لم نألفه، بل ويتحدانا في
الإيغال في اختراق قواعد/تقنيات الكتابة المألوفة:
((أكره أن يصبح وجهي مأدبةً لكلامٍ لا أسمعه،
أو يكنسني الصمت القاسي مثل بقايا الطير على الشرفة،
كي يحرمني من مجد حكاية!
ذكرني يا ربي خصباً يجعلني لا أذرع هذي الريح وحيداً كلقاحٍ
فاسدْ!))
و يستمر النّاص/المبدع:
((ذكّرني صوتاً ينصرني حين ألوِّحُ حزناً للمذهولين أمام قراري!
(( أنكثُ عهد النسق المفروض لمن حولي،
وأسافر عكس ظنون الضوء،
وأقتل كل نصائحهم )) !
فالقرار هنا جاء مذهلاً، إذ هو يعمل – كالنَّص
تماما – ضد النسق الجاهز المفروض، وسفر النَّاص/المبدع عكس الاتجاه
السائد – كنصه تماماً -، و هو يضرب بعرض الحائط كل نصح/قاعدة
مألوفة تريد أن تجعله عادياً، فالعادي لا يورث الذهول.
((لا شيء يعيد إليّ صداع الشعر، يداي تجفان
تجفان كأعواد سجائر!
ذكّرني إيماءاتِ الترتيل السبعةِ،
والإدغام بغنة!))
فهل الشعر/صداعه ورؤاه هو أحد هواجس الشاعر هنا؟ هل هو ابتهال يأتي
عرضاً في ابتهالاته؟
((ذكرني نصف طموحي يوم بدأتُ، ويكفي هذا!
ذكرني الأشياء الصغرى.. والكبرى أيضاً!،
فالذاكرة العمياء تؤبجد عمري ببلادة أستاذ النحو،
وتنقِصني من أطراف العمر، ولا تترك صوتاً للتاريخ،
ولا مجداً للقيصرْ ))
ما علاقة الذاكرة العمياء بالعمياوات التي وردت في أول النَّص ؟
((ذكّرني شجناً ينقذني من هذا الحس الباردِ
حتى لو جاء غبياً،
سوف أزيد عليه كذباتٍ أخرى كي أجعله سريالياً جداً،
لكن ذكّرني كيف أحسُّ به يا رب))
أي شجن يريدُ الشاعر تذكره؟ و أي سريالية يعد بها؟
و أخيرا ، ما معنى الخطاب المباشر الذي يتجلى في النَّص من النَّاص
/ المبدع لربِّه :
((.. دعني أكمل!)،
و قوله في آخر النَّص :
((... / وشكراً لكْ
لن أطلب أكثر من هذا،
لم يبق لدي دعاءٌ..
أقفل شباكك يا ربي..
.
.
واتركني!))
إن كل ما أوردته سابقاً يعدّ شذوذاً قواعدياً عن المألوف في تقنية
الكتابة، و هذا الشذوذ القواعدي في ظاهره يعمل عكس اتجاه النَّص،
أو عكس القراءة الأولى المباشرة للنَّص للبحث عن المباشر فيه و
المألوف، فما موقفنا تجاهه؟
إن من تبقى من قراء النَّص ينقسمون إلى فئتين، الفئة الأولى هي
الفئة التي سترى في هذا الشذوذ القواعدي أزمة النَّص الحداثي، بل و
يراه مدخلاً لرجمه بالغموض، والتعمية، و استحالة استجلاء معناه
لغير قائله، بل و يذهب البعض من هذه الفئة إلى تأويل النَّص
تأويلاً دينياً بحتاً، أي أن يركِّز على قراءة المفردة التي تتقاطع
مع نص قرآني بوصفها مفردة لم تستعمل كثيراً بعد استعمالها في
الكتاب العظيم، و عليه فإن النَّاص/المبدع يصير هنا إلى الخروج عن
الملة، و يُتهم بالكفر البواح! متناسين بذلك أن القرآن العظيم لم
ينزل على غير ما ألف العرب من ألفاظ، و إلا لما كان مفهوماً لهم.
أما الفئة الثانية فستعمل على الانتقال بالنَّص (للمرحلة القرائية
الثالثة بحسب ريفاتير)، وهي المرحلة التي يفتش فيها القارئ عن
الرسائل المضمَّنة، و هي التعابير الموسَّعة المألوفة في النَّص و
تفضي إلى غير المألوف، فما الرسائل المضمَّنة في "جفاف"
محمد حسن علوان؟
رسائل " جفاف" المضمّّنة:
عند النظر للرسائل المضمنة في نص "جفاف" لمحمد حسن علوان، فإننا
نخلص إلى مجموعة من هذه الرسائل؛ ألا وهي:
"جفاف" بوصفها الجملة الدلالية للنَّص.
"نقط لي شيئا أكتبه"
"و اجعل لي دفتر"
"أطارد رزقي في الأوراق"
"صفحاتٍ كان يحرمها الشعر"
"تفسير الجوع المتشابك في صدري"
"دقات التلف احتجزت أطفال الشعر"
"ذكرني كيف أمارس صرخة"
"فكيف سأحمي نفسي من غدر مناخ الحزن، / وأنفلونزا الضجّة
والتغيير!، بعض الأشياء تعاندني دون مبرر!"
"كي يجعلني عاديا و سخيفا كالصور الفوتوغرافية"
"أقلق في صمتٍ منذ نعومة أظفاري"
"ذكرني يا ربّ نشوة حرف يتسلق جذع الحبر و يقضم إبهامي"
"أكره أن يصبح وجهي مأدبةً لكلامٍ لا أسمعه،
أو يكنسني الصمت القاسي مثل بقايا الطير على الشرفة،
كي يحرمني من مجد حكاية!
ذكرني يا ربي خصباً يجعلني لا أذرع هذي الريح وحيداً كلقاحٍ فاسدْ!
"
"ذكّرني صوتاً ينصرني حين ألوِّحُ حزناً للمذهولين أمام قراري!
((أنكثُ عهد النسق المفروض لمن حولي،
وأسافر عكس ظنون الضوء،
وأقتل كل نصائحهم)) !"
"لا شيء يعيد إليّ صداع الشعر، يداي تجفان تجفان كأعواد سجائر!
ذكّرني إيماءاتِ الترتيل السبعةِ،
والإدغام بغنة!"
"ذكّرني جهة الحرف إذا ضلّ بأحياء البطّالين"
"فالذاكرة العمياء تؤبجد عمري ببلادة أستاذ النحو،
وتنقِصني من أطراف العمر، ولا تترك صوتاً للتاريخ،
ولا مجداً للقيصرْ "
"سوف أزيد عليه كذباتٍ أخرى كي أجعله سريالياً جداً "
فماذا نخرج عند تأمل هذه كليشيهات و عبارات مألوفة أو تداعيات
تقليدية تحمل "رسائل ضمنيَّة/الهايبوغرام Hypograms"؟
أتركها لكم ، قبل أن أعود إليها . أريد أن
أركِّز على علاقة الجزأين:
((فالذاكرة العمياء تؤبجد عمري ببلادة أستاذ
النحو)) و: ((جاع جبيني في أصقاعِ العمياواتِ،))
إذ إن تأمل هذين الجزأين، الأول في بداية النَّص والآخر في آخره
يعطينا شعوراً بأن النَّص مترابط الجزئيات، لا تعمل في شواذه
القواعدية على هدمه، بل إنها تعمل على هدم القواعد المألوفه –
النمط السائد – لا غير. و بذلك فالعمياوات التي جعلت الجوع/ الجفاف
مصيراً لجبين الشاعر هي بلا ريب إدانة بلادة القواعد/القوالب
الجاهزة التي رفضها من قبل كنصيحة: ((وأقتل كل نصائحهم))
فالنصيحة لدى الشاعر مرادف أو معادل موضوعي للوصاية التي يرفضها
النَّص الحديث لكونه عملٌ إبداعي يريد أن يخلق نسقه الخاص بعيدا عن
القواعد/الأنماط الجاهزة.
ثم إن الخطاب البسيط السلس في النَّص للرَّب :
((.. دعني أكمل!))،
و :
((... / وشكراً لكْ
لن أطلب أكثر من هذا،
لم يبق لدي دعاءٌ..))
جاءت كمرتكزات هامة للنَّص يمكن من خلالها استشعار حضور الرَّب
كملجأ نهائي للشاعر وهو يدعو، أي أنه حاضر في حس الشاعر كمجيب
حتمي، تحدثه به نفسه في وسط النَّص فيسكت الشاعر الصوت الذي يهتف
به أن قد استجيب لك، ثم يخاطبه كصوت داخلي موجود مضمون الإجابة في
آخر النَّص:
((أقفل شباكك يا ربي..
.
.
واتركني!))
فقد انتهيت مما أريد البوح به، و لا بأس من أن يقاطعني صوت اليقين
في داخلي الآن.
أعود مرَّة أخرى لرسائل النَّص الضمنيّة، فما وجدتم فيها: ألا ترون
فيها – وهي تنتشر في طول النَّص بشكل منتظم – هاجس اللجوء للرّب،
وصوتيم الدعاء كفعل ظاهر في النَّص ، فهذه الجمل و العبارات حملت
رسائل ضمنية تتمحور حول:
نقط لي / دفتر / شعر / أطفال الشعر / الأوراق / الجوع المتشابك في
صدري / الصور الفوتوغرافية / أمارس صرخة / حرف / حبر / إبهام /
أقلق في صمت ..
فإلى ما تشير هذه الكليشيهات والعبارات المألوفة أو التداعيات
التقليدية، إلى إي شيء من الرسائل الضمنيَّة؟ مالذي يربطها؟ وكيف
من خلالها نصل إلى "القالب الأم matrix " الذي هو بناء النَّص و
وحدته؟
" القالب الأم matrix " لـ " جفاف ":
إنك حين تعيد النَّظر في المرحلتين القرائيتين الثانية و الثالثة –
بحسب ريفاتير – تجد أنَّ الشواذ القواعدية التي إلى انصراف جزء من
قراء النَّص بدعوى الغموض هي ذاتها التي تحمل في طياتها الكليشيهات
والعبارات والجمل التي تعطيك رسائلك المضمَّنة في النَّص من قِبل
النَّاص/المبدع.. وصولاً إلى وحدة النَّص.
إذا أعدنا النَّظر في:
نقط لي / دفتر / شعر / أطفال الشعر / الأوراق / الجوع المتشابك في
صدري / الصور الفوتوغرافية / أمارس صرخة / حرف / حبر / إبهام /
أقلق في صمت ..
فإننا نجدها تدور حول أدوات الكتابة الشعرية، حول الشعر، حول
الشاعر، إنها و باختصار شديد " أزمة الشاعر الحديث في أزمنة
القحط "، هذا القحط الذي جعل من النًَص دالاً عليه بأكثر من
مستوى، ودالاً على ناصِّه/مبدعه بأكثر من طريقة، شارحاً الأسباب،
ممتعضاً من بعضها، ساخراً من الآخر.
في ظلِّ هذا الوعي القرائي/الأسلوب القرائي تستطيع العودة لقراءة
النَّص لتجد أنه يبث رسائل الضمنيَّة بشكل متوازنٍ و محترف منذُ
بدء النَّص و إلى منتهاه، ليجعل من جفاف/ أيقونة تتكرَّر ضمناً وإن
لم ترد ظاهراً، جفاف/الشعر (شعر، أطفال الشعر)، جفاف/اختيار الطريق
(أقلق في صمت)، جفاف/النضال في سبيل كسر السائد والمألوف (نقط لي،
دفتر)، جفاف/الارتهان لصور فوتوغرافية تقيد الزمن ولا تطلقه (الصور
الفوتوغرافية)، جفاف/ فقدان الهويَّة الخاصَّة في التعبير (صرخة)،
جفاف/الضلال الخاص أو الداخلي (الجوع المتشابك في صدري)،
جفاف/اختيار الأداة وتفعيلها (دفتر، حبر، إبهام، أوراق).
فأي حصارٍ هذا الذي يحيط بالشاعر البديع/محمد
حسن علوان؟، و يجعله يضج هارباً من جفافه إلى ابتهالاته.
أزمة الشاعر الحديث في أزمنة القحط :
يبدأ محمد حسن علوان نصه بخطاب ابتهالي بسيط
وبديع في آن:
((يا ربي.. لم أطلب أكثرْ
جاع جبيني في أصقاعِ العمياواتِ،
فخذ بيدي..
نقّط لي شيئاً أكتبه،
.
.
واجعل لي دفتر!))
فأنا الشاعر، أنا الشاعر، أنا الشاعر من يبتدع
الخلق الفنِّي، من يشعل حرفاً في حرف كي ينسج تكوينا مختلفا قد
تهت، ضعت، فجبيني/علو الشاعر واعتداده بنفسه يتلاشى في زمن النفط،
يتلاشى في زمن لا يعرف إلا التقعيد/القولبة لي كي أكتب كالباقين،
وأنا بوصفي إبداعياً في توجهي أهرب إليك، فخذ بيدي، وهذا أعلى ما
يمكن أن يطلبه العبد من ربٍ أعلى، قادر، ملجأ..
((نقط لي شيئا أكتبه..))
فلرب هو المبدع الخالق على غير مثال سابق، و
الشاعر هنا يرجو خلقا فنيَّا لا أكثر، فيلجأ كي يخلق فنا إلى مظنة
المساعدة في الخلق، نقط لي شيئا أكتبه.. و اجعل لي دفتر..
ثم يفيض علوان في سرد أزمته كشاعر حداثي لا
يريدٌ لنفسه ولا لنصه أن يكون مكروراً:
((يا ربي، من يتشابهْ مع هذا الوقت تمورُ
بمهجته اللحظاتُ،
ومن يقطعه عرضاً، أو يخدشُ رغبته، أو يمشي عكس السائد،
أو.. ( دعني أكمل!)، من يتمددُ فوق رصيف تمرده،
يا ربي.. يتيبَّسْ في بطء القيظ الزاحفِ.. مثل رغيفْ!))
تختلط الأوراق، يختلط العالم، لمن قنع بأن يكون مسخاً/مقولباً، و
يُنفى من يخدش ما ساد، من حاول أن يخرج عن مألوف القوم.
((ولقد يركض طفلٌ من أول دكان في الحي إلى آخر شريانٍ في وجهي،
دون حكاياتٍ تسكن فيه، ودون أراجيحَ يعانقها،
لكن كي يجعلني أبدو عادياً وسخيفاً كالصور الفوتوغرافية!))
وهيهات لشاعر بديع أن يقبل أن يكون عادياً فعلاً/ كتابة/اتجاهاً
ليصل إلى سخف المكرور و برودته، و فقدانه للحياة الضاجَّة.
((ذكِّرني يا ربي كيف أقشِّر نسغ الليلِ،
وأنكشُ من أقصى الجذع اليابس.. نصفَ اطمئنانْ!
إني أكره أن أبقى ممضوغاً في التقويم كمنتصف الشهر، ))
وهنا تعبير عن رغبة تلح على الشاعر الحديث، أن لا يكون تكراراً
لغيره، جزءاً من أجزاء أخرى لا تتفاضل، أو شيئاً لا يفعل/يقشر نسغ
الليل، شيئاً مفقوداً رغم تواجده لضجيج الأشباه المشابهة له حد
الفقد.
((أو يكنسني الصمت القاسي مثل بقايا الطير على
الشرفة،
كي يحرمني من مجد حكاية!
ذكرني يا ربي خصباً يجعلني لا أذرع هذي الريح وحيداً كلقاحٍ
فاسدْ!))
فالصمت خيار من لا يأتي بالجديد إذا كان يحترم كونه يعتزم الخلق
الفنِّي، فهو أمام خيارين إما أن يذرع ريح التغيير و الاختلاف
فيصير منبوذاً/لقاح فاسد، أو أن يصمت، وكلاهما موت للشاعر.
((أحتاجُ إلى طوفانٍ يختزل جميع التعديلات
المطلوبة،
هل عندك طوفانٌ آخرُ يا ربي؟!
لا شيء يعيد إليّ صداع الشعر، يداي تجفان
تجفان كأعواد سجائر!
ذكّرني إيماءاتِ الترتيل السبعةِ،
والإدغام بغنة!))
و هو بهذا يهبّ لطوفان يغير كل شيء، فلا أسوأ من أن تتغير في عالمٍ
لا يتغير، بل يدفع بكل عزيمته ضد التغيير .
((ذكّرني معنى أن تترك لي امرأةٌ دمعتها،
والأحداثَ العاديةَ مثل ركوب السيارة عند الفجر،
وتوزيع الأحزان على الطرقات،
وترديد القيح المتسرب من مذياعْ!))
و هنا قمَّة المأساة التي تتلبس بالشاعر الحديث، إذ أنه قد فقد كل
الأشياء في سبيل حصوله على شيء، ذلك هو الشعر، والذي فقد مقابله
حتى الأشياء العادية، لقد اقتلع الإبداع في عالم تقليدي الشاعر من
عالمه و خلق فجوة لم تكن يوماً مسؤولية الشاعر بقدر ما كانت
مسؤولية المحيط الذي لا يريد أن يتقدم خطوة للأمام.
الشاعر / النَّص حين يكون فضاء رحباً:
إن نص "جفاف" لمحمد حسن علوان فضاء رحب تتكشف
دلالاته كلما غصت فيه، فهو كاللّوحة السريالية التي كلَّما حدقت
فيه كلما ابتلعتك، بل كآنا كارنينا التي تلبستك حتى خُيِّل إليكَ
أنك جزء منها، فلم تعترض موتها لدوافع إنسانية فقط بل لأنك تحرص
على بقائك أنت على قيد الحياة، فحياتها حياة لك.. و هذا هو ديدن
الأعمال العظيمة.
قبل أن أغادركم .. أعطيكم شيئا من دلالات النَّص:
((ذكّرني ما أنسى من نفسي،
فلقد أصبحتُ قنوعاً جداً حين أطارد رزقي في الأوراقِ،
وما عدتُ أناضل كي أنشب ظفري فيها
أصبحتُ أطالع صفحاتٍ كان يحرِّمها الشعرُ علينا،
كالرأي العام، وأخبار المسؤولين، ومقالُ سياسيٍّ بارزْ!))
فشاعر العصر الحديث ليس لسان القبيلة، و لم يعد مداحاً يجني المال،
و لا هجَّاء يبتز المال، فقد فَقَدَ كل هذا، وهو إذ يفقد أسباب
رزقه المفترضة وصراعه من أجل حياة كريمة/أنشب أظفاري فيه، يتصدى
للشعر كرسالة تحمل فكرا خلّاقاً ومبدعاً، ويعود بالخيبة، إذ إن
نبوءته مشكوك فيها، و هو مدانٌ منبوذٌ لا لشيء إلا لأنه حاول أن
يرقى بمحيطه، فقفز محيطه عليه.
أخيراً:
إن ساكب هذا النَّص الرائع البديع/صوتاً
ينصرني حين ألوِّحُ حزناً للمذهولين أمام قراري!، يتمثل مقولة
الشاعر السعودي/عبدالله بن عبدالرحمن الزيد ذات صحيفة: ((مبدعو
القصيدة الحديثة هم مستهلكهوها))، فأي قطيعة هذه، وأي خسارة لنا
جميعاً كمبدعين.
يا محمد حسن علوان
لا فُضَّ فوك؟!!!!
|