بُكَاءُ النَّبِيِّ الأخِيْر

 

  

يَأتِيْ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ ويَدْرُونَ أنَّ الإلَه يَجِيءُ مِنَ الدَّاخِِلِ المُسْتَكِينِ على رُقْعَةٍ رَطْبَةٍ مِنْ تُرَابِ الفضيلةِ، يَخْرُجُ منها سَلامٌ كثيرٌ، وَحِيْنَ تَفِيْضُ عَلَى النَّاسِ أضْغَاثُهُمْ يَمْلأونَ المَكَانَ ضَبَابَاً، وَلا يَخْرُجُوْنَ سِوَى جُثَثَاً مَحَقَتْهَا الخُرَافَاتُ ثُمَّ اسْتَوَى فَوْقَ وُحْشَتِهَا الْغَالِبُوْنْ..

 

يَأتِيْ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ وَيَنْسَوْنَ جَدْوَى الْكَلامِ، وَيَقْتَرِبُوْنَ مِنَ النُّوْرِ مَا بَيْنَ أقْدَامِهِم، ثُمَّ تَخْرُجُ فَوْضَى وَلا يَسَألُ الله ُعَنْ إثْمِهَا أحَدَاً، ثُمَّ لا يَرْكُنُوْنَ لِصَوْتِ الَّذِيْنَ يَدُبُّوْنَ فِيْ صَفْحَةِ الأرْضِ مِثْلَ السُّطُوْرِ القَصِيْرةِ، ثُمَّ يَغِيْبُونَ فِيْ كَهْفِ أنْفُسْهِم، والتَّفَاصِيْلُ لَنْ تَرْحَمَ الآنَ تَارِكَهَا..

أبَدَاً.. أبَدَاً !

 

يَأْتِيْ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ وَيُصْبِحُ أصْغَرُهُمْ نَائِمَاً فَوْقَ نُدْبَةِ تَارِيْخِهِ الخَشَبِيِّ، وَدَفْتَرُهُ صَاْخِبٌ بالتَّفَاهَاتِ، خَرْبَشَهَا جَيِّدَاً !، قَبْلَ أنْ يَتَطَاوَلَ مِنْ قَعْرِهِ البَشَرُ الميِّتُونَ، وَيَأتِيْ عَلَيْهِمْ زَمَانٌ وَيَكْتُبُ أطْفَالُهُمْ أَلَمَ الظَّهْرِ، إذْ حَدَّثَتْهُمْ بِهِ القُبَّرَاتُ الَّتِي لا تَنَامُ سِوَى فِيْ قُبُوْرِ الرُّمُوْزِ القَدِيْمَة..

 

يَأَتِي عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ وَلا يَسْكُتُوْنَ عَلَى مَا يَرَوْنَ بِضِلْعِ السَّمَاءِ، وَلا يَبْدَأونَ بِهَا فِيْ تَوَارِيْخِ مِيْلادِهِمْ، ثُمَّ يُصْبِحُ أوَّلُهُمْ مِثْلَ آخِرِهِمْ، لا يَخَافُ سِوَى مِنْ فَتِيْلِ البِدَايَةِ يُحْرِقُ أقْلامَهُ، ثُمَّ يُصْبِحُ آخِرُهُمْ مِثْلَ أوَّلِهِمْ، ضَالِعٌ فِيْ اجْتِلابِ النُّبُوْءَاتِ مِنْ حُجْرَةِ الشَّمْسِ، رَغْمَ اخْتِلافِ القَوَامِيْسِ فِيْ غَسْلِ أحْبَارِهَا كُلَّ جِيْلٍ، عَلَى الضَّوْءِ.. أو بِغُبَارِ الدِّمَاء..   

 

يَا قَوْمِ، يَأتِيْ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ وَيُصْبِحُ كُلُّ نَبِيٍّ إلَهَاً، فَكُوْنُوْا مِنَ الآنَ آلِهَةً أو تَظَلُّوْنَ حَتَّى قَرِيْبٍ عَبِيْدَاً، وَكُوْنُوْا عَلَى الحَّقِ أفْسَقَ قَوْمٍ جِدَالاً.. وَلا تَتَّقُوْا، قَدْ أتَاكُمُ مِنَ العُمْرِ مَا تَقْلِبُوْنَ بِهِ القَوْلَ مِنْ بَعْدِ أنْ عَاْثَ فِيْكُمْ عُبُوْرَاً، وَمَا أهْلَكَ النَّاسَ مِنْ قَبْلِكِمْ غَيْرَ هَذَا الكَلامُ الرَّدِيْءُ، وَمُنْذُ اخْتِرَاعِ القَوَانِيْنِ وَالنَّاسُ تَجْهَلُ أنَّ القَوَانِيْنَ.. مَحْضُ اخْتِرَاعْ!

 

يَا قَوْمِ، قَدْ كَانِتِ الأرْضُ مُوْلَعُةً بافْتِعَالِ الحَقِيْقَةِ فَاخْتَلَفَ الأنْبِيَاءُ بِهَا، وَتَنَكَّبتُمُ العَهْدَ مِنْ بَعْدِ ذَلكَ حُزْنَاً طَوِيْلاً، أَلَمْ تَكُنِ الدُّوْرُ مُتْرَعَةً مِثْلَكُمْ، وَالقَوَامِيْسُ مَوْجُوْدَةً بَيْنَكُمْ، والنِّهَايَاتُ مَكْتُوبَةً فِيْ الوُجُوْهِ، وَمَازِلتُمُ فِيْ انْتِظَارِ السَّمَاءِ عَلَى سَوْقِهَا رُتَّعَاً تَذْهَبُوْنَ شَمَالاً، وَتَخْتَلِفُوْنَ جَنُوْبَاً، وَلَمْ تَقْرَأوْا سِيْرَةَ الأرْضِ قَبْلَ النَّبِيِّ.. ألا تَفْقَهُوْنْ!

 

ألا تَفْقَهُوْنْ..

 

ألا..

تَفْـ..

قَـ..

هُـ..

وْن  !!

الرياض

5 أغسطس 2003

 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي