|
بعد قراءتي
لمقال (محمد حسن علوان) ما لم يذكره
الراوي حول سقف الكفاية في جريدة الرياض.. سمعت صوت الرواة
الذي يستنكر هذا المقال، فهي لا ترى له مبررا، كأن ما ذكره
الراوي حول سقف الكفاية موجود في سقف الكفاية ذاتها !
فهمنا من المقال أن الرواية أُلبست بعض التهم وكان عليها بعض
التحفظات والاستفهامات التي ليس لها حق الظهور،أتعلمون لِـمَ
..؟ لأنها أنثى جريئة، على الرغم من أن (بوح الكتابة برئ..
وجرئ!)ص12
فاجأني مقال (محمد حسن علوان) لأنه قال: (لا أحب الكتابة الثديية،
تلك التي تلد وتهتم بصغارها!، بل أحبذ أن أترك ما أكتبه ليواجه
الحياة وحده, ويتعلم الصمود وحده، فلن أكون معه عندما يواجه
قارئا ما!)ص9
وقال أيضا: (أتخيل ردود الأفعال تجاه ما أكتب أثناء كتابتي،
أتخيل ردة فعل أحدهم دون غيره من الناس أحيانا، ليست الكتابة
مشروعا انعزاليا أبدا، إنها لغة تواصل، وهذا قدر اللغات،إلا
أني عندما أنفعل تماما مثل أعواد الكبريت التي تحمل موتها فوق
رؤوسها لا أراقب أحدا، وأكتب كما أريد لا كما يـُـراد، لأني
أعرف أن ما سأحبسه بين جنبيّ لأتوارى من أحدهم، سيمزق أنحائي
يوما آخر)ص12
تحدث (ناصر) عن الحب كما تحدث (محمد) عن الرواية أو ربما
الكتابة عموما:( ليس لدينا حب يولد حرا.. وينمو حرا.. ويعيش
حرا، لا بد أن ينقلب عليه الجميع، لابد أن يلقى أمامه بالجزور،
لابد أن تزرع دونه الأشواك، وينفى إلى الشِّـعْب الأجرد..)ص18
وقال: (خطأ ما وقع، لا ندري أين.. ولا ندري متى، محا الحب من
قائمة المشاعر وكتبه في قائمة الفضائح!، فصار هذا الحب
(الكتابة) منبوذا قبل أن يُـفهم.. مرفوضا قبل أن يتكلم..
ومنفيا خارج حدود الوطن حتى قبل أن يفكر في التمرد!!) ص18
وهذا بالضبط ما حدث لسقف الكفاية، كانت منفية خارج حدود الوطن.
يسأل ناصر:(في مثل هذه الظروف، كيف أصنع حبا!)ص18 ويسأل محمد:(
في مثل هذه الظروف، كيف أصنع رواية) نجح ناصر في تحدي الرياض
وأحب كما أراد، لا كما يُـراد, ونجح كذلك محمد وكتب رواية
جميلة كما أراد، وأدعو الله ألا تكون الأولى والأخيرة, ولا تصل
به إلى سقف الإبداع، فنحن متعطشون لمثل هذا الجمال وهذا البوح.
كان محمد هو من يغري قراءه ليسألوه: (حدث أم لم يحدث..؟) حين
قال: (كتاباتي كثيرا ما تشبه الاعتراف)ص96 لأنه كان يعلم
أنه(لابد من تضحية ما.. لابد من ضجة ما.. فالأقدار لن تمنحنا
كل ما نريده دون سعي!)ص31
حصل ما تريده يا محمد وكانت تلك الضجة حول سقف الكفاية، أما
التضحية فأنت وحدك أعلم بها؛ فهي لابد موجودة.
ضايق الكاتب أكثر أنه حين سأل: (لماذا أكتب؟ هل هي حاجة في نفس
يعقوب قضاها؟ هل هو مرض الكتّـاب المعتاد في فضح أنفسهم،
وعادتهم الأزلية في كشف عوراتهم؟)ص20
ضايقه أن معظم القراء انتبهوا للاحتمال الثاني، ولم يفطنوا
للاحتمال الأول(حاجة في نفس يعقوب قضاها). هناك أكثر من هدف قد
تحققه رواية كهذه على ما أظن!.
أحد هذه الأهداف: (من أجل هذا قررت أن أكتب.. وأكتب رواية،
أريد أن أضع نصا لديه القدرة على التكيف مع الظروف القاسية عند
رجل يائس، فلا يمرض، ولايكل، ولا يقف في منتصف الطريق! أريده
أن يكون مرنا يحتوي تقلبات أفكاري أثناء الكتابة، دون أن ينحاز
إلى إحداها، أريده فلاة أوسع للركض.. للاندفاع، أريد أن أكون
حرا.. حتى آخر كلمة!)ص366
إذن، الهدف هنا الحصول على الحرية، ولو بالكلمات!!.
حين كتب محمد هذه الرواية لم يكن يطلب شيئا مستحيلا، لم يكن
يريد سوى(منطقة من الاحتواء تغري بالبوح، يحتاج لمن لا يخشى
إنكار هذا البوح عليه، يحتاج لمن لا يخشى سوء فهمه لكلماته)ص96
ربما هذا ما لاحظته، قد يكون هناك المزيد فالرواية تحمل الشئ
الكثير..
أود التحدث عن أمر أثاره (محمد حسن علوان)في المقال وهو تشابهه
مع ناصر، وإن كنا لا نعرف الكثير عن محمد ولكن لاحظت الشبه من
خلال ما يلي:
1-
محمد كتب الشعر مبكرا، وكان شعره مقطوعات حزينة وحزينة جدا،
تماما كما هو شعر ناصر، الذي قال عن شعره (تساؤلات تدهش عينيّ
الأم التي تقرأ لولدها هذا الكلام.. وهو في الثامنة عشر بعد!
لماذا يسبق الولد حزنه؟)ص14 ومحمد سبق ناصر ناصر للحزن بأربعة
أعوام، فقد كتب أولى قصائده وهو في الرابعة عشر من عمره.
2-
تشابها أيضا في كتابة الرواية، ناصر أتعبته هذه الكتابة،
استنزفت منه وقتا وجهدا، ودمعا، وحزنا.. وذاكرة.(تداخلات كثيرة
في حياتي الماضية تجعل الكتابة عندي الآن.. عملية معقدة
جدا)ص14
وكذلك محمد أتعبته هذه الرواية تعبا استغرق عاما ونصف (كتابتي
صعبة هذه الأيام، أنا لا أنفعل بقصيدة أرميها في الدفتر وأمضي،
إنها رواية تولد، وتقليب حر في الذاكرة! أحتاج للخمول في بطن
الصفحات أكثر مما أحتاج للنشاط، لابد من المشي البطئ بعيدا عن
ركض الأبيات الذي تعودت عليه)ص14
(
كم يؤرقني هاجس الرتابة، أنا الذي لم أكتب رواية في حياتي)ص15
3-
الحيرة ذاتها واجهت الشابين محمد وناصر ( هل أجعلها رواية أم
رسالة؟)ص19
4-
يبدو أن محمد اختار أن يشبهه البطل ناصر حتى في الملامح؛
(تتعجب من ملامحي التي تجعلني أبدو أصغر من عمري الحقيقي
كثيرا!)ص48
قد
يكون الفرق بين رواية ناصر ورواية محمد: أن الأولى نشرت قبل
نهاية السنة بعشرة أيام، والثانية نشرت بداية
السنة(يناير/2002).
كنت أتمنى لو كان (نزار قباني) على قيد الحياة حين صدور هذه
الرواية.. ترى ماذا سيقول عن رواية تأثر صاحبها بأسلوبه تأثرا
واضحا، جعل الرواية تشبه كثيرا رواية (أحلام مستغانمي)،
فكلاهما متأثرا بالشخص ذاته.
كل
ما يمكنني قوله عن الرواية، أنها جميلة.. جميلة، ورائعة فعلا..
بها الكثير من الحكم والأفكار التي تجعلنا نتأمل حياتنا ونعيد
النظر في بعض جوانبها كي لا نندم.. ولا نقسو.. ولا نظلم.. ولا
نحزن.. (قدر الإمكان).
أعجبتني الرواية ابتداء بغلافها الأنيق.. البسيط، الأبيض.
وانتهاء بكل الحزن الذي صاغ لنا أروع الحكم على لسان المسكين
ناصر والرائع ديار والحكيمة مس تنغل..
أعجبني الاقتباس الرائع من القرآن، يكفي ابتداؤها بآية..
وأخيرا.. انتبه يا محمد من بعض النقاد والقراء الذين قد يشبهون
مها، حين قال عنها ناصر:((لم يُجْدني أني كنت رائعا إلى هذا
الحد)! بنيتِ غروري.. وحطمتِـه بنفس اليد! لا عجب.. حتى
الأنبياء أنفسهم تخلى عنهم الناس)ص36
فانتبه، لا تدع للغرور والإحباط سبيلا إليك، كي لا نخسرك ونخسر
إبداعك أيها الرائع |