قضية فلسطين وتضليل النشء العربي

 جريدة الوطن السعودية


مشكلة النشء العربي الكبرى هي أنه يفتح عينيه على مكانه في خريطة العالم العربي فيجد نفسه منتمياً بالضرورة إلى واحدة من دولتين: إما دولة عربية محتلة، وإما دولة عربية خاذلة. الصورة التي رسمتها الذهنية العربية المعاصرة للواقع السياسي العربي لا تمنح خياراً ثالثاً. والمشكلة أن كلا المصيرين الانتمائيين اللذين ينشأ عليهما وعيه السياسي اليافع مخيب لطموحه الشاب، قامع لفردانيته الذاتية، ضاغط على ضميره البريء. مما يقلل كثيراً من فرص أن ينشأ فرداً منتجاً أو متزناً على المستوى الأيديولوجي.
النشء العربي متورط في قضاياه قبل ولادته، ومساقٌ بها دون اختياره. لم يكن هو الذي حارب مع المحاربين، ولا الذي فاوض مع المفاوضين، ولا هو الذي شارك بخيار ديموقراطي في تحديد موقف دولته العربية، أياً كانت، من القضية الفلسطينية. إنه مقيّدٌ بهذه الجمعيّة التاريخية والأحادية السياسية التي لا تلقي بالاً لوجهة نظره الحرة كفرد مستقل لا يجب أن يتحمل ذنوب الماضي الذي لم يعشه، ولا أن يقبل رأي الجماعة الذي لم يتخذه. وكلما حاول أن ينتصر لفردانيته المسلوبة منه قبل ولادته قمعته الجماعة بآليات صارمة وقاسية لا يمكن أن يتحملها ضميره القومي الذي تم تدجينه في داخله منذ الطفولة.
لأن النشء العربي يُحقنُ منذ طفولته بهرمونات يومية من الأيديولوجيا الجاهزة والقومية المعلبة، تضخمت عنده أعضاء معنوية لا يدري كيف يستخدمها، وكبرت في داخله شعاراتٌ كلاسيكية لا يفهم معناها. القضية الفلسطينية دخلت إلى ذهن النشء العربي مصمتة ومقفلة وغير قابلة للطرق والسحب. وكل ما استطاع عقله الغض أن يستوعبه منها هو أن هناك (يهوديا شريرا، وفلسطينيا مظلوما، ودولا عربية جبانة، ودولا غربية متآمرة...)، هذه هي المفاهيم الثابتة التي تتمحور حولها كل ما يمكن أن تقدمه له أي مجلة أطفال عربية، أو نشرة أخبار محلية، أو خطبة جمعة في الحي، أو درس تاريخ في المدرسة. لقد تربعت هذه المفاهيم الأربعة في ذهنه وانحشرت مثلما تنحشر كتل معدنية ضخمة في أنبوب ضيق، فلا هي التي تحركت وانزلقت ليكتمل فهمه لها، ولا هي التي سمحت لمفاهيم إضافية أن تدخل معها إلى ذهنه الصغير.
لم يناقش أحدٌ حق النشء العربي في اختيار القضايا التي يريد أن يشغل بها مستقبله، ويستهلك فيها يفاعه، ويكافح من أجلها. لقد قُدِّمت له القضية الفلسطينية كوجبة إجبارية من صنف واحد تشبه وجبات المساجين، وعليه أن يمضغها طيلة عمره ما دام ماكثاً في زنزانة مجتمعه، ولا يملك أن يلفظها فيتّهم بالخيانة، ولا أن يبتلعها فيُتهم بالاستسلام. هكذا قُدِّر له أن يعيش منفعلاً طيلة عمره بهذه القضية، ومتفاعلاً بها، وفضلاً عن مناقشة حقه في اختيار القضايا أو اتخاذ موقف فرديّ حر تجاهها، فإن القضية أصلاً لم تطرح عليه كـ(قضية) تستدعي التحليل والفهم، بل طرحت عليه كـ(موقف) لا بديل له، إما أن يتخذه أو يتبوأ مقعده من التصنيفات الاجتماعية الجاهزة للخارجين عن الجمعيّة الذهنية. هذا يعني أنه لا يملك حتى الحق في (تحليل) قضيته الإجبارية بحرية!
جيلاً بعد جيل، لم يتمكن النشء العربي من تطوير فهمه للقضية الفلسطينية وأبعادها السياسية والثقافية والإنسانية، رغم أنها القضية التي تكاد تكون الأطول في التاريخ السياسي الحديث، مما يستدعي انطواءها على أبعاد وطروحات أعمق بكثير من المفاهيم الأربعة المذكورة أعلاه. لقد تم تقديم القضية الفلسطينية للنشء العربي بصيغة تشبه صيغة ملفات الحاسب التي تأتي (للقراءة فقط Read only)، بحيث لا يتاح له إدخال أي تعديلات على الفهم العربي التقليدي للقضية، بل وتعدّ أي محاولة للتعديل بمثابة الجرم القومي الذي يستحق التوبيخ والإقصاء. هذه مشكلة تتمثل في أنها إعاقة مقصودة للنمو السياسي للمجتمع، وهو ما يبرر عجزنا العربي عن إيجاد أي حلول للقضية رغم (عكوفنا) عليها أكثر من ستين سنة، بل وفشلنا الذريع ـ حرباً وسلماًـ في تحقيق أي مكاسب تذكر. هذا متوقعٌ جداً من شعوب لا تنمو سياسياً، وبالتالي لا يمكن أن تنضج سياسياً، وبالتالي لا يمكن أن تنجح أبداً في اختبار سياسي هائل كهذا.. ولو أعادت السنة، ستين مرة!
والأكثر إشكالاً أن يظل فهم النشء العربي للقضية الفلسطينية مسطحاً إلى هذا الحد رغم أنها الحدث الذي يصافح عينيه يومياً على نشرات الأخبار والصحف، إلا أنه عاجزٌ فعلاً عن إخضاعها لمجهر الفهم الذاتي، ومصر على الانفعال بها كما وجدها عليه، وكما أورثها إياه السابقون. ولا يملك إزاءها إلا التنويع في قشرتها الشعاراتية مع عدم التجرؤ على المساس بلبها الفلسفي.
وإذا افترضنا عدم قدرة النشء العربي على التملص من هذه القضية المقدّرة عليه، فمن هو المسؤول عن تسطيح (قضيته الأولى) في ذهنه إلى هذا الحد؟ هل هناك مستفيدٌ من تثبيت الصورة في إطار من الحتمية التي لا يمكن نقضها، أم إنه مجرد كسل حضاري أدى إلى غياب الدافع الفكري لطرح الأسئلة وإعادة تحليل المواقف؟ هل هي ورطة قومية تورطت فيها الدول والشعوب معاً ولم تجد بداً من مسايرة معنويات الأمة، أم إنه طريق مرسومٌ سلفاً للشعوب العربية تحقق منها حكوماتهم مكاسب لا تخفى على مهندسي كراسي السلطة؟
النشء العربي غير قادر حتى الآن على التفريق بين اليهودي والصهيوني، ولا على التفريق بين الحمساوي والفتحاوي، ولا على فهم أن لكل دولة عربية مصالح مختلفة، وبنية شعبية مستقلة، تحتم عليها تناولاً مختلفاً للعلاقة مع إسرئيل، كما أنه عاجزٌ تماماً عن تفسير علاقة الدول الغربية بإسرائيل تفسيراً يخرج عن نظرية التآمر العالمي ضده. هذا يعني أن النشء العربي الذي يعيش في 2009 لم يزل في الصفحة الأولى من القضية التي كان يقرأ فيها جده عام 1948 دون أن يتمكن أي منهما، الجد والحفيد، من تجاوز هذه الصفحة الصعبة ليفهم قضيته ويطور من أدواته النضالية. كل هذا أدى إلى أن يتفاوض العربيّ مع العالم بلغة قديمة وثورية وعاجزة تماماً عن لفت انتباه الرأي العالمي، فضلاً عن التأثير فيه.
على النشء العربي أن يخوض حرباً للدفاع عن فردانيته قبل أن يدافع عن أرض قومه. القيد الذي يجب أن ينكسر أولاً هو الجمعيّة المفرطة التي تصادر عليه حقه في حرية الموقف، وسيجد أن كل القيود الأخرى يمكن معالجتها بعد ذلك إذا تطور لديه بشكل طبيعي وحر فهمه لظروفها. هذا يتطلب بالضرورة معالجة حضارية وثقافية للمجتمعات العربية قبل المطالبة بالحلول السياسية التي لا يبدو أنها قادرة على فتح مزلاج إلكتروني حديث باستخدام مفتاحها الخشبي العتيق.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي