|
لأنها صارت أغلى
مما يظنّ المشترون أنه سعرها العادل، قررت حملة مقاطعة السيارات أن
تنيب (الصدأ) بديلاً عن المشترين للتفاوض مع وكلاء السيارات
المحليين. وانطلقت الحملة في أوساط شبابية في الغالب، وفي أروقة
إلكترونية، وبدوافع اقتصادية بحتة تجعل من الصعب جداً إيجاد مدخل
لنقد الحملة، أو مهاجمة مبادئها كما هو الحال لو أن الدوافع كانت
آيديولوجية مثلاً. مناصرو الحملة وأتباعها قرروا أن يصوِّتوا
بديموقراطية جيوبهم على أن أسعار السيارات لا تناسبهم، وأن هامش
ربح وكلاء السيارات في السعودية أعلى مما يقبلون، وأن عليهم خفض
الأسعار والرضا بالهامش المعقول، وإلا فمآلهم إلى النظرية العريقة
التي تجمع (البائع) و(الشاري) وهي: (يفتح الله!)
أنصار الحملة المتزايدون ليسوا بالضرورة خبراء ماليين، ولم يقفوا
بأنفسهم على القوائم المالية لوكلاء السيارات ليثبتوا ارتفاع
هوامشهم، ولم ينطلقوا في حملتهم استناداً على دراسات اقتصادية تؤيد
دوافعهم. لأن كل ما سبق ليس له علاقة بقرارهم الاستهلاكي البسيط
الذي يرفض شراء السلع التي تباع بأعلى مما يعتقدون أنه سعره
العادل. لقد انطلقت الحملة على أساس مبدأ تسويقي معروف وهو
(الحساسية السعرية Price Sensitivity)، وهو كما يعرفه علم التسويق:
أداة لقياس مدى استعداد المشتري لشراء سلعة معينة بالسعر الذي يراه
مناسباً. وعندما يقوم التجار بإعداد خططهم التسويقية، أو بالأحرى
عندما يقومون باتخاذ قرارات التسعير، فإنهم في الغالب يقومون بذلك
بعد دراسة الحساسية السعرية للسوق المستهدف، ثم مقارنتها بالتكلفة
الحقيقية للسلعة، ليخرجوا في النهاية بسعر يضمن لهم ربحاً ورواجاً
في نفس الوقت.
الحساسية السعرية هي مسألة نسبية، تختلف من شخص إلى آخر حسب إدراكه
للأمور، وقد لا يكون لها علاقة بقدرته الشرائية أحياناً. فالغني
والفقير معاً لا يرضيان الاستغفال، لأنه تصرف مهين لوعيهما
الاستهلاكي بغض النظر عن أثره المالي عليهما. ولأن المجتمع الواحد
يشترك أفراده في صفات معينة غالباً، مثل القدرة الشرائية والوعي
الاستهلاكي، فإن الحساسية السعرية تتحول من صفة شخصية إلى عرف
استهلاكي عام، وهذا ما يجعلها من أهم العوامل التسويقية التي يتوجب
على التاجر دراستها وتحليلها بتعمق قبل طرح سلعته للأسواق.
ومن دون الحاجة إلى طرح مصطلح تسويقي معقد مثل (الحساسية السعرية)،
يبدو من المتوقع جداً أن أي شخص لن يقرر شراء أي سلعة إلا إذا كان
مقتنعاً بأن سعرها معقول وإلا فلن يشتريها، وذلك إذا استبعدنا
الحالات الشاذة التي تجبر المشتري على الشراء رغماً عنه مثل:
الاحتكار، والأزمات، والغش. السؤال هنا إذن: بما أن مقاطعة السلع
المبالَغ في سعرها تبدو تصرفاً عفوياً يمارسه الجميع في تسوقهم
اليومي، فما الداعي إذن لإنشاء حملة منظمة لهذه المقاطعة ما دام
فعل المقاطعة نفسه يعدّ تصرفاً طبيعياً لا يحتاج إلى تحريض؟ وما
دامت دوافعه ليست آيديولوجية مما يتطلب الترويج لأفكارها ودوافعها
عبر حملات منظمة؟
الإجابة، برأيي البسيط، هي أن المقاطعة العفوية كانت ستؤتي ثمارها
في التوفيق بين البائع والشاري بشكل أوتوماتيكي لو أن ظروف السوق
كانت طبيعية وحرة. ولكن ظروف السوق الحالية ليست كذلك، مما استدعى
كما يبدو قيام الحملة لحشد قوة شعبية قادرة على مقاومة العوائق
التي تقف أمام حرية السوق. وما يعاني منه سوق السيارات بالذات،
ويتعارض مع حريته وتنافسيته، هو أمران: الاحتكار النسبي لماركات
السيارات عبر الوكيل الحصري، والغش الذي يلمسه المستهلك بشكل مباشر
من خلال انخفاض جودة السيارة وخدماتها المصاحبة.
حصريّة وكلاء السيارات في السعودية تكاد تكون بدعة تجارية من بدع
سوقنا المحليّ التي لا ندري كيف ابتلينا بها ورضينا منذ عشرات
السنين. ففي حين أن عدد وكلاء الماركة الواحدة من السيارات قد يصل
إلى عشرة آلاف وكيل في أمريكا، فما زال السوق السعودي محصوراً بين
وكيل واحد، أو وكيلين على الأكثر، مع بضعة موزعين. وسواء كانت هذه
الحصرية من اختراع وزارة التجارة، أو اتفاقيات الوكيل مع المصنِّع
الأجنبي، فإنها في النهاية ممارسة غير نافعة للسوق والاقتصاد، وكان
يجدر بالمسؤولين مكافحتها منذ البدايات، وليس بعد أن تعملق وكلاء
السيارات في السعودية وتحولوا إلى كيانات تجارية كبرى يصعب
منافستها. وإذا قارنا عدد الوكلاء لماركة ما من السيارات في
السعودية بعدد وكلاء نفس الماركة في الولايات المتحدة الأمريكية
مثلاً، فإن الفارق المهول يدفعنا للتفكير في هذه الإعاقة الكبيرة
للتنافسية في السعودية، وفي سوق هام مثل السيارات.
الأمر الآخر هو تناقص مستوى جودة المنتج وخدماته المصاحبة كالصيانة
وغيرها مقابل ارتفاع أسعارها عاماً بعد عام. وهو عكس ما يفترض
حدوثه تماماً لو كانت الأجواء تنافسية وحرة من انخفاض السعر
وارتفاع الجودة. مع ملاحظة أن جودة السيارة نفسها تنسب للشركة
المصنعة وليس للوكيل، ولكن الخدمة المصاحبة تنسب للوكيل. هذا الوضع
المقلوب، رغم وضوحه، يندر أن يلاحظه المستهلك العادي بسبب الدعاية
الصاخبة للسيارات، وإذا لاحظه فيندر أن يتخذ إزاءه موقفاً لأنه صار
يرى أنه (مما عمت به البلوى)، ويكتفي بالسخط والتذمر.
على ما يبدو أن السخط والتذمر راحا يتخذان طابعاً أكثر فعالية
وتحضراً من خلال حملة المقاطعة التي حتى وإن أثبت وكلاء السيارات
بالأرقام تداعي دوافعها وإضرارها بالاقتصاد الوطني فإنها تظل
ممارسة حضارية لا بأس بها، فإن لم ينتج عنها انخفاض مريح للأسعار
نتج عنها على الأقل شفافية أعلى في السوق، وإن لم تحدث هذه ولا
تلك، فيكفي أنها كانت تمريناً جماعياً لإنعاش (الحساسية السعرية)
في المجتمع بعد أن تعرضت لتخدير بطيء عبر الإعلانات وغيرها.
رغم أنهم وقعوا في أخطاء جوهرية، إلا أن أنصار الحملة وداعميها
والمتحمسين لها أقاموا حملة شرعية جداً، ومن منطلقات اقتصادية
بحتة، وبريئة من أي ملامح نضالية فارغة، فلا وكلاء السيارات
برجوازيون، ولا أنصار الحملة غوغاء. القضية لم تصل إلى هذا المستوى
الثوري رغم البعد الحقوقي الذي يبدو في تصميمات إعلاناتها وغيرها.
إنها، برأيي، ممارسة طبيعية عفوية اقتصادية تحدث كل يوم، وفي كل
سوق. الجديد فيها فقط هو: الجماعيّة المنسقة للحملة، والتي وقف
وكلاء السيارات أمامها موقفاً سلبياً، وأطلقوا بياناً مليئاً
بالأخطاء الجوهرية أيضاً! وسوف أتحدث عما رأيته، من وجهة نظري
المتواضعة، عن أخطاء كل من الحملة والوكلاء في الجزء الثاني من
المقالة. وحتى ذلك الوقت، لندع الله أن تتحقق الفوائد المرجوة من
هذه الحملة، وألا تقصمها فتوى ما مثل تلك التي أطلقها الشيخان
الكريمان العبيكان والسدلان قبل قرابة السنة عندما اعتبرا المقاطعة
الشعبية للسلع الغالية (إثماً كبيراً)!
* * * *
ذكرتُ في الجزء الأول من المقالة أن حملة مقاطعة السيارات جاءت
(شرعية جداً، ومن منطلقات اقتصادية بحتة، وبريئة من أي ملامح
نضالية فارغة)، إلا أن هذا لم يمنع أن تقع الحملة في أخطاء جوهرية
أضعفت من سمعتها ومنهجيتها. ومن أهم هذه الأخطاء ترويجها عبر
الإيميل لخطابات (تبدو مزورة) ونسبها لوكلاء السيارات. من أهمها
الخطاب الذي زعم بعض المنتسبين للحملة أنه صدر من السيد محمد
عبداللطيف جميل إلى وزير التجارة يسأله فيه العون في قمع هذه
الحملة. والخطاب، بغض النظر عن شكله، لا يبدو منطقياً في محتواه،
ولا يمكن أن ترتكب شركة كبرى هذه المخاطرة التسويقية الهائلة
بإصدار خطاب كهذا، لاسيما وهو مليء بالأخطاء والمبالغات، (حتى اسم
الوزير كان مكتوباً بشكل خاطئ!). وعلى أي حال، فقد نفت شركة
عبداللطيف جميل رسمياً صدور هذا الخطاب من جهتها. وبغض النظر عن
مدى مسؤولية الحملة عن نشره، فقد كان يجدر بالقائمين عليها نفي
علاقتها به حتى تحتفظ الحملة بمصداقية عالية، واحترافية مجدية.
هذا الخطأ أعلاه لم يكن ليحدث لولا أن الحملة وقعت في خطأ ثان، وهو
عدم تنصيب مرجعيات وأسماء محددة يمكن مخاطبة الحملة من خلالها، مما
أدى إلى تحول الحملة إلى كائن هلامي غير محدد، يتيح لأي منتسب
للحملة أن يتحدث بلسانها ويمارس كل ما يراه في صالح الحملة وهو في
غير صالحها، مثل تزوير الخطابات، ونشر الإيميلات التي لا تتفق مع
مبادئ الحملة نفسها التي تنهى عن (الغش) وتأتي بمثله. ولو أن
الحملة اهتمت بالجانب التنظيمي، ومركزية تحديد سياسات الحملة
وعلاقاتها العامة، وأنشأت موقعاً رسمياً يعمل كمرجع للمنتسب
والمسؤول والخصم أيضاً، لتجنبوا بعض هذا العبث الذي يسيء للحملة في
صميم مساعيها.
ومما يبدو أيضاً أن الحملة لم تسع إلى مخاطبة خصومها، وكلاء
السيارات، بشكل مباشر قبل الشروع في الحملة، مما أدى إلى إحجام
الوكلاء عن مخاطبة الحملة في المقابل حفاظاً على المقامات.
وأخيراً، استخدمت الحملة في مادتها افتراضات اقتصادية ليست صحيحة
بالضرورة، قد يستخدمها الوكلاء لنقض منهجية الحملة، مثل افتراضهم
أن انخفاض أسعار السيارات في أمريكا يستوجب بالضرورة انخفاض سعرها
في السعودية بدون النظر في أن لكل وكيل وضعاً مالياً مختلفاً يتطلب
إجراءات تسعيرية مختلفة. فوكلاء أمريكا في الغالب هم وكلاء صغار،
ويشترون عدداً قليلاً من السيارات بقروض بنكية مرتفعة الفائدة،
ويكلفهم تخزين السيارات مبالغ كبيرة، وبالتالي يجدون أنفسهم أكثر
اضطراراً لتصريف بضاعتهم (ولو بخسارة) من أجل توفير سيولة تكفي
للوفاء بالتزاماتهم البنكية، بينما الوكلاء السعوديون (وبسبب
الحصرية) أصبحوا شركات عملاقة يمكنها أن تتحمل تكاليف التخزين وشح
السيولة لسنوات دون الحاجة إلى البيع بسعر منخفض. ناهيك عن اختلاف
الشهية الشرائية للمستهلك الأمريكي الذي اعتصرته الأزمة المالية عن
المستهلك السعودي الذي لا يكاد يشعر بها حتى الآن على الأقل.
إلا أن كل هذه الأخطاء الجوهرية التي وقعت فيها الحملة تعتبر مبررة
بنظري قياساً على حداثة تجربة حملات المقاطعة في السعودية، وغياب
التمويل الذي يزيد من فعالية الحملة، وكذلك لوجود اللامركزية
المفرطة التي أخلت بتكاملية رسالة الحملة (integrity). بينما وقع
وكلاء السيارات، الذين لا تنقصهم الخبرة ولا التمويل ولا النظام
الإداري الفعال، في أخطاء جوهرية أكبر منها من خلال بيانهم الرسمي
الذي نشر في عدة صحف يومية، فالبيان الذي كان يفترض به أن يكون على
مستوى الحدث المهم، وحجم الوكلاء الكبير، ويخاطب شريحة كبيرة من
المتلقين، بدا جامداً وتقليدياً وفضفاضاً ومشوباً بالتعالي على
القضية برمتها.
وفي رأيي أن مجرد ابتداء البيان بديباجة متكررة تمجّد متانة
الاقتصاد الوطني كان خارج السياق، وبالنسبة للمتلقي الذي كان يفتش
عن رسالة مباشرة تفسر له سبب ارتفاع أسعار السيارات، كانت ديباجة
كهذه يمكن أن تفسر على أنها ذر للرماد، لاسيما أن ما جاء بعدها لم
يكن كافياً، وبدا وكأنه بيان مسبوك على عجل للرد على حملة مقاطعة
مستفزة ولكنها ما تزال، في رأي الوكلاء، أصغر من أن تضطرهم إلى سبك
بيان أفضل.
محاولات البيان لدحض فرضية ارتباط الأزمة العالمية بأسعار السيارات
كانت واهية جداً. وبغض النظر ما إذا كان هناك علاقة بين الأزمة
والأسعار أو لا، فإن البيان لم يأتِ بما يكفي لتبيان ذلك، بل اكتفى
بنفي الفرضية فقط كما جاء بالنص (تود اللجنة أن تؤكد أن هذه
الأخبار غير صحيحة)، والمقصود هو أخبار تأثر أسعار السيارات
بالأزمة المالية، ثم لم يرد في البيان أي إثبات لهذا النفي، وكأن
مجرد النفي من وكلاء السيارات يعدّ إثباتاً كافياً لدحض الفرضية
رغم شهادتهم المجروحة بصفتهم خصماً وطرفاً في القضية، وليسوا
مرجعيتها التي تفصل بين الخصماء.
وفي نقطة أخرى، انصرف البيان إلى وصف الاقتصاد على أنه اقتصاد حر
وتنافسي. (لاحظوا أن هذا التصريح يصدر من وكلاء أغلبهم حصريون!)،
والحقيقة أن الاقتصاد يبدو حراً وتنافسياً في هذا العصر من الناحية
الإجرائية، إلا أنه ليس كذلك ما دامت جهود وزارة التجارة لحماية
المنافسة، ومنع التكتلات، ومحاربة الاحتكار محدودة وغير ملموسة.
في البيان أيضاً تباهى الوكلاء بارتفاع الطلب على السيارات في عام
2008 بنسبة 20%، علماً بأن الأزمة المالية لم تضرب بأطنابها إلا في
الربع الأخير من العام، وبذلك لا يمكن الاستدلال على عدم تأثير
الأزمة المالية باستخدام إحصاءات 2008. ولكن، حتى ولو سجلت
الإحصاءات زيادة في الطلب في قلب الأزمة المالية، فإن ارتفاع الطلب
يعني زيادة في حجم المبيعات Volume، وهو ما يعني أن الوكلاء قادرون
على تخفيض هامش ربحهم من السيارة الواحدة دون أن تتغير أرباحهم
الإجمالية.
آخر نقاط البيان جاء فيه (يعمد البعض - غير معروف الهوية - إلى
تحريض الناس بدون دليل لتأجيل قرار الشراء لبعض السلع). ولاشك أن
الوكلاء تعمدوا عدم ذكر اسم الحملة في بيانهم حتى لا يمنحوها
كينونة تستحق الالتفات. وأعتقد، برأيي، أن هذا خطأ جوهري،لأن
غالبية المتلقين لهذا البيان هم من المتعاطفين مع الحملة وفق نظرية
التعاطف مع الأضعف. وإمعان البيان في تهميش خصمهم (الحملة) إنما
يؤدي إلى زيادة شعبيتها، وليس إلى إسقاطها في مغبة النسيان كما
يحاول البيان أن يفعل.
والتعالي على حملات المقاطعة يدل أيضاً على حداثة تجربة الحملات في
السعودية. وكنا نتمنى بالفعل لو أن البيان احترم الحملة والمتلقين
حتى يجبرهم في المقابل على احترام دورهم الاقتصادي الوطني كشركات
كبرى في الوطن.
|