جيمس زغبي يوبخ

 جريدة الوطن السعودية


جيمس زغبي، رئيس المعهد العربي الأمريكي، انتقد الجالية العربية على ما أبدوه من تحفظ على اختيار باراك أوباما للأمريكي اليهودي رام إيمانويل رئيساً لموظفي البيت الأبيض. وقد عبّر عن ذلك في مقالته التي نشرتها هوفنجتون بوست بنسختها الإنجليزية، وصحيفة الوطن بترجمتها العربية، وأوضح فيها بعض الحقائق التي رأى أن الجالية العربية أغفلتها عندما تحفظت على احتلال إيمانويل لهذا المنصب الرفيع في البيت الأبيض، ثم نصحهم أخيراً بأن يحذروا من الهجوم والافتراء ومن معاداة السامية. والحقيقة أن الدكتور جيمس زغبي، من خلال منصبه وطروحاته، هو خير من يقدم للجالية العربية نصيحة كهذه. إلا أنه، برأيي، أمعن في توبيخ الجالية العربية على تحفظاتها لأنه افترض أنها نابعة من مواقف عنصرية وأيديولوجية لا تليق بمواطنين أمريكيين صوتوا لرئيس أسود قبل شهر فقط، ولم يفترض أنها ربما تكون نابعة من ريبة مبررة حول مواقف إيمانويل المتوقعة بناءً على مواقفه الماضية.
هذا لا ينفي وجود نسبة كبيرة من العرب الأمريكيين ما زالوا ملتاثين بعنصرية الدين والقومية، ويتوجسون من كل ما هو يهودي وإسرائيلي حتى وهم يعيشون معهم داخل الأراضي الأمريكية ويحملون نفس جنسيتها، ويتمتعون بذات الحقوق. إلا أن زغبي في مقالته اتخذ نبرة تعميمية تتهم كل المتحفظين والمعترضين بأن تحفظاتهم كانت أيديولوجية الطابع، وعنصرية المنطلق. والحقيقة أننا لم نطلع على نوعية الرسائل التي وصلت إلى مكتبه وحكم هو من خلالها على أسباب هذه التحفظات ومدى أهليتها للطرح، إلا أنه من غير المنطقي أيضاً أن يكون (كل) من تحفظ على إيمانويل من الجالية العربية الأمريكية قد فعل ذلك بدافع أيديولوجي، ولاسيما أن هذه الجالية بالذات، هي التي تذوق مرارة العنصرية الأيديولوجية في الشارع الأمريكي منذ سبع سنوات، ويعرف أبناؤها جيداً مدى قبح أن يحاكم الأمريكيون الأمريكيين مثلهم بناءً على أديانهم وألوانهم وجوازات سفرهم.
وقد اقتضى هذا التعميم المتعجل من جيمس زغبي أن تكون ردة فعل الجالية العربية الأمريكية على مستوى التوبيخ، وعاجلته رسائلهم (بحقائق) أخرى عن طبيعة تحفظاتهم على إيمانويل، لا تقلّ وضوحاً عن (الحقائق) التي ساقها هو في توبيخه الجماعي لهم. الواضح من تلك الحال أن ثمة قلقاً عربياً حتى في الداخل الأمريكي يثبت أن ليس كل من دخل أمريكا فهو آمن! ونحن هنا لا نتحدث عن فئة أو أقلية نجحت في تهريب العنصرية تحت أردانها ثم وجدت ظروفاً خصبة لتنميتها هناك، بل عن خلاف شبه جوهري بين رئيس المعهد العربي الأمريكي وحشد كبير من الجالية العربية في أمريكا، وذلك بعد شهر واحد من انتهاء حملتهم المشتركة الكبيرة للتصويت لأوباما (يلا صوّت)، والتي ربما ساهمت، وإن بالشيء القليل، في تحقيق الفوز، وقبل ذلك كله تحقيق (وحدة عربية في أرض أمريكية على خلفية قرار انتخابي في ديموقراطية حقيقية!).
انتخاب العرب الأمريكيين لأوباما يعني أنهم ينشدون ذلك (التغيير) الذي وعدهم به، والتغيير في قاموس قضاياهم العربية التي سافرت معهم عبر المحيط يعني: مواقف أقل محاباة لإسرائيل، وأكثر عدالة وإنصافاً للفلسطينيين، بالإضافة إلى الانسحاب من العراق. ولكن اختيار موظف رفيع المستوى في البيت الأبيض معروف بميله نحو الجانب الإسرائيلي إلى حد تطوعه (وليس اضطراره) للعمل في جيش الدفاع، بل وكونه من المؤيدين لحرب العراق منذ البداية هو مبرر منطقي جداً للقلق بشأن (التغيير) الموعود، والجالية العربية بوصف أفرادها مواطنين أمريكيين منحوا أصواتهم لأوباما يملكون حقاً سياسياً في مساءلة الرئيس الجديد عن أجنداته فيما يهمهم أمره من قضايا العالم. ألم يتساءل ملايين الأمريكيين بشأن ما إذا كان أوباما مسلماً أم لا؟ رغم أن إسلامه لا يمنعه من حقه الدستوري للترشح للرئاسة، ورغم ذلك كان تساؤلهم مبرراً ومقبولاً حد قيام حملة أوباما بنفي الأمر عشرات المرات. فلماذا كان من المبرر أن يتحفظ الناخبون على (ديانة) الرئيس دون أن يكون في ذلك أي فضيحة عنصرية، ثم لا يحق لهم أن يتحفظوا على (ديانة) موظف رفيع في البيت الأبيض وإلا اعتبرها جيمس زغبي، (رئيس المعهد العربي الأمريكي!!)، افتراءات ومعاداة للسامية؟
الأفلاطونية التي تحدث بها جيمس زغبي في مقالته تلك صادرت على جاليته العربية هناك حقهم في مراقبة سير الأمور السياسية وتقييمها وانتقادها وإيصال صوتهم حول ما يرونه مناسباً لمصالحهم وما لا يرونه. إن محاولته تهدئة الأجواء عبر مقالته تلك، وتنقية الجالية العربية من الشوائب العنصرية لا يمكن أن تتم عبر تكميم الفم العربي بحجة أنه لا يتفوه إلا بالأيديولوجيا الفجة، بل بتعويده على البوح الأيديولوجي المفتوح في أجواء ديموقراطية حرة حتى يتعود على السعي وراء حقوقه عبر قنواتٍ لائقة ونافعة في المسرح السياسي. من غير المعقول أن نتخيل أوباما يعين رجلاً مسلماً يحمل الجنسية الباكستانية والأمريكية، وكان قد تطوّع يوماً للجهاد ضد الاحتلال السوفيتي في شبابه، على منصب رفيع في البيت الأبيض، ثم نتوقع أن يبتسم أفراد الجالية اليهودية للأمر، ولا يتحفظوا. هذا لأن مناصب البيت الأبيض بالذات، والمناصب العليا في أي إدارة أمريكية، ليست منوطة بالكفاءة والقدرة فقط، بل إنها مليئة بالرسائل السياسية الموجهة إلى العالم، ومن حق الجاليات والناخبين قراءة تلك الرسالة على ضوء همومهم القومية والدينية والأيديولوجية، ومن ثم إبداء التحفظ أو الرفض أو القلق، دون أن يعرضهم ذلك للتوبيخ!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي