|
تحدثتُ في مقالة
سابقة (الدين والحضارة، "الوطن" 4 سبتمبر 2008) عن أن الأديان تؤثر
وتتأثر بعوامل سياسية واجتماعية وثقافية واقتصادية. ويختلف حجم هذا
التأثير واتجاهه من دين إلى دين، ومن حضارة إلى حضارة. فلربما أثّر
الدين في المناخ الثقافي للأمة كما حدث في روما، ولربما انعجن هو
نفسه بالثقافة السائدة وانساق معها كما حدث في اليونان القديمة.
ولربما كان الدين دستوراً سياسياً لا شريك له في صناعة القرار
السياسي مثلما كان الحال في سومر القديمة، ولربما كان أداة سياسية
للهيمنة الآيديولوجية مثلما يبدو عليه الحال في إيران ما بعد
الثورة. وقد ينعش الدين اقتصاد المجتمع وتعاملاته وعدالة إنتاجه
وتوزيعه مثلما حدث في المجتمع اليثربي، ولكن الاقتصاد نفسه قد يخنق
أدياناً وحضارات ويجعلها نسياً منسياً كما حدث مع أديان محلية
صغيرة في أمريكا اللاتينية. كذلك الأمر مع بقية العوامل الأخرى.
المحصلة أن الدين عامل حضاري بجوار العوامل الحضارية الأخرى
المذكورة، وقد جاء تارة مهيمناً، وتارة محايداً، وتارة كعامل مساعد
ضئيل التأثير. وقد طُرحت أمثلة على ذلك في المقالة المذكورة، وفي
مقالة أخرى لم يكن حظها جيداً.
والسؤال المطروح هو: ما الذي يؤثر في مستوى تأثير الدين على
الحضارة؟ وما الذي يجعل من حضور الدين قوياً حد الهيمنة، أو بسيطاً
حد الغياب؟ وكيف يحدث أن تترك أديانٌ معينة آثاراً مصيرية في بعض
الحضارات، ولكنها نفسها لم تتمكن من ترك ذات الأثر على حضارات
أخرى؟ بل كيف تعجز بعض الأديان عن الخروج من نطاق جغرافي
وديموغرافي ضيق، بينما تسافر أديانٌ أخرى بين الشرق والغرب بكل
سهولة؟ وتلخيص هذه الأسئلة هو: هل حركية الأديان وقدرتها على
التأثير الحضاري مستمدة من عناصر أساسية في مركبها البنيوي، أم
إنها أسباب متعلقة بمدى الانسجام التطبيقي بين ظروف الحضارة وبين
الدين في حالته التاريخية التي يحلّ بها على المجتمع؟
إذا كانت ثمة عناصر أساسية في تركيب الدين هي التي تقرر مدى قدرته
على النجاح والتأثير، فكيف نفسر التباين في تأثير الأديان على
مجتمعات مختلفة في أزمنة مختلفة؟ وإذا كان الأمر كله هو معادلة
إنسانية يدخل الدين كأحد أطرافها، وليس كلها، وتؤدي إلى نتائج
حضارية مزدهرة حسب تفاعلها وانسجامها مع الأطراف الأخرى المؤثرة
أيضاً، فكيف يمكن المقارنة بين الأديان حسب قدرتها على نفع البشر؟
هذان السؤالان المتنافران يؤكدان على ضرورة النظر للأديان من
جانبين منفصلين: الجانب الأول يمثل الدين في حالته الأصلية التي
نزل بها أو نشأ عليها دون النظر إلى كيفية تعالق الإنسان مع هذا
الدين، وفهمه له، وتطبيقه لتعاليمه. إنه الدين (الكلي) في نسخته
الأصلية المتكاملة، على افتراض أنه ينزل أو ينشأ كوحدة متكاملة.
أما الجزء الثاني فيمثل الدين في حالته التي طبقه بها البشر،
وفهموه بها، واستجلوه في حيواتهم. إنه إذن الدين (الجزئي) الذي
يأخذ في الاعتبار فقط الجزء الذي تمكن البشر من تطبيقه من الدين،
وانعكس ذلك على مجتمعاتهم وحضاراتهم.
والحقيقة، أنه لا يوجد دين واحدٌ يمكننا أن نطّلع على حالته
(الكليّة) لأن تلك الحالة لم تعد موجودة، أو أن الناس لم يعودوا
مجمعين عليها. فالديانات السماوية انقسم الناس حول تفسيراتها
وفهمها وتطبيقها، وراحت كل جماعة تمارسها حسب ما تراه حقاً، مما لا
يسمح لنا بأن نعدّ ما تؤمن به جماعة واحدة منهم الحالة (الكلية)
للدين. وحتى لو وردت في الإسلام الآية الكريمة (اليوم أكملت لكم
دينكم)، فهذا يعني أن الإسلام كدين بلغ حالته الكلية في ذلك اليوم
الذي نزلت فيه الآية الكريمة واتفق عليها الجميع، وهذا طبيعي في ظل
استمرار المصدر التشريعي (الوحي)، إلا أن الأمر اختلف بعد ذلك
لانقسام المسلمين وتشعب مذاهبهم واختلاف فهمهم للدين. والأمر ذاته
ينطبق على المسيحية مثلاً لو ظلّ المسيح (عليه السلام) حياً،
والبوذية، لو ظلّ بوذا حياً، وهكذا، إلا أنه بمجرد انقطاع النص
المقدس، واختلاف الناس على فهمه اختلافاً مبرراً، وتفرقهم حوله
تفرقاً معتداً به، فإن الحالة (الكلية) للدين تغيب، ولا يبقى إلا
حالته (الجزئية) التي يطبقها الناس بها. وحتى وإن ادعى كل مذهب
وجماعة تمسكه بالأصل الكلي فذلك سلوكٌ متوقع ومعتاد من جميع
المذاهب في جميع الأديان، ولا يمكن الاعتداد به في سياق بحثي
محايد.
أما الديانات الأرضية فقد مرّت بأطوار متعددة من التخلق عبر العصور
والظروف السياسية، وتشعبت وانقسمت أكثر بكثير من الديانات السماوية
بسبب غياب الموروث المقدس غالباً، أو بسبب تداعي منطلقاته ومحدودية
تأثيرها، وهكذا لم يعد ممكناً أيضاً أن نصف طوراً من هذه الأطوار
الزمنية على أنه الحالة (الكلية) للدين. هذا يعني أنه لم يعد هناك
حالة كلية لأي دينٍ حي، سماوياً كان أو أرضياً. ولربما كان غياب
الحالات الكلية للأديان هو ما دفع الإنسان للبحث عن مصادر أخرى
للحقيقة، أو معايير بشرية لمحاكمة ما يشهده من حالات جزئية
للأديان، وبذلك تشكلت إرهاصات الشك والفلسفة والمنطق، واتسعت مساحة
اليقين الواقعي على حساب اليقين الميثيولوجي، وبدأ العقل البشري في
تسيّد الحضارات. هذا لا يعني بالضرورة أن الأديان كانت تعمل ضد
العقل، ولكن العقل البشري بطبيعته يحتاج إلى صفعات قويّة من التخبط
والحيرة والشك قبل أن يعمل على انتشال نفسه، وهذا ما لم يكن عليه
عندما كانت الأديان في حالاتها الكلية التي تمنح إجابات مقدسة
ومريحة لكل شأن من شؤون الحياة.
نحن نستفيد من تقسيم الدين، كعامل حضاري، إلى شقيه الكلي والجزئي
في تجنيب الدين مسؤولية انحطاط الأمم، وأيضاً لنفي تفرّده بعلاقة
سببية مباشرة في رفعتها. وذلك استناداً للشواهد التاريخية التي
تقول إن الأديان وحدها لا ترفع الأمم ولا تحطّها، بل إنها تسهم في
هذه وتلك حسب الطريقة التي يتم توظيفها بها في الآلة الحضارية
الكبيرة، إلى جوار السياسة والاقتصاد والثقافة والفلسفة وبقية ما
تشدد على ضرورته الأنثروبولوجيا. غير أن البعض قد يرى أن تصنيف
الدين كعامل وحيد إلى جوار عوامل أخرى هو بمثابة الهجوم عليه،
ومحاولة للتقليل من شأنه، وهذا طرح مقبول لو أن القضية كانت تتمحور
حول الدين (بالكلّ) الذي نزل به، وليس (بالجزء) الذي تمكّن الإنسان
من تفعيله في حياته.
نحن لا نستطيع دراسة الدين (ككل) دون أن ننتهي إلى جملة متباينة من
الآراء البشرية، ولو أن أنبياء الديانات السماوية، ومخترعي
الديانات الأرضية، عادوا جميعاً إلى الحياة ليحاكموا أديانهم
لوجدوا فيها اختلافاً كبيراً، وستدخل القضية كلها في المدار
الفلسفي الذي يحتفظ لكل رأي بحقه في النشوء والاعتداد، وبالتالي
فنحن لا نملك إلا أن ندرس الدين (كجزء)، وهو الجزء الذي يفعّله
الناس في تعاطيهم الحضاري والحياتي مع مجتمعاتهم، وهو بالتالي
(جزء) متغير من حقبة إلى حقبة بحكم تغيّر مشارب الناس، وتطور
أدواتهم، وحاجاتهم، ولا يمكن أن نقبض عليه في حالة ثابتة أبداً.
|