تصريحات الملحق التي قالت له: دعني!

 جريدة الوطن السعودية


قبل أيام، اجتمع الملحق الثقافي السعودي في واشنطن الدكتور محمد العيسى برؤساء الأندية الطلابية للمبتعثين في الولايات المتحدة، وهنأهم على المكرمة الملكية بزيادة مكافآتهم بنسبة 50%، إلا أنه أتبع تهنئته تلك بتصريح أثار حنقاً وجدلاً كبيرين. حيث شدد الدكتور العيسى على أن ذلك القرار جاء نتيجة لجهود السفارة والمسؤولين، وليس استجابة لمطالبات الطلاب المستمرة عبر الصحافة والإنترنت. وتصريح كهذا، رغم أن زميلي الأستاذ تركي الدخيل سبق وتناوله بالنقد والامتعاض، إلا أنه برأيي يستحق مزيداً من التمعن والتحليل لسببين: أولاً، محاولة لفهم العقل البيروقراطي الحكومي المعاصر وخطابه تجاه المواطن، وثانياً، محاولة لرصد أية تغيرات في مدى تقبل المواطنين، لاسيما جيل المبتعثين، لخطابات كهذه.
للدكتور محمد العيسى شعبية لا بأس بها لدى الطلاب المبتعثين، يبررها أكثرهم بالتحسن الملحوظ في العمل البيروقراطي داخل الملحقية منذ تولى إدارتها. بينما يرى آخرون أن أي تغييرات تحدث، مقارنة بالموات الذي كانت عليه الملحقية من قبل، كان سيبدو عملاً بطولياً أياً كان حجمه. والذي تعامل مع الملحقية في عهدها السابق فلا بد أنه لاحظ الإعاقة الإدارية الواضحة التي عانى منهم أغلب من تعامل مع الملحقية آنذاك سواءً من الطلاب المبتعثين أو الجهات الأكاديمية حتى تولّدت منها قصص مضحكة/مبكية. ثم تداركت الملحقية أخطاءها نسبياً، واستعادت توازنها، وبدأت في تسيير العمل كما ينبغي (وليس أفضل مما ينبغي!). ومن هنا اكتسبت الملحقية بعض الرضا الطلابي في ثوبها الجديد الذي، يرى البعض، أنها لم تكن لتكتسي به أيضاً لولا (المطالبات الطلابية المستمرة عبر الصحافة والإنترنت!)
محور المقالة هنا هو التساؤل: ما الذي دفع الدكتور محمد العيسى في تصريحه الأخير لأن يشدّد على أن زيادة مكافآت المبتعثين جاءت استجابة لجهود السفارة والملحقية، وليس استجابة لمطالبات المبتعثين الصحفية والإنترنتية؟ هل الأمر بهذه الأهمية حتى (يفتتح) الملحق بها لقاءه مع رؤساء الأندية الطلابية قبل حتى مناقشة جدول الأعمال؟ وكيف استقبل الطلاب المبتعثون، ممثلين برؤساء أنديتهم من الطلاب أيضاً، هذا التصريح القاطع الذي أقصاهم تماماً من المشهد الذي اعتقدوا أنهم حاضرون فيه بكل قوة في سبيل تحسين أوضاع زملائهم؟
ولأنه ما من أحد بوسعه استقراء نيات الدكتور المبطنة لتصريحه (الافتتاحي) ذاك، فلم يبق أمامنا إلا محاولة استقراء كافة الاحتمالات الممكنة لرسالته التي حاول أن يوجهها من خلال تصريحه ذاك. وهي لا تتجاوز بضعة احتمالات، أحدها أن يكون الدكتور العيسى يسعى لحفظ حقوق موظفيه في الملحقية وزملائه في السفارة، ورفع معنوياتهم من خلال اعترافه بفضلهم ودورهم في صدور هذه المكرمة الملكية، حتى لو أدى ذلك لإغضاب مجموعة من الطلاب الذين ربما لن يلتفتوا لهذه الحيثيات البسيطة بعد صدور المكرمة فعلياً. فليظفر الطلاب بالزيادة إذن، وليظفر منسوبو الملحقية بالمجد على الأقل! وتلك قسمة عادلة من وجهة نظر الملحق الثقافي.
الغريب أنه، كما هو واضح من اسمها (مكرمة) و (ملكية)، مما يقصر دور المسؤولين هنا على الرفع بالطلبات وانتظار الأمر الملكي. والذي يبدو أن الرفع بالطلبات ليس أمراً صعباً، ولا يتطلب جهوداً إضافية، ولاسيما أن حاجة المبتعثين لزيادة مكافآتهم كانت واضحة وجليّة، ولا تتطلب دراسات معمقة، ولا أبحاثاً موسعة، حتى ترفع الملحقية بعدها بطلباتها. ولو أن الملحقية والسفارة، مع احترامنا لكل ما تقدمه الجهتان من خدمة للمواطنين، لو أنهما قامتا بجهود كبيرة في سبيل رفع المكافآت لما صارت هذه (مكرمة)، ولكانت مجرد (إقرار حكومي لتوصياتٍ تنفيذية) والسلام. فترى، ما هي - بالتفصيل - الجهود التي قامت بها الملحقية والسفارة في سبيل رفع المكافآت باستثناء رفع طلب رسمي بذلك؟ مع العلم أن بعض الطلاب المبتعثين تكفلوا، وعلى حسابهم الخاص وبجهودهم الذاتية، بإجراء دراسات اقتصادية محكمة تثبت حاجتهم لرفع المكافآت، وتسلمتها الملحقية منهم لرفعها إلى ولاة الأمر، فهل أرهقت هذه (الوساطة) كاهل الملحق حتى قرر أن يستأثر بكل أمجاد المكرمة الملكية، جزاءً وفاقا؟
هناك احتمال آخر أن يكون الدكتور العيسى يسعى من وراء تصريحه الافتتاحي إلى كبح جماح العمل الطلابي، لاسيما الإعلامي منه، والتطويح بهذه الجهود بعيداً حتى لا يتضاعف حماس الطلاب بعد المكرمة، فيزداد نشاطهم الصحفي والإنترنتي الذي قد لا يكون في كل الأحوال وجيهاً وحكيماً في نظر الدكتور.إنها النظرة الكلاسيكية للمسؤول الحكومي المتوجس دائماً من الإعلام، والذي يرى فيه دائماً عدواً مقيماً، وملجأ للغوغاء والمشوشرين على العمل الحكومي الرصين. تلك وجهة نظر قديمة، ولكن الغريب أن يطرحها الدكتور في اجتماع (رؤساء الأندية الطلابية!) التي لم تُنشأ إلا لتنظيم العمل الجماعي الطلابي، وتتمتع بحضور إعلامي كبير ونشط. وهذا ما جعل من تصريحه ذاك مناط استهجان واستنكار كبيرين، من مجموعة كبيرة من الطلاب الناشطين في العمل الإعلامي.
من المحتمل أيضاً أن يكون الدكتور العيسى يحمل رسالة إلى الطلاب، لا يد له فيها، بأن جهودهم الصحفية والإنترنتية يجب أن تظل (جهوداً) وليست (ضغوطاً). وأن أي تصورات طلابية قد تخطر ببالهم أو بال بعضهم ذات يوم بأن السبيل إلى مكافآت أعلى، ومميزات أكثر، هو ممارسة (الضغط) الإعلامي والإنترنتي هي تصورات مغلوطة، وتستحق التنبيه أو حتى (التوبيخ) على لسان مسؤول حكومي رفيع، كالدكتور محمد العيسى. ولو كان ذلك صحيحاً، فلا شك أن الدكتور العيسى أوصلها بشكل غير مقبول، لأن تصريحه ذاك كان ناسفاً بشكل ظالم لجهود طلابية استمرت لأكثر من ثلاث سنوات، من أجل تحسين أوضاع المبتعثين، وإنجاح مشروعه الكبير الذي تبناه خادم الحرمين الشريفين.
أياً كان من الاحتمالات السابقة صائباً، فالذي يبدو هنا أن تصريحاً كهذا، بالصيغة التي أطلقه بها الدكتور، لم يقدر مستوى الوعي الذي يتمتع به الطلاب المبتعثون حق قدره، وما زال يفترض فيهم مستويات الوعي العام للجمهور الذي (يبتلع) أي تصريح ويسكت. وهذا ليس حال المبتعثين الذين يتضح بجلاء أنهم ينتمون لجيل لم يعد يقنعه هذا التعاطي الإعلامي المقولب، والتقريع المقنع. وهو الأمر الذي كان يفترض بالدكتور أن يأخذه في الحسبان قبل إدلائه بالتصريح إياه، أو حتى لإعادة صياغته بما يتناسب مع خطاب يلقيه على نخب وطنية من الطلاب والطالبات الذين يعول عليهم الوطن في نهضته.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي