|
كلما طرح موضوع
التسامح أو التصالح أو الحوار أو أي موضوع آخر يحمل في ثناياه
مشروع علاقة إيجابية مع الآخر تشبث المخالفون بالآية القرآنية (ولن
ترضى عنك اليهود ولا النصارى..) في محاولة لاستخدام هذه الآية من أجل
نسف المشروع برمته، وإيهام ذويه بوجود حواجز سماوية كبرى تجعل من
المستحيل القطعي خلق هذا المشروع الإنساني. هذا السلوك ليس جديداً،
فالميل إلى تفسير الكلام المقدس تفسيراً يغذي النزعة الأيديولوجية
الكارهة للآخر هو ممارسة قديمة جداً، ويتواصى بها المتشددون في
جميع الأديان. لأن التشدد ممارسة سلوكية إنسانية، وليست منهجاً
محصوراً على أتباع دين محدد.
تفسير الآية على أنها رفضٌ إلهي للعلاقة الإيجابية بين المسلم وغير
المسلم هو ما يحاول المتطرفون من خلاله إيجاد وعاء شرعي لمشاعر
الكراهية التي تراكمت تاريخياً في الأنفس والصدور بسبب الهزائم
الحضارية المتعاقبة عليها منذ سبعة قرون. ورغم أن الآية نصّت على
(عدم الرضا) وليس بالضرورة على (حتمية الكره)، إلا أن التفسير
الأخير هو الرائج لأن الظروف الحضارية للأمة تسهّل رواجه بما أنه
يناسب تماماً سيكولوجية الفرد المسلم المعاصر والمحتاج بشكل مستمر
إلى مسارب أيديولوجية لتفريغ الطاقة الناتجة عن تفاعلات حاضره
المهزوم مع ماضيه المجيد.ولو أنّ أمماً أخرى، غير اليهود
والمسيحيين، كانوا هم الخصوم الرئيسيين في تاريخ المنطقة السياسي
القريب، لربما غابت هذه الآية عن خطب المتشنجين، ولم يتم استخدامها
لأغراض التعبئة التي تستخدم فيها الآن.
إذن، اتّفق اللفظ الشكلي للآية أولاً مع الحالة السيكولوجية للأمة
ثانياً مع الظروف السياسية والتاريخية ثالثاً في اختراع التفسير
السائد للآية، وهو أنها (تأكيد سماويّ على حتمية الكره الأبدي) بين
المسلمين وأهل الكتاب في تغاض شبه كامل عن كون مفهوم (عدم الرضا)
هو كناية فلسفية مبسطة عن سنّة كبرى من سنن الحياة، وهي اختلاف
الناس في وجهات النظر. وهذا الاختلاف الطبيعي هو ما نمارسه يومياً
دون أن نشرطه بالكراهية. وكل اختلاف في وجهات النظر هو بحد ذاته
إقرار (بعدم الرضا)، وفي المقابل ليس كل إقرار بعدم الرضا هو فعل
مرادف للكراهية. وبالتالي، فإن الاختلاف بين شيخين على فتوى هو
(عدم رضا) متبادل، والاختلاف بين أبوين على قرار تربوي هو (عدم
رضا) متبادل، والاختلاف بين وزيرين على قرار إداري هو (عدم رضا)
متبادل، ولكن هذا كله لا يؤدي بالضرورة إلى إعلان الحرب بين
الشيخين، ووقوع الطلاق بين الأبوين، وحلّ مجلس الوزراء!
الآية إذن تستخدم مفهوم (عدم الرضا) من باب توعية الذهن المسلم بأن
التعددية هي حتمٌ محتوم، فلا داعي للإمعان في اعتساف الرضا من
اليهود والمسيحيين، بل من الحتميّ قبولُ ما هم عليه على أنه شأنٌ
لا يمكن تغييره ويجب التعايش معه مثلما يجب التعايش مع كل الشؤون
الأخرى مستحيلة التغير في الحياة كالنظام الشمسي ودورة القمر. ولا
توجد أية إشارة في الآية الكريمة إلى أن (عدم الرضا) يؤدي بالضرورة
إلى (وجوب التوجس وأخذ الحيطة وافتراض الخبث والتربص من الآخر). بل
إن استخدام كلمة (الرضا) في الآية، وهي كلمة لينة نسبياً، تثبت أن
الأمر أبعد ما يكون عما يريد أن يذهب إليه المتشددون في تفسيرها
واستخدامها لأغراض أيديولوجية. فلم تأت الآية على شكل (ستكرهك
اليهود والنصارى إلى الأبد..) أو على شكل (لا تأمنوا جانب اليهود
والنصارى إلى الأبد..).
في الآية أيضاً نبوءة ربانية يراد بها إراحة الجهد الإسلامي من
محاولة تعميم الإسلام كدين بالإشارة إلى أن (عدم رضا) البشر عن
بعضهم البعض، عقائدياً وفكرياً، سيظلّ قائماً إلى الأبد، لأنه فطرة
حياتية مستمرة. ومن الضروري التفريق بين (عدم الرضا المبني على
اختلاف وجهات النظر) وبين (عدم الرضا المبني على فرضية الضغينة
الأبدية)، فالأولى هي شأنٌ اعتيادي يحدث بين كل شخصين، ناهيك عن
دينين. أما الثانية فهي مرضٌ إنساني قديم ناتج عن احتباسات
وتداعيات واحتقانات أيديولوجية، تحدث بسبب صراعات تاريخية بين
جماعات البشر، وتؤدي إلى توريث فرضيات الكره الأزلي على أنها حقائق
سماوية من أجل تخفيف الحزن الأيديولوجي الموروث. والأولى لا تتنافى
إطلاقاً مع إمكانية التعايش والود والحب رغم اختلاف وجهات النظر،
أما الثانية فإنها (تهدف) أساساً إلى تقويض التعايش (عمداً)، وخلق
الضغينة بدون مبرر.
ومثلما أنه من الساذج أن نعدّ الرضا المتبادل شرطاً للتواصل
بإيجابية مع الآخر، فمن الأسذج افتراض أن الكره هو قانون (جيني)
يحمله اليهودي والمسيحي والمسلم في خلاياه، وبالتالي يجعل من كره
الآخر نشاطاً فسيولوجياً متوقعاً! وخريطة الحضارات توضّح أنه ما من
أمتين تعالقتا مع بعضهما في ظروف سياسية أو اقتصادية أو جغرافية
إلا وتنازعتا الأمر بينهما على شؤون عديدة، فإذا استمرّ النزاع،
والتهبت الجراح، ثم طال عليه الأمد، أضفى عليه التاريخ صبغة
الحتميّة والأزليّة حتى يستمر أفراد الأمتين في تخصيب العزة
القومية، وإنتاج طاقة بقاء. وعندما يفتش المتطرفون عن مصادر لهذه
الطاقة تبرز النصوص المقدسة باعتبارها مصادر لا تنضب في وجدان
الأمم، وهكذا يتم إقحام النصوص المقدسة للاستفادة منها في تحقيق
أهداف لا علاقة لها بما نزلت من أجله.
صحيحٌ أن اليهود والمسيحيين لن يرضوا أبداً، لأنهم لو رضوا لما
عادوا يهوداً ولا مسيحيين، وتحولوا إلى مسلمين. ولكنهم في المقابل
لن يكرهوا المسلمين لوجه الكره، ولو فعلوا فليس ذلك لأنهم يهود
ومسيحيون، بل لأن أسباباً أخرى دعت لذلك. ومثلما أن الأسباب قد
تدعو للكراهية، فأسباب أخرى قد تدعو للود والسلام والتسامح. ولكن
بقدر ما هو سهلٌ خلق أسباب الكراهية، فمن الصعب جداً خلق أسباب
التسامح. لأن الكره فعلٌ بدائي مرتبط بغرائز سلوكية أساسية في
الإنسان، بينما التسامح فعلٌ حضاري يتطلب حراكاً ثقافياً
واجتماعياً راقياً لكبح هذه الغرائز، وإصلاح ذات البين الإنساني. |