|
أرى، كما ذكرت
في المقالة السابقة، أن (توضيح) صورة السعودية في العالم أفضل من
محاولة (تحسينها) خارجياً فقط مع إبقائها على ما هي عليه داخلياً.
ذلك أن إطلاع العالم على ما نحن عليه فعلاً يعظّم من الجانب
الإنساني في علاقتنا الحضارية مع الآخر عكس ما قد يؤدي إليه إطلاعه
على صورة (محسّنة) يمكن بسهولة التشكيك في مصداقيتها. كما أن توضيح
الصورة كما هي يسرّع من عملية بناء الثقة، ويفتح باب المشاركة في
طرح الحلول (وليس بالضرورة فرضها فرضاً!)، لأن الصورة السلبية التي
تعاني منها السعودية جزئياً ليست معاناة انفردت بها السعودية
وحدها، بل سبق أن تعرضت شعوب ودول عدة إلى نفس المعاناة في ظروف
تاريخية مختلفة. ومثلما تعرض السعوديون لشبهة الإرهاب بعد سبتمبر،
تعرض الصقليون لشبهة الإجرام في بدايات القرن الماضي، واليابانيون
لشبهة الخيانة في منتصفه، والألمان لشبهة النازية فيما بعد ذلك.
ولا يكاد يخلو شعبٌ في العالم من صورة نمطية تختصره، ولكنها تختلف
في مدى خطورتها وانتشارها وضرورة اتخاذ إجراء وطني إزاءها.
وبالتالي، من الطبيعي أن يتعاطف معك من مرت به نفس المشكلة من قبل
أكثر من أن يتوجس منك، شرط أن نعترف بمشكلاتنا عن طريق المصارحة
(التوضيح) بدلاً أن نمعن في التغاضي عنها عن طريق النفي
و(التحسين). المشكلة مشتركة إذن، والنماذج السابقة تسهل عملية
اختيار الحلول الوطنية المناسبة بعد تطويرها لتناسب الحال والعصر.
ولكن من المهم توضيح أن الصقليين أنفسهم ساهموا في ملاحقة مجرميهم
من المجتمع النيويوركي قدر المستطاع، وأن اليابانيين الأمريكيين
حاربوا في صفوف أمريكا ضد اليابان لدفع التهمة، وأن الألمان وضعوا
قوانين صارمة لاجتثاث النازية من الفكر الألماني المعاصر. والآن
تبذل السعودية جهوداً في محاربة الإرهاب فكرياً وأمنياً أكثر مما
تبذله أي دولة أخرى في حجمها، ولكن حتى تنتهي هذه الحرب البطيئة ضد
الإرهاب، برزت مشكلة صورة السعودية في الخارج كعرض جانبي ينبغي أن
يعالج بشكل أسرع بسبب فعالية وديناميكية دور السعودية عالمياً،
والذي لا يمكنه تحمل بقاء الصورة على ما هي عليه فترة أطول.
ولكن، مرة أخرى، ما هي صورة السعودية الحقيقية؟ هل نرغب في بثها
كما هي؟ أم كما نظنها؟ أم كما نتمناها؟ أم كما ترضيهم؟ أسئلة أسهمت
في تعقيدها عدة عوامل: منها ضبابية الهدف الحقيقي وراء تحسين
الصورة، وعدم إناطة المسؤولية بجهة قادرة قابلة للمحاسبة، وغياب
الثقافة الجامعة وراء أهمية التثاقف مع الآخر.
إذا كان الهدف من تحسين الصورة هو تجاوز الأزمة الحالية، وتخفيف
حدة الضغط على السعودية، فذلك هدف قصير المدى يمكن (شراؤه) بسهولة،
على اعتبار أن الرأي العام العالمي تديره وتتحكم فيه شركات ربحية،
ولكن الأجدى من ذلك هو توطيد صورة عالمية للسعودية لا يمكن تعديلها
بسهولة، صورة مثل صورة: الدأب الياباني، والجودة الألمانية، والعمل
الأمريكي، والدقة السويسرية، والعراقة الإيطالية، والأناقة
الفرنسية. كل هذه الصور السابقة لم تأتِ صدفة، وكلها أغدقت على
شعوبها مصالح ومنافع كثيرة طوال عقود بسبب اقتناع العالم بها، وكل
هذه الدول انتبهت إلى فائدة هذه الصورة، وعرفت أنها قد تشوبها
الشوائب على مر الزمن، فسعت إلى تأكيدها ودعمها عبر برامج
استراتيجية كبرى، تحمل أولوية وطنية عالية.
وحتى الآن، ما زالت مسؤولية تحسين الصورة موزعة على جهات عديدة مثل
الصحف (المحلية!)، والملاحق الثقافية والإعلامية في السفارات، وبعض
الجهود التي تقوم بها هيئة السياحة، وهيئة حقوق الإنسان، وغيرها.
ولم توجد جهة تسعى إلى تنسيق هذه الجهود (وليس مركزتها بالضرورة).
من المهم الاتفاق على صورة معينة، والإمعان في توضيحها ليسهل
بالتالي تثبيتها في الذهنية العالمية. ولتكن مثلاً صورة (الكرم
السعودي)، الذي ربما يحلّ محل صورة (البذخ) السلبي التي علقت
بالسعوديين منذ السبعينات. أو مثلاً صورة (المسؤولية الدولية تجاه
طاقة العالم) التي تحل محل صورة (تاجر النفط الجشع) التي أيضاً
علقت بأذهان العالم منذ أزمة النفط الأولى عام 1973. كل هذه هي صور
أصيلة يسهل تثبيتها لأنها مرتكزة على ممارسات سعودية حقيقية
وموجودة. فالسعودية من أكرم دول العالم في التبرعات الخارجية، ومن
أكثرها ميلاً إلى الرعاية الداخلية. والسعودية أيضاً تلعب دور ضابط
النفط العالمي منذ سنوات طويلة، ومن حقنا الآن استثمار هذه
الممارسات الإيجابية في صور عالمية تساعد المملكة على لعب أدوارها
المستقبلية في العالم بشكل أكثر مرونة.
وعندما نتحدث عن ثقافة جامعة لأهمية صورتنا لدى الآخر، تعترض
التيارية الطريق، وتأخذ في تعطيل الأمر حتى يبدو الاتفاق على رسالة
وطنية موحدة للعالم أمراً مستحيلاً. ومن حق المنتمي فكرياً لتيار
محلي أن يطرح وجهة نظره حول الصورة التي يريد أن يظهر بها وطنه في
العالم، وهو حقٌ يمارسه الناس في أجنداتهم الشخصية ما استطاعوا دون
أن يطلبوا إذناً من أحد. الصدام يحدث عندما نحاول التنسيق في أجندة
جماعية. والغالب أن هذا الصدام لا يمكن تجنبه حالياً إلا بواحدة من
ثلاث: تغليب أحد الرأيين بالقوة أو تمكينهما من الظهور معاً بشكل
مقبول أو فصلهما تماماً ليعملا على حدة. الحل الرابع الذي لم يتم
تطبيقه حتى الآن هو الاتفاق على فلسفة مشتركة تتسع للرأيين يمكن من
خلالهما تطوير صورة مشتركة وتعددية يقبل بها الجميع.
وبعيداً عن الجهود المؤسساتية التي تبذل عبثاً، يظل الفرد السعودي
منشغلاً بحالته الخاصة. فصورة وطنه في الخارج تؤثر عليه بشكل
مباشر، وبالتالي فإن جهوده الشخصية في تحسينها (حسبما يراه حسناً!)
تصبح أكثر تلقائية وأنانية بعض الشيء. البعض يسعى فقط إلى أن يبرئه
الغرب من تهمة الانتماء لثقافات متطرفة في بلده، ويهدف إلى تسويق
نفسه كشخص مستقل ومتخارج وناج من سلبيات ثقافية كبيرة في العقل
الجمعي السعودي، وهو حين يفعل ذلك، يبالغ أحياناً في التخارج من
هذه الجمعية حتى ليكاد يخرج نفسه من النسيج الوطني بأكمله.
وأحياناً يكون من العمق بحيث يستطيع توضيح موقعه من الخريطة
الاجتماعية السعودية بوضوح للغرب، دون أن يبدو متشنجاً وكثير
الشكوى، ولا متخارجاً عن انتمائه الوطني، ولا مهووساً بسلوك
الأقلية النضالي أو الانهزامي.
المحافظ على الصعيد الآخر يريد أن (يقنع) الغرب بشرعية توجهاته
الاجتماعية وثقافته، وأنها الطريقة المثلى للحياة. هو إذن لا
يتواصل مع الغرب ليبرر له ثقافته المحافظة، بل ليسوقها عليه
بمستويات مختلفة تصل إلى الوعظية أحياناً، أو تكتفي بضرب الأمثلة
السلوكية الشخصية من خلال حسن التعامل فقط. ويدخل على الخط أيضاً
شريحة من المحافظين التي تتواصل مع الغرب لتغيظه، وتمعن في
استفزازه كنوع من الانتقام السلوكي من تراكمات تاريخية من الغيظ
والتعبئة الأيديولوجية.
وبالتالي، فإن صورة مشتركة مرجوة كهذه ما زالت غائبة تماماً. ورغم
أن السعودية متفوقة دبلوماسياً على أصعدة عديدة، إلا أن
دبلوماسيتنا اشتغلت طويلاً على تحقيق عوائد سياسية واقتصادية ولم
تجابه من قبل بتحد ثقافي كبير كهذا الذي حدث بعد أحداث سبتمبر. هذا
يعني أن المشروع بأكمله ما زال طفلاً في عثار البدايات. ومن هذا
العثار أن أغلب الجهود التي صبت في وعاء تحسين الصورة ظلت جهوداً
تسويقية، ذات أبعاد دعائية وإعلامية، وتهدف إلى تحقيق أهداف
دبلوماسية واقتصادية قصيرة إلى متوسطة المدى. ولا أدري ما إذا كانت
هناك جهود أخرى، ذات أبعاد استراتيجية طويلة المدى يتم إعدادها في
الخفاء، وباحترافية. |