|
الجهد الذي قامت
به السيدة دانيا الحمراني باستضافتها آنتوني بوردين، أحد أشهر
مقدمي البرامج الأمريكية في جدة لعدة أيام، لتعريفه على ثقافة
المكان والإنسان هو جهد مليء بالنيات الحسنة، ومعد باحترافية تشي
بأنها تعرف جيداً لغة الإعلام الأمريكي. بوردين جاء إلى جدة على
مضض، وخرج منها مسروراً ومتفاجئاً كما يبدو بما رأى وسمع، ومن بعد
ذلك أذيعت الحلقة وانتهى الأمر، وبقي سؤال وحيد معلقاً: في أي خانة
يمكننا تصنيف وأرشفة جهد كهذا الذي بذلته دانيا الحمراني وعائلتها؟
هل يمكن إدراجه في ملف تطوير العلاقات العامة بين البلدين؟ أو ملف
تحسين صورة المملكة في أمريكا؟ أو أن الأمر كله لم يكن أكثر من
إنجاز مهني شخصي للإعلامية الشابة التي ظهرت طوال ساعات في أشهر
برنامج تلفزيوني أمريكي، دون الحاجة إلى تحميلها أجندات سياسية
وإعلامية كبرى؟
اختيار الملف المناسب لهذا الجهد سيخفف كثيراً من حدة الجدل الذي
دار حول أحداث الحلقة. ولاسيما أنها تمحورت حول استضافة غير
تقليدية لإعلامي أمريكي مشهور أسفرت عن إنتاج حلقة تلفزيونية
شاهدها ملايين الأمريكيين. وبوسعنا أن نناقش كل التصنيفات الممكنة
لمشروع كهذا، ونفحص محاور الجدل حولها. فإذا كان الهدف منها هو
تطوير العلاقات العامة بين بلدين حليفين منذ ما يقارب ثمانين سنة،
فهذا نشاط ضروري لا يجب أن يتوقف مهما توترت المصالح من حين لآخر.
لأن العلاقات الحسنة مع شريك استراتيجي كأمريكا تعتبر في عالم
السياسة، إذا شئنا أن نستعير مصطلحاً محاسبياً، أصلاً من الأصول
القيّمة في السجلات السياسية للدولة، ولا ينبغي التفريط به. هذا
يعني أنه، إذا كانت جهود دانيا الحمراني عبارة عن مشروع علاقات
عامة ليس إلا، فهي رغم ذلك تظل جهوداً محبذة، ومساهمة وطنية في
صالح الوطن بغض النظر عن آليتها، ما دامت تؤدي في النهاية إلى
توطيد العلاقة الثقافية بين البلدين، لاسيما في هذه الآونة التي
اتخذت فيها الخلافات جانباً ثقافياً وشعبياً يستدعي مشاركة الفرد
السعودي والأمريكي في عملية التثاقف الإيجابية، وليس فقط رجال
السياسة والاقتصاد.
إما إذا افترضنا أن السيدة دانيا قامت بذلك من أجل تحسين صورة
المملكة في أمريكا، من باب (إدارة الأزمات)، فهذا شأن أكثر جدلاً،
ويختلف عليه الكثيرون. ما هي الصورة التي ينبغي تحسينها؟ وكيف سيتم
ذلك؟ وما هي الصورة البديلة التي يمكن طرحها؟ ومن هو صاحب الحق في
السعودية في اختيار هذه الصورة؟ والسؤال الأهم: هل سنكتفي بتبادل
(الصور) بين البلدين أم سنفتح الطريق أمام الشعبين للتعرف على
(الأصل)؟
الحقيقة، أن مصطلح (تحسين الصورة) قد يجعل العملية برمتها تبدو
ممارسة مخادعة ومرادفة للتلميع والفبركة، وتعكس ضعفاً في الموقف،
وخجلاً من التصرفات. وهذا لا يليق بدولة. الأحرى أن نقوم بعملية
(توضيح الصورة) وتعميقها ذهنياً لدى الأمريكيين حتى تسهل عملية
الاتصال الثقافي بين الشعبين. ولذلك، نرجو ألا يكون هذا الجهد
الإعلامي المحترم مجرد (تسويق) لصورة معينة، لأن هذا لا ينتج إلا
بريقاً مؤقتاً لا يعول عليه. وبالتالي فإنه بدلاً من تسويق (صور)
محسّنة للسعودية، يفترض أن يكون هناك تبادل (أصول) ثقافية بين
البلدين. هذا لا يحدث عن طريق الإعلام فقط بل بإتاحة فرص مستمرة
للتواصل الأمريكي السعودي على المستوى الشعبي المفتوح، وليس
النخبوي المحدود. وقد أدرك الأمريكيون ذلك عندما استقبلوا في
بلادهم آلاف الطلاب السعوديين من أجل تمكينهم من الاطلاع على
(أصول) الثقافة الأمريكية. وهو ليس هدفاً (خبيثاً) كما يصرّ
المتحفظون على وصفه بذلك، وعدِّه مؤامرة لاختطاف الأجيال القادمة
ثقافياً، وإلا لأمكن إطلاق نفس التهمة على السعودية كونها تستضيف
طلاباً من دول أخرى للدراسة في جامعات ذات توجه معين. في الحقيقة،
إن كل حضارة إنسانية تسعى إلى مدّ جذورها في التربة الأخرى، إن لم
يكن لتوسيع مساحة الحضارة، فهو لإحداث التلاقح الحضاري المفيد
للطرفين. المهم أن تظل تربة الإنسانية خصبة في النهاية.
على كل حال، لنفترض أن السيدة دانيا كانت تقصد (تحسين الصورة). من
المتفق عليه إذن أن الصورة التي اختارت دانيا الحمراني نقلها إلى
أمريكا كانت بالتأكيد ملتقطة من زاويتها هي، وهي تعرف بالتأكيد أن
هناك مئات الزوايا الأخرى التي يمكن التقاطها لبلد مثل السعودية،
وتعرف أن الكثير منها لن يروق لبوردين، وأن الكثير منها أيضاً يعرف
بوردين أنها لم تطلعه عليها، ربما لضيق الوقت، وربما للمحافظة على
نسق البرنامج. السؤال هنا هو: هل يحق لدانيا الحمراني الانفراد
باختيار الصورة التي ترغب بنقلها لبوردين ما دامت تعمل في إطار
تحسين الصورة السعودية (الجماعية) وليس في إطار مشروعها الإعلامي
(الشخصي)؟ هذا السؤال لا بد أن السيدة الحمراني واجهته كثيراً،
وربما رأى البعض أنه بما أنها أخذت على عاتقها تنسيق الأمر برمته،
واستضافة الحلقة التي لم تكن لولا جهدها هي، فمن حقها إذن أن تختار
الزاوية التي تراها مناسبة، وتروج لوجهة نظرها هي حول المجتمع
والناس، ولكن البعض الآخر يطالب بحياد أكبر في إبداء وجهات النظر،
وإسقاطات أعمق على مجتمع السعودية بدلاً من الاكتفاء بـ (نحن
عاديون، نحن لطفاء..)، بغض النظر إذا ما كانت نوعية البرنامج تتيح
ذلك أم لا.
والذي راقب التعليقات المحلية على ذلك البرنامج لن يخفى عليه الجدل
بين طرفين، أحدهما يرى أن دانيا نقلت صورة خاطئة عن السعودية عندما
حصرت الرؤية في مدينة جدة وعاداتها وتقاليد أهلها، بل إن بعضهم قال
إن الصورة كانت محدودة في عائلة دانيا فقط، وأنها تمثل ثقافة
أسرية، وليست ثقافة دولة. البعض الآخر ابتهج وأثنى على البرنامج،
ورأى أن دانيا قامت بجهد جبار تشكر عليه، وأنها استطاعت فعلاً أن
تنقذنا من صورة نمطية سلبية كانت مسيطرة على الرأي العام الأمريكي
حول السعودية. وباستطاعة دانيا الحمراني أن تقول بكل ثقة (هذا
عملي، فأروني ماذا عملتم)، وباستطاعتها أيضاً أن تضع أمام بوردين
فسيفساء المجتمع السعودي ليرى الوضع على حقيقته. رغم أن هذا كله
يضعنا أمام حدود إعلامية ضيقة لا يمكنها أن تتسع لمبحث أكاديمي
الطابع كهذا الذي (يمكن) أن يرضي جميع الأطراف.
الحياد عندما يتعلق الأمر بمجتمع كالسعودي هو أمر صعب، ليس لأننا
بدع من المجتمعات، ولكن لأننا في طور حساس من أطوار النمو الحضاري،
واحتدام العمل التياري، وصراع الأيديولوجيات على اقتسام التبعية
الاجتماعية. لدينا فئات من المجتمع تتمنى أن تجد نفسها يوماً غير
مضطرة لتبرير كل ما يحدث في مجتمعها كلما سافرت إلى الخارج، ولدينا
فئات أخرى تتمنى أن تمعن في استفزاز الغرب وتحديه ومناكفته لما
يؤدي إليه ذلك من توليد شعور ما بالعزة الأيديولوجية.
كلتا الفئتين اطّلعتا على البرنامج الذي ظهرت فيه دانيا مع بوردين،
وأثارتا لغطاً متوقعاً. فكل منهما تريد أن يكون البرنامج مصمماً
على مقاس رؤيتها الأيديولوجية للمجتمع السعودي. مثل هذا الخلاف
واللغط يوضح أن الحراك الاجتماعي السعودي نفسه لم يصل إلى مرحلة
الاتفاق على (صورة) تسويقية موحدة، ولن يتفقوا. وأي محاولة
لاستحداث هذه الصورة الواحدة ستكون أصعب من محاولة حشر عشرين
مليوناً في عدسة كاميرا ضيقة، الأمر الذي لا يمكن أن يحدث إلا
باستخدام (زووم) ممعن في التسطيح يطمس ملامح الجميع! |