خارج صلاحيات الوزير

جريدة الوطن السعودية، 15 فبراير 2007


  قريباً، سنراقب معاً وجه المجتمع كما نراقب مسرحية درامية. لمن شاء أن يبكي أو يضحك، ولمن شاء أن يكتفي بمراقبة الضاحكين والباكين والمتناوشين على هامش المسرح. سيحل علينا التنظيم الوزاري المرتقب، والأول في عهد ملكنا الجديد. عندما تتمعّر أسارير، وتنبسط أسارير أخرى. وسنرى بيننا متنفسي الصعداء لتغيير هذا الوزير، وسنرى كاظمي الغيظ على إحلال ذاك، سيحدث هذا حتماً، ولا مناص من هذه الحالة الفيزيائية المتقلبة في مجتمع ما زال مبتهجاً بلعبة الأدلجة، ومفتوناً بأدوات التعبير الجديدة التي تمكّن منها أخيراً. وبما أن علبة الألوان التي في يده ليست مكتملة بعد، وكذلك الوعي الكافي بالتعددية بصفتها قدراً من أقدار المجتمع لا يمكن رده، فستطغى حتماً تلك الحالة الحدية ذات الأبيض والأسود بطبيعة الحال. فهذا الوزير، بناءً على انتمائه التياري الذي يخترعه له الناس دون عناء الرجوع إليه، هو شرٌ مطلق، والآخر خيرٌ مطلق. ولا عزاء للمعايير المدنية المحايدة!


وسيحدث أن تشتعل منتديات الإنترنت، بوصفها قناة التعبير الوحيدة المتاحة شعبياً لرصد ردود الأفعال على التنظيمات الوزارية، وستتحول كالمعتاد إلى مناطق ملتهبة مليئة بالندب، أو الاحتفال، والتحريض، والإغاظة المتبادلة، والاستفزاز المباشر. وهذه من عاداتنا التي لم نمل منها بعد. ولذلك أرى أن منتديات الإنترنت بعد التغييرات الوزارية هي أذى يُعتزل، ومناطق موبوءة لمن يعاني من حساسية أيديولوجية ما، تقلب مزاجه، وتعكر صفوه، وتفقده الحلم، والحياد، والتوسط. وستعود أغلب المنتديات خاوية إلا من التناطح الصوتي الفارغ من أسس الحوار السليم، وتتقلص فائدتها حتى تضحي كالصحف المحلية في أيام العيد، نصفها لوحات تهنئة صاخبة، ونصفها الباقي أخبارٌ كسولة، لا تغير شيئاً من شحوب العيد الذي صار ثابتاً في ملامح البلد الزمنية! الفرق أن صحف العيد قد تساعد على النوم، ولكن ضجيج المنتديات يؤجج الحنق، ويضرم القلق، ويمنع من النوم، ومن السكينة!


ولكن ما أعرفه جيداً، ويعرفه الجميع، أن جميع التيارات المنشغلة بعملية التناطح الفكري، لم تنظر إلى قرارات التغييرات الوزارية على أساس انعكاساتها المرتقبة على أداء هذه الوزارة أو تلك، بقدر ما نظرت إليه بمعيار التنافس بين التيارات: يوم لك، ويوم عليك. والحقيقة، أن المنغمس كلياً في وهم الصراع التياري هذا، قد تبلغ به العزة التيارية مبلغاً لا يمانع معه إطلاقاً في تحمل مشاق وكوارث اختفاء الوزارة تماماً كمواطن مستحق لخدماتها، على أن يتولاها من لا تعتبره عقلية التيار منتمياً انتماءً رمزياً إليه، وتثق بالدلو التي سيدلي بها في نصرة التيار، وردع الخصوم، بما تمكنه منه أدواته الوزارية التي اؤتمن عليها.


ورغم أن التنظيم الوزاري عملية تنظيمية وإدارية بحتة، ومن اختصاصات قيادة البلاد العليا، وهادفة بشكل أساس إلى توجيه الطاقات الإدارية الأولى لتنفيذ استراتيجيات الوطن، إلا أنه تحول، ذات غفلة، إلى ساحة صراع تياري هامشي بين أطياف المجتمع، يُرى فيه أن تنصيب هذا الوزير بالذات، على هذه الوزارة بعينها، في هذا الوقت الحرج، إنما يشكل انتصاراً لتيار ما، وهزيمة لتيار آخر، وكأننا في ساحة مراهنات، ولسنا في حيثيات عادية لعملية إدارية معتادة ومتكررة في أي دولة. بل إن التغيير الوزاري بالذات، كشأن سياسي، لا أعتقد أن له أدنى علاقة بالتيارات، على الرغم من أن دولاً عربية تقوم كلياً على أساس التقسيم الطائفي للحقائب الوزارية، لإرضاء العوام والناخبين. ولكن هذا لا ينطبق بشكل أو بآخر على الهيكل السياسي السعودي، ولا أعتقد أن الانتماء التياري، والتوجه الفكري، لأي من وزرائنا يمكن له، بأي حال من الأحوال، أن ينعكس على المجتمع مهما بلغ مستوى فاعلية الوزارة، وتماسّها مع المجتمع. وليقرأ جيداً الباكون والمهللون على حقيبتي التعليم والثقافة خصوصاًً، أن ذلك عائدٌ لسببين: الأول، أن الوزير في بلادنا ليس له أن يخرج عن الأجندة الوزارية العليا المرصودة لوزارته، ودورها المراد منها في حقبته الوزارية، وهذا، برأيي، من الحكمة، إذ لا يمكن أن تَمْنَحَ قيادةُ البلد رجلاً واحداً صلاحيات توجيه قطاع بأكمله وفق هواه الشخصي، ورؤيته الأيديولوجية. والسبب الثاني: أن الوزير في الأصل، محض مدير، تناط به مهمة إدارة موارد الوزارة بما يحقق أهدافها فقط، وسيستوي بعد تعيينه على كرسي تنفيذي، وليس على منبر روحي، ولن يكون من ضمن مهامه الوزارية أي مهمة تتعلق بالإرشاد الثقافي، ولن يكون منظراً اجتماعياً، أو رمزاً فكرياً، أو قائداً تيارياً، يؤمن به بعض، ويكفر بعض.


وعلى هذا الأساس، يُفترض أن تتوحد المطالبة بين كل أبناء الوطن ولا تختلف، ذلك إن كنا نرغب في لعبٍ دور فاعل في المجتمع، بمختلف تياراتنا، يُفترض أن نطالب معاً، وبصوت واحد، بوزير ذي مهارات إدارية عالية فقط، ووعي بأبعاد الحقيبة الوزارية الموكلة إليه، وقدرة على حل المشكلات، وإدارة الأزمات، وتطوير الخدمات، وتحقيق الدور المراد للوزارة أن تلعبه لتحقيق الاستراتيجية الوطنية العليا، بغض النظر عن تيار هذا الوزير وتوجهاته، لأن مأساة أغلب وزاراتنا تكمن في سوء إدارتها فحسب، وليس في تيارات وزرائها وتوجهاتهم، ولم نعرف من قبل أن وزارة ما، أعادت تشكيل الخارطة الفكرية للمجتمع وفق أفكار وزيرها، ولكننا سمعنا كثيراً عن وزارة ما أرهقت المواطنين لضعف أدائها، وسوء إدارتها، بينما وزارة أخرى نزلت عليهم رحمةً ورضا عندما أتقن وزيرها إيفاء حاجاتهم، وتحقيق تطلعاتهم.


لستُ ضد التيارات بقدر ما أنا ضد السلوك الديكي في تفعيل التيار داخل المجتمع، بتحويله إلى ساحة مصارعة تدق حلباتها كلما جدّ جديد، أو صدر قرار، أو تحرك ساكن. إن الدور النقدي الذي يجب أن يمارسه المجتمع إزاء المتغيرات الجديدة يجب أن يكون محايداً، وفنياً، وموجهاً للمصلحة الوطنية العامة، أما تلك التنظيرية، والأخلاقية، التي تختلف من تيار لآخر، فلا علاقة لها بشؤون الوزارة، بل أحب أن أزف لكل التيارات البشرى السارة بأنها والحمد لله، خارج صلاحيات الوزير! وهذه من النعم التي تستحق الشكر، إذ إن منهم المتعالين سلفاً، فكيف بهم إذا صاروا منظرين وفلاسفة!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي