دولة الرعاية ودولة الحرية

 جريدة الوطن السعودية


علينا أن ننتبه جيداً إلى ما ذكره فوكوياما في مقالته الأخيرة في النيوزويك (13 أكتوبر 2008) عن النهايات السيئة لدول الرعاية الاجتماعية، والتي تجنّب كما يبدو وصفها بالاشتراكية، ربما لكي لا تنحو مقالته منحى أيديولوجياً هو الذي أرادها أن تكون تجريداً اقتصادياً للحراك الأمريكي، صعوداً ونزولاً، على سلم تحرير السوق وتقييده. وربما أنه أيضاً أراد أن يشمل الوصف دولاً أخرى ليست اشتراكية ولكنها تتبنى نظماً متوسعة في الرعاية الاجتماعية على حساب حرية رأس المال. نحن الخليجيين بالذات معنيّون بهذا الوصف لأسباب واضحة. فالرعاية الاجتماعية في الخليج تكاد تكون الأعلى عالمياً إذا استثنينا الدول الاشتراكية والفقيرة. وفي الأمر مساحة للجدل طبعاً، ولكن المتفق عليه أن دول الخليج دول راعية لمواطنيها (نظاماً)، بغض النظر عن جودة الخدمة الاجتماعية المقدمة وعدالتها. فالنظام الخليجي يحتم على الدولة توفير التعليم والصحة والخدمات البلدية مجاناً لمواطنيها دون ضرائب مقابلة، بالإضافة إلى خدمات رخيصة أخرى مدعومة لتظل على أسعارها الرمزية مثل الخدمات العامة، ووظائف حكومية سهلة وكثيرة. ولا يوجد تقريباً دول أخرى في العالم توفر هذه الخدمات (نظاماً) مثل دول الخليج دون أن يؤدي ذلك إلى تأميم قطاعات السوق مثلما يفعل الاشتراكيون، وإن تمّ تقييد بعضها بطبيعة الحال. بهذا تكون دول الخليج، إذا حاولنا وصف موقعها على سلم النظام الاقتصادي، أقرب للاشتراكية من جانب رعاية المواطنين، وأقرب للرأسمالية من جانب تعظيم الثروة. السؤال هنا: هل يمكن أن يستمر وضعٌ كهذا دون أن ينحاز إلى أحد الجانبين أو يتمزق بينهما؟
وقبل أن نبحث عن إجابة موضوعية لهذا السؤال، في ضوء ما تسمح به قوانين الاقتصاد الكلي وما لا تسمح، ثمة سؤال (جزئي) صغير يهمّ المواطن: أيهما تراه أصلح لرفاهية المواطن، أن ترعاه الدولة وتقيّد سوقه، أو تحرر السوق ليعتمد على نفسه؟ والموضوعية هنا تستوجب أن نتفق جميعاً أن الميزتين لا تجتمعان معاً على المدى الطويل، ولا يمكن أن يحدث هذا الاجتماع إلا في ظروف استثنائية من الثراء الفائض أو (الطفرة) التي تسمح لبعض الدول أن ترعى مواطنيها وتحرر أسواقها في نفس الوقت. وإذا (ابتلعنا) كمواطنين حقيقة أن الطفرة حدثٌ استثنائي لا يمكن أن يستمر طويلاً، رغم صعوبة ذلك على سلوكنا الاستهلاكي الذي تعوّد تحميل الدولة مسؤولية الإنفاق على المواطن، فإننا لابد منتهون إلى اختيار إحدى الحسنيين والتخلي عن الأخرى: إما الرعاية الاجتماعية، أو السوق الحر.
هذا الخيار الاقتصادي الصعب لا مناص منه. والغالب أن مصير الدول التي فضّلت الرعاية الاجتماعية على السوق الحر لن يكون مغرياً لنا، وخير لنا أن نتنكّب الطريق الصعب عن أن ننتهي إلى الطريق المسدود. فنزويلا وليبيا، الدولتان الثريتان نسبياً، لم تتمكن نظم الرعاية الاجتماعية الموسّعة فيهما أن ترفع البؤس عن الشعبين اللذين يستحقان أن يكونا من شعوب العالم المترفة فعلاً، بينما استطاعت الدول الغربية أن تنهض من موات الحربين العالميتين، وما خلفتاه من فقر مدقع ودمار شامل بالرهان على السوق وقدرته على النهوض بالاقتصاد. وبعد انتهاء الحرب العالمية الثانية أكل الألمان ورق الشجر من فرط العوز، وكانت الأمة الألمانية في أشد حالاتها ضعفاً وهواناً، فراهن نصفهم على الاشتراكية باعتبارها الحل البدهي عندما لا يملك الناس القدرة على كسب قوت يومهم، وراهن نصفهم الآخر على تحرير السوق وتحريض الفرد على السعي وراء رزقه رغم صعوبة ذلك وبطء نتائجه. والجميع يعرف من خسر الرهان ومن ربح بعد نصف قرن من ذلك الانقسام.
العدالة الاقتصادية هي السؤال الفلسفي هنا: هل من الأعدل أن تقسم الحكومات أرزاق بلدانها بالتساوي على الجميع، أم أن تحرر السوق فينال كل مجتهد نصيبه حسب عمله وكدحه؟ ورغم أنه سؤال قديم جداً، انقسم حوله العالم منذ بدايات القرن الماضي، إلا أن دولاً كثيرة ما زالت تطرح نفس السؤال على اقتصادييها، ليس بغرض تبني أحد الخيارين المتطرفين، بل بغرض التموضع في مكان ما بينهما، وخلق معادلة متزنة ما بين الرعاية الاجتماعية وتحرير السوق. ودول الخليج تواجه هذا السؤال بكل تأكيد، وبشكل أكثر إلحاحاً مما سبق، والسبب هو أن الوضع الاقتصادي الحالي لهذه الدول أدى إلى تصاعد المطالبات الشعبية بدور أكبر للحكومة لتوفير الرفاهية للشعب بالمستوى الذي يتناسب مع سعر النفط المرتفع، وفي نفس الوقت فإن تساقط دول الرعاية الاجتماعية في العالم (رغم ثرائها أيضاً)، وفشلها في تخفيف وطأة التذمر الشعبي رغم أنها دول (رعاية اجتماعية) أصلاً، لا يجعل هذا الخيار مطروحاً أصلاً.
لقد تعاملت دول الخليج في العقود السابقة مع ظروفها الاستثنائية المتمثلة في حيازة ثروة نفطية تفوق بكثير احتياجات سكانها المرحلية بشكل تلقائي ومتوقع يشبه تماماً سلوك الأب الذي يتضاعف دخله فجأة فيغدق على أبنائه ويسعى لتأمين مستقبلهم. ولعلنا نتفق أنه ليس كل الآباء ينهجون منهجاً واحداً للوصول إلى هذا الهدف، ولهذا تباينت الخطط التنموية في دول الخليج شكلاً، ولكنها اتفقت مضموناً على تحقيق هدف واضح ومشترك في نيّات الدول الست بلا استثناء. ولقد كان ثوب الثروة ذلك فضفاضاً جداً بحيث يتيح أن يتحرك في داخله نظامان اقتصاديان متعارضان في أساسيهما، وهما الرعاية الاجتماعية وحرية السوق، ولم يسمح بهذا إلا كون الدولة قادرة على ذلك ولكن لأمد محدود. ذلك أن الأب يستطيع أن يغدق على أبنائه بالرغد، ولكن لا يملك أن يفعل ذلك مع أحفاده وأحفاد أحفاده، وإن استطاعت الدولة أن تفعل ذلك افتراضاً، فسيكون ذلك التزاماً دستورياً لا يمنح الدولة المرونة الكافية للتعامل مع تغيرات الاقتصاد العالمي، وسيتأرجح المجتمع حينها بين عهود من الغنى والفقر، وتهبط قيم العمل في ثقافة الناس، ولن يكون هذا كله في صالح النسيج الوطني على الإطلاق، وستؤدي إلى انشقاقات تتطلب استحداث منهجية أيديولوجية تبرر به الدولة ما يراه المواطن تقلباً في أوضاعها، ومن هنا تولد بذرة الأيديولوجيا القامعة كنتاج متوقع لقرار اقتصادي خاطئ تبنته الدولة في عقود خلت.
مفترق الطرق هذا يواجه دول الخليج، ولا بد أن تختار الدول الست لنفسها منهجاً اقتصادياً يناسب ظروفها السكانية والاقتصادية، إن لم يكن بسبب انخفاض المورد الرئيس للدولة من النفط لأسباب عالمية متنوعة، فسيكون بسبب النمو السكاني المطرد الذي سيجعل من الصعب تقديم نفس مستوى الرعاية الاجتماعية للجميع وبلا توقف. السعودية ستصل إلى مفترق الطرق هذا قبل أخواتها بطبيعة الحال إن لم تكن قد وصلت فعلاً، وبدأت في مرحلة تأهيل السوق لحرية أكبر، ونقل الرعاية الاجتماعية من الكاهل الحكومي إلى الكاهل المدني. وبذلك تتفرغ الحكومة تدريجياً إلى دورها التنظيمي والرقابي بعد أن كانت تلعب كل الأدوار.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي