|
من الصعب أن نجد
كارهاً للرأسمالية يكرهها لأصلها النظري، وليس لأنها قُدِّمت إلى
العالم على طبق أنجلوسكسوني ذي سمعة استعمارية، ومن الصعب أن نجد
كارهاً للاشتراكية يكرهها لأنها نظام عقيم عملياً وليس لأنها جاءت
في أردان الجيش الأحمر وبشكل إجباري. نحن ملتاثون بالبعد
الآيديولوجي عندما نحاكم أنظمة اقتصادية مما يفقدنا الحياد المطلوب
في نقدها بإنصاف. كل الأنظمة الاقتصادية مجرد محاولات إنسانية لطرح
الحلول الاقتصادية على المجتمعات، تنجح بدرجات متفاوتة، وتفشل
أيضاً وفق منظومة احتمالات معقدة. هذا يعني أن نجاح النظام
الاقتصادي أو فشله ليس مرهوناً فقط بقدرته على الاستمرار وتحقيق
الأهداف بل أيضاً بمدى اتساق الظروف الأخرى (خارج الاقتصاد) أو
تصادمها معه، مما يزيد الأمر تضليلاً وصعوبة في الحكم. ولربما لم
تكن الاشتراكية لتنهار لولا أن الرأسمالية أمعنت في (إغواء) أهليها
فنقضوا غزلهم بأيديهم، ولربما ظلت الرأسمالية نموذجاً مثالياً لولا
أنها خلعت عنها رسالتها الاقتصادية، وتحولت إلى أداة سياسية
وحربية. والحقيقة أن الاشتراكية في بداية نشوئها كانت غياث الفقراء
والمحرومين، وكانت نظاماً إنسانياً مليئاً بالعاطفة ومهووساً
بالعدالة والمساواة، فإلى أين آل هذا النظام بعد سنوات قليلة من
تطبيقه؟ والحقيقة أيضاً أن الرأسمالية كانت تهدف إلى العدالة
والمساواة من خلال إتاحة الفرصة السوقية للجميع، وتحويل الدولة إلى
مراقب للسوق وليست جزءا منه، فإلى أين آلت بعد ذلك؟
يقول ويل ديورانت إنه في كل الأنظمة الاقتصادية عبر التاريخ، على
اختلافها وتنوعها وتناقضها أحياناً، دائماً ما تؤول الثروة فيها في
النهاية إلى أيدي نفر قليل من الناس. هل ثمة حالة شاذة يمكن أن
تجعلنا نحاجّ ديورانت في تعميمه المطلق هذا؟ الاشتراكية نفسها جمعت
الثروة في أيدي كبار رجال الحزب وضباط الجيش، والرأسمالية جمعتها
في أيدي مدراء الشركات والبنوك. وفي العصور القديمة اجتمعت الثروة
في أيدي خاصة الناس، سواءً كانوا قياصرة أو رهباناً أو خلفاء أو
فراعنة أو برامكة. المال عنصر مستعصٍ على القسمة العادلة، ولا يمكن
له إلا أن يتجمع في الأعلى مثل بالونات الهيليوم! هل يعني هذا أنه
لم يسبق للبشر أن حققوا أهداف الاقتصاد (الرخاء العادل) بشكل
مستدام من قبل؟ ربما كانت هناك بضع حالات قليلة نخفف بها مرارة هذا
الفشل الإنساني الكبير، ولكن حتى لو وجدنا مثالاً ما خلال التاريخ
على اقتصاد عادل ورغيد علينا أن نتحقق أنه لا يلحق الضرر إما
بجماعات داخلية مستضعفة ومسخّرة، أو بمجتمعات أخرى محتلة ومستعمرة.
الإمبراطوريات القديمة في التاريخ عاش بعضها عصور ازدهار ورغد
رائعين ولكن على حساب دول أخرى ترزح تحت هذا الاستعمار وتُنْهَبُ
خيراتها دون ذنب سوى أن قوتهم العسكرية كانت أضعف من أن تحميهم.
فالرغد الفرنسي في القرن الماضي كان على حساب الجزائر وأفريقيا،
والرغد البريطاني كان على حساب الهند ومصر، والرغد العباسي كان على
حساب خراسان وفارس، والرغد الروماني كان على حساب قرطاجنة وأثينا،
والرغد العثماني كان على حساب أرمينيا والقسطنطينية، والرغد
الياباني كان على حساب الصين وكوريا، والرغد الأندلسي كان على حساب
قشتالة والقوط. ناهيك عن أن معظم هذه الإمبراطوريات كان يقوم على
العبودية والرقّ كشريان رئيس للصناعة والزراعة والخدمة، وهو عيب
إنساني داخلي للاقتصاد يضاف إلى عيبه الخارجي الكامن في قهر الشعوب
الأخرى. كل هذه الإمبراطوريات القديمة كانت تملك أنظمة اقتصادية
ناجحة عملياً ولكنها غير مقبولة إنسانياً.
الإقطاع، والرأسمالية، والاشتراكية، وغيرها من الأنظمة الاقتصادية
الأخرى التي تأخذ من هذا وذاك، لا يمكن أن نجد فيها نظاماً
اقتصادياً واحداً استطاع أن يستقيم لمدة زمنية معتبرة عبر التاريخ.
وإذا نظرنا إلى الاقتصاد الإسلامي، باعتباره نظرية لم يتم حتى الآن
تطبيقها بشكل واسع وطويل المدى، فلا يمكننا فصله باعتباره نظاماً
مستقلاً، وأقرب وصف له هو أنه نظام رأسمالي بمواصفات خاصة، وهو مثل
بقية الأنظمة الأخرى نشأ وهو يحمل رسالة العدالة والمساواة، ولكن
لم يتحقق له حتى الآن أن يوضع في محل تجربة معاصرة ضخمة مثلما حدث
للاشتراكية والرأسمالية حتى يتم تقييمه بشكل شامل. والمشكلة في
تطبيق الاقتصاد الإسلامي هو أن لا يجيء وحده، فالاقتصاد الإسلامي
يأتي ضمن حزمة من القوانين والتشريعات والأحكام السياسية
والاجتماعية المستمدة بشكل مباشر من التعاليم السماوية وليس من
التجربة الإنسانية، وهذا يجعل تطبيقها في مجتمعات أخرى، غير مسلمة،
أمراً صعباً، مما يؤخر من هذه التجربة، وبالتالي يمنعنا من
مقارنتها بالأنظمة الأخرى. كما أن الدول الإسلامية نفسها تأخرت في
تطبيق الاقتصاد الإسلامي طويلاً، ولا تكاد تطبقه بشكل كامل إلا
دولتان في العالم، السودان وإيران، مع ما يشوب النظامين من تأزم
آيديولوجي مع العالم يجعل من المعقول التصديق أنهما لم يسعيا إلى
تطبيق الاقتصاد الإسلامي إلا كجزء من الاحتدام الآيديولوجي وتصعيد
الصراع. والحقيقة أن الحال الاقتصادية في البلدين الآن لا تجعل
أحداً من أنصار الاقتصاد الإسلامي يتحمس لطرحهما كمثال!
الاقتصاد الإسلامي إذن هو نظرية جميلة، ولكنها تحتاج إلى تطبيق
إنساني واسع حتى يقتنع بها العالم. هذا التطبيق لن يتم عن طريق
الشماتة في أزمة الرهن الأمريكية، ولا في الشماتة في سقوط الاتحاد
السوفيتي. كما أنه لا يتم عن طريق تمرير المصرفية الإسلامية إلى
ردهات البنوك العالمية وانتظار أن يطلق المصرفيون صرخات الانبهار،
فنسجّل بذلك انتصاراً آيديولوجياً. الحقيقة أن المصرفية الإسلامية
يتم تسويقها في العالم على أنها منتج له زبائن يفضّلونه لأسباب
دينية، وبالتالي تقدمه البنوك الأجنبية طمعاً منها في اجتذاب هذه
الشريحة من الزبائن وليس لأنها مقتنعة بأنها الحل الإنساني الذي
طال انتظاره لكل مشاكل العالم الاقتصادية وإلا لكانت كل بنوك الأرض
الآن إسلامية.
على أنصار المصرفية الإسلامية إذن ألا يأخذهم الحماس في غمرة
الأزمة العالمية لطرحها كبديل عالميّ ضخم لأن الأمر آنذاك سيبدو
كاريكاتورياً ويشبه تنصيب طفل على عرش. هذا لا يعني أنها فرصة
مواتية لتقديم المنتج المالي الإسلامي في الوقت الذي يكثر فيه
البحث عن بدائل بين المتعاملين. هذه الأزمة العالمية تصلح أن تكون
حدثاً تسويقياً جيداً للمصرفية الإسلامية، وليست انقلاباً
اقتصادياً لصالح المصرفية الإسلامية كما يظنّ بعض المتحمسين لها.
|