|
إذا كان المواطن الغربي يعيش في مأمن من
الديكتاتورية السياسية فهل هو في مأمن من الديكتاتورية الاقتصادية؟
لا يمكن أن يُطرح تساؤلٌ كهذا إلا على ضوء الأزمة المالية الأخيرة
ليبدو واضحاً. عشرات الآلاف من الأمريكيين يفقدون بيوتهم مع
تداعيات أزمة الرهن العقاري، تماماً مثلما يفقد الفلسطينيون مثلاً
بيوتهم مع تداعيات الاستيطان الإسرائيلي. ذلك طغيان سياسي جاء
(فجأة) على شكل جرافات، وذاك طغيان اقتصادي جاء (تدريجياً) على شكل
قروض طويلة الأجل. وكانت النتيجة واحدة، مع فارق الحقوق الوطنية
الشاسع بين الأمريكي والفلسطيني، ولكن كليهما فقد بيته في النهاية.
مئات الآلاف من الأمريكيين أيضاً يفقدون وظائفهم بسبب قرارات
الشركات، تماماً مثلما يحدث لشعب دولة من العالم الثالث يتجرع
مرارة البطالة بسبب قرارات الحكومة، ولافرق بين القرارات السيئة
التي تصدر من (مجلس إدارة) فاسد أو (مجلس وزراء) فاسد. كلا
المجلسين مارس القهر عمداً على مجموعة من العاجزين عن دفع الضرر عن
أنفسهم، وهذا هو الطغيان الذي يورث شقاء الشعوب، الفرق أن الطغيان
السياسي مباشر وظاهر للعيان، ومدجج بالبوليس والسجون، بينما
الطغيان الاقتصادي خفيّ ومتوار خلف أعمدة البنوك والمعادلات
المالية المعقدة.
ترى كيف استطاعت أنظمة العالم الأول أن تخلص شعوبها حضارياً من
طاغية واحد يحكم بالحديد والنار ثم أسلمتهم جميعاً إلى مجموعة طغاة
يتحكمون في أرزاقهم ومدخراتهم؟ أن يحكم الدولة رئيس منتخب ذو
صلاحيات محدودة وفق نظام سياسي متزن شيء يبعث الشعور بالأمان
والعدالة الحقوقية، ولكن أن يتحكم في اقتصاد الدولة بضعة رؤوس
متضخمة وفق نظام اقتصادي (غير متزن) لا يحمي المواطن البسيط ولا
حتى المواطن الرفيع من أطماعهم اللانهائية هو شيء مرعب فعلاً. صحيح
أن المواطن الأمريكي يعلم علم اليقين أنه، وإن كان مزارعاً بسيطاً
في نبراسكا، يتمتع بنفس الحقوق التي يتمتع بها الرئيس الأمريكي
أمام عتبة القانون، ولكنه يعلم أيضاً أن باروناً من بارونات (وول
ستريت) قد يتخذ إجراءً مالياً يودي بطموحه وحياته ومزرعته ومدخراته
كلها. إذا أمن المواطن شر (واشنطن) فإنه لا يأمن شر (نيويورك). لم
يكن بوسع الرئيس بوش أن يمسّ دولاراً واحداً من مدخرات مواطنيه،
ولكن كان بوسع جيفري سكلنق، رئيس شركة إنرون، أن يبخّر مدخرات
عشرين ألف مواطن أمريكي في بضعة أشهر. لم يكن بوسع الرئيس أن يرغم
شاباً أمريكياً واحداً على القتال في العراق بدون إرادته، ولكن
بوسع رؤساء الشركات أن يضيقوا خناق الاقتصاد لترتفع البطالة فيتجه
الشبيبة طوعاً إلى مراكز التجنيد. لم يكن بوسع الرئيس أن يتوسط في
رهن منزل واحد، ولكن بوسع مجموعة صغيرة من رؤساء البنوك الكبرى أن
يورطوا الدولة في أكبر أزمة رهن عقاري في التاريخ. لم يكن بوسع
الرئيس أن يفصل موظفاً واحداً من الخدمة دون سلسلة طويلة من
التبريرات، بينما يستطيع رئيس شركة واحدة أن يسرّح آلاف العمال من
شركته بتوقيع واحد ويعود إلى لعب الجولف. لا يستطيع الرئيس أن يمرر
خطة (إنقاذ) الاقتصاد دون موافقة الكونجرس ومجلس النواب، بينما
تستطيع مجموعة بنوك أن تتسبب في تمرير خطة (تحطيم) الاقتصاد دون
الحاجة لأي موافقات!
رغم أن مفكرين واقتصاديين وقادة كثراً قد أشاروا إلى هذه الحال
المتناقضة من قبل، إلا أن أصواتهم ضاعت وسط هدير الماكينة
الرأسمالية التي كانت تنتج وتوزع الرغد والرخاء، فلما هدأ هديرها،
و(كثرت سكاكينها) ظهرت أصواتهم بعد أن لات حين مناص. ولكن المفكرين
يظلون مفكرين، يتكلمون في دائرة نخبوية ضيقة التأثير، بينما يتحرك
الاقتصاد في دائرة عمومية واسعة التأثير على العام والخاص. فلا
جدوى إذن من النظرية التي لا يمكن فرضها، والقانون الذي لا يمكن
تطبيقه، مهما كانا صحيحين ونافعين.
المقارنة بين الأمن السياسي والاقتصادي في العالم الأول والثالث
تبدو مثيرة للاهتمام فعلاً. الشرارة التي تحدث في (نيويورك) قد
تحرق الأخضر واليابس في (سياتل). والجهد الذي يبذله موظف مجتهد
طيلة عمره لا يجعله في مأمن من خسارة وظيفته ومدخراته معاً. وأحلام
التقاعد المريح التي تشكلت طيلة أربعين سنة من الكدح والعمل قد
تتبخر تماماً وأنت على أعتاب الستين لأن شخصاً لا تعرفه قرر ذلك.
الأمريكيون ينتخبون الرئيس والحاكم والعمدة، ولكنهم لا ينتخبون
مديري الشركات ورؤساء البنوك. وإذا كان السياسيون مضطرين للعمل من
أجل الشعب طمعاً في أصوات الناخبين، فإن الماليين بالتأكيد لا
يرقبون فيهم إلاًّ ولا ذمة.
أيهما أشد وطأة على المواطن، أن يسجن دون محاكمة مثلما يحدث في
العالم الثالث، أو يُفصل من عمله دون مقدمات مثلما يحدث في العالم
الأول؟ بالتأكيد أن فقدان الحرية أشد، ولكن حدوثه صعب أيضاً. إنسان
العالم الثالث يعلم يقيناً التصرفات التي قد تقوده إلى السجن،
ويمتلك القرار باتخاذها أو اجتنابها، بينما لا يعلم إنسان العالم
الأول إذا كان سيكمل عمله إلى نهاية اليوم أو لا، ولا يستطيع أن
يتجنب هذا المصير إذا تقرر مهما حاول.
القضية هنا ليست قضية الرأسمالية، وما إذا كانت نظاماً اقتصادياً
صالحاً أو فاسداً، فالحكم على أنظمة الاقتصاد عموماً دائماً ما
يختلط بالأيديولوجيا ويفقد الحياد العلمي المطلوب. ولكن القضية هي
أن الاقتصاد ما زال لغزاً أرضياً، ولم يتمكن الإنسان الذي شطر
الذرة وبلغ القمر أن يتوصل عبر التاريخ إلى معادلة اقتصادية تحقق
الشرطين: أن تعود بالرغد الاجتماعي على الجميع، وأن تكون قابلة
للاستمرار إلى الأبد. أغلب المعادلات المطبقة على أرض الواقع أو
طبقت من قبل تخلّ بأحد الشرطين بشكل أو بآخر، فالرغد الاجتماعي
يتقلب ويتغير ولا يعود مقنعاً، والحقب الرغيدة التي مرّت على
مجتمعات التاريخ تتعثر بعد أمد ما. هذا يبرهن مرة أخرى أن الاقتصاد
هو عامل إنساني، أي إنه جزء من قلب الإنسان المتقلب المتغير
دائماً، وبالتالي يصعب حصره في معادلة أو تثبيته في رقم. الفكرة
الأساسية للاقتصاد، وهي توزيع موارد المجتمع على أفراده بعدالة، لا
تبدو بسيطة كما يبدو، والذين حاولوا تبسيطها أتوا بأنظمة كارثية لا
تقل عما أتى بها الذين حاولوا تعقيدها. ذلك أن التعريف مليء
بالأسئلة الكبرى التي يستحيل أن يتفق على إجاباتها أي مجتمع، ما هي
الموارد؟ وما هو المجتمع؟ ومن هم الأفراد؟ وماذا يريدون؟ والسؤال
الأهم هو: ما هي العدالة؟ كل هذه الأسئلة تحمل أبعاداً فلسفية تجعل
الأمر أكثر تعقيداً. فالتوصل إلى إجابات جيدة ممكن، ولكن الإجماع
عليها مستحيل. |