هندسة المفاعل  (الوطني)

 جريدة الوطن السعودية


أسهل ما يمكن صناعته هو "الوطنية" عندما تكون شعاراً فقط. لدى الإنسانية إرثٌ هائل من الآداب والفلسفات والكلاسيكيات الجاهزة للاستهلاك منذ حضارة سومر القديمة وحتى جمهورية أوسيتيا الجنوبية التي استقلت قبل شهر. ولكن الوطنية الحقيقية تظلّ معضلة تاريخية فشل الإنسان طويلاً في سكبها داخله دون شوائب أيديولوجية، رغم أن فكرتها بسيطة جداً، وهي أن كل ما هو داخل حدود الوطن أثيرٌ ومستوجبٌ لأولوية الحب والدفاع والسعي لجعله مكاناً أفضل للعيش لكل من هم فيه. ولكن هذه اللوحة الوطنية المثالية لم تكتمل يوماً في أي متحف من متاحف التاريخ الإنساني إلا لآماد قصيرة، والأسباب لا تختلف كثيراً: دائماً هناك من يريد أن يعيش بشكل أفضل من شركائه في الوطن، ودائماً هناك من يعتقد أن قانونه أعدل، وحقوقه أهم، وطريقته المثلى، ووعده الحق، وأن تعميم ذلك على الجميع هو (رسالة) مقدسة!
قليلة هي الأوطان التي كان مستوى الوطنية فيها من الحرارة أن صهرت الفروقات الأيديولوجية، والتشعبات السياسية، والفوارق الاقتصادية، والطبقات الاجتماعية في سبيكة ذهبية واحدة باسم الوطن. ولكن الأمر ليس سهلاً. ذلك الحماس العاطفي المؤقت الذي نعتقد أنه وطنية هو وصفة سهلة، يمكن إلهابها بعرض النشيد الوطني وبعض الجهد الإعلامي. وغالباً ما يؤدي ذلك إلى نتائج جميلة وسريعة ولكنها مؤقتة، ولا تعدو كونها التهاباً عارضاً لا يعوّل عليه. الوطنية في المقابل نتاج معقدٌ نادراً ما يأتي الإنسان بمثله دون استكناه واف لجملة من القوانين والفلسفات والاستقراءات التاريخية التي تؤدي إلى صناعة نموذج وطني لا يمكن مقاومة الرغبة في الانتماء إليه، ولا يمكن أيضاً تبرير الخروج عنه.
هل الوطنية حلمٌ إنساني سياسي لا يمكن بلوغه؟ أم أنها شعارٌ براق يتم من خلاله تحقيق مآرب السياسة، وتمرير الأيديولوجيات القبيحة؟ أم أنها مجرد هيكل نظامي يجمع مجموعة من الأفراد ويسهل لهم حياتهم في ظل إجراءات البيروقراطية الدولية؟ هل يمكن أن يكون للوطنية وجه قبيح وآخر حسن؟ وهل هي خير محض لمن يعتقد أنها الطريق الوحيد نحو رفاهية الشعوب، أم حالة وجدانية مشبوهة لمن يعتقد أنها المنافس الوضعي لانتماءات مقدسة هي أولى منها؟
لا يمكن أن تكون الوطنية إلا بهذا التعقيد، لأنه لم يسبق أن نشأت حضارة، أو تأسست أمة، أو استقلت دولة إلا والوطنية ورقة مطروحة. وفي الحقيقة أن الوطنية كانت كل ما سبق في أمثلة كثيرة، ولكنها كانت أكثر من ذلك في أمثلة أخرى. لقد استخدمت الوطنية تاريخياً كأداة وكغاية في تبادلية متعاقبة. وكما تحققت بها المآرب المشبوهة، فقد تحققت بها الأحلام العظيمة أيضاً. وكانت ورقة في جيب السياسيين، وعضلة في قلب الشعب. إنها في آخر المطاف، كائنٌ فلسفي وجدانيٌ يملك طاقة هائلة يمكنها أن تغيّر مجرى التاريخ، ومستقبل الشعوب. وككل طاقة أخرى، لا تأتي إلا مصحوبة بسؤالين: كيف يمكن توليدها؟ وأين يمكن توجيهها؟
الوطنية لا تستحدث من العدم، وليست ضمن قائمة المشاعر الفطرية التي تولد مع الإنسان، بل إنها شعورٌ مكتسب يتطوّر بتطور الأمم، وحاجاتها المستمرة إلى رابط لا تعتريه عيوب الروابط الأخرى. وفي الغالب أن الأمة تبدأ بتلمس حاجتها إلى شعور وطني عندما تصل إلى مرحلة معينة من النضج الحضاري لا تعود معه الروابط العرقية والأيديولوجية قادرة على إبقاء الناس متعايشين في كيان واحد. الحاجة الوطنية حاجة ناضجة إذن مثلما أن الوطنية رابط ناضج، والعرق والأيديولوجيا رابطان جديران ببدايات الأمم، والعثار الأوليّ للمجتمعات الناشئة. من السهولة أن تنشأ دولة على أساس عرقيّ، وهذا ما جعل أغلب حضارات التاريخ تنشأ في الأصل على هذا الأساس، لأن العِرق هو أكثر الروابط الإنسانية بداهة، ولكنه رابط محدود في قدراته التي تضعف تدريجياً كلما كبرت الجماعة، وتشعّب أفرادها. كما أن الأيديولوجيا، رغم تقدمها النسبي على الرابط العرقي باعتبارها قائمة على فكر ما، لا تملك الخلود الذي تحتاجه المجتمعات للاستقرار، لأنها مرتكزة على قناعات إنسانية متغيّرة. إذن، كلما تشعّب المجتمع، وتغيّرت قناعاته، كان مرحلة من النضج تجعله في حاجة ماسّة إلى رابط بديل يبقي الجماعة قوية، ويحمي المكتسب الاجتماعي المتحقق في الزمن الماضي، ولم يطرح حتى الآن حلٌ يناسب هذه الحاجة سوى القومية والوطنية. ولكن الوطنية كانت أكثر ديناميكية من القومية بمراحل، ولذلك تم تبنيها في العالم الحديث، حتى الآن، بينما اندثرت القومية تقريباً في ظرف قرن من الزمان، بعد أن أثبتت عدم قدرتها على التنفس خارج الحدود.
إن توليد الوطنية إذن، كطاقة محرّكة للجماعة، يبدأ من بلوغ حالة اليقين القطعي بضرورة حلولها محل أي رابط آخر. تماماً مثلما نستيقن بشكل قاطع ضرورة البحث عن الطاقة النووية مثلاً عندما ينفد النفط. بعد ذلك يبدأ مشروع (توليد الوطنية) تماماً مثلما تبدأ مشاريع بناء المفاعلات. ولا تقل الأولى صعوبة وتعقيداً عن الثانية بأي حال من الأحوال. فالأولى تتطلب معادلات حضارية متناهية الدقة مثلما تتطلب الثانية معادلات هندسية متناهية الدقة. ولا شك أن سوء استخدام الطاقة الوطنية لا يقل كارثيّة عن سوء استخدام الطاقة النووية، وأمثلة التاريخ واضحة ومعبّرة!
إن توليد طاقة وطنية نقيّة لا تقتصر على إنعاش الشعور العاطفي تجاه المكان وتاريخه بقدر ما تستوجب إحداث الوعي الإنساني الكافي لاستشعار مسؤولية الفرد تجاه هذا المكان، وتجاه إبقائه أو تحويله إلى وطن مثالي للجميع. وقد تبدو الجملة الأخيرة سهلة حتى نصل إلى كلمة (الجميع)، وعندها نكون قد بلغنا الكلمة المسؤولة بشكل كبير عن فشل العديد من مشاريع الوطنية، لأنها الكلمة الأهم، والأصعب، وهي مربط الفرس الوطنيّ، واللغز الذي وقفت دول عديدة في حيرة بالغة أمامه، عاجزة عن تطبيقه!
ومثلما أننا في حالة توليدنا للطاقة النووية نصدم بشروط هندسية صارمة، كأن تكون المادة المشعة نقيّة جداً، فكذلك الوطنية، لا يمكن توليدها دون أن يكون الوجدان الشعبي خالياً من شوائب الظلم والطبقية. العدالة الاجتماعية شرطٌ هائل لا يمكن تجاوزه عند أي محاولة لتوليد شعور وطني. ولا يمكن أن نصنع مواطناً مخلصاً بحقوق متفاوتة، ولا يمكن أن نقنعه بضوء الوطن في ظلمة حالكة من المحسوبيات والطبقيات، وتفضيل تيار على تيار، ومذهب على مذهب، ومنطقة على منطقة، وفرد على فرد. إن محاولة توليد الوطنية في جو غير مشبع بالعدالة الاجتماعية يشبه تماماً محاولة إشعال شمعة في أعماق نهر!
وفي حالة نجحت محاولاتنا لتوليد الوطنية، خالصة من التحيزات المذهبية والأيديولوجية، ومخلصة لحدود الوطن الزمانية والمكانية، يجب أن نواجه حقيقة أن الوطنية لا تنمو في قفص. ثمة فرق بين الوطنية التي تعني العمل على إبقاء ما في داخل الوطن آمناً وسعيداً ومشبعاً بالعدل، وبين الوطنية التي تعني الاعتقاد بفوقية الوطن على ما سواه من الأوطان الأخرى. الأولى تتحول آلياً إلى منهج عمل وطني أمين، والثانية تتحول تدريجياً إلى منهج تدمير ذاتي بطيء.
الوطنية إذن مشروعٌ إنساني معقد، وليس طفرة شعورية عابرة. والعمل على توليد الوطنية يتطلب العمل على مستويات إنسانية وحقوقية عديدة من أجل توفير مناخ نقي يمكن فيه تربية هذا الشعور بنجاح، وتعميقه في الوجدان الشعبي بعفوية. والذين يحبون أوطانهم حباً حقيقياً يلتقون في سماتٍ إنسانية تمجّد العدالة والمساواة، أما الذين يعتقدون أنهم يحبون أوطانهم، وهم في الحقيقة يحبون الميزات الاستثنائية التي تقدمها لهم أوطانهم، فإنما هم يمارسون ميلاً بشرياً غريزياً نحو الوطن/ المكان الذي يدللهم، ويعتقدون أن ذلك "وطنية"!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي