|
قبل زمن ليس
ببعيد، كان يصعب على شخصين أن يجدا موضوعاً محلياً للجدل! ولهذا
كنا نستورد قضايا الجوار لنملأ بها الفراغ. مرّت عقود صامتة على
مشهدينا الفكري والاجتماعي وُسمت جميعها بهذا القحط الجدلي، ولو أن
باحثاً استقصى القضايا الكبرى التي أثارت الرأي العام المحلي في
عقد السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات لخرج بقائمة قصيرة لا
تزيد عن عشرة بنود خجولة، يرقى منها اثنان أو ثلاثة إلى مستوى
القضايا الكبرى، بينما البقية ليست أكثر من جدليات صغيرة تمّ نفخها
لتتحول إلى قضايا حتى تُشبع فائض الأدرينالين لدى بعض التيارات. هل
كنّا مجتمعاً متشابهاً متطابقاً لا يختلف في أمر؟ أم كنّا نفتقد
إلى إعلامٍ حر ومثير يطرح الأسئلة ويناكف المسكوت عنه؟ أم كنّا لا
نكاد نمسك بطرف قضية لنلوكها بأفكارنا حتى يوافينا الحسم الحكومي
أو الشرعي لها فلا تعود مغرية للجدل؟
الذي يبدو هو أن كل الأسئلة السابقة يمكن تحويلها إلى إجابات
منطقية. فالمجتمع ينمو بشكل شجريّ، كلما كبر كلما تباعدت الفروع،
وانقسمت الأغصان، ولا يبقى إلا الأصل الإنساني المتمثل في جذعها
المنغرس في الأرض. وفي العقود السابقة كانت الفروع متقاربة ولم
ننقسم إلى تيارات فاعلة وطموحة بعد. من المؤكد أنه كان هناك تباين
فكري في تلك العقود، إلا أن هذا التباين لم يرق إلى مستوى العمل
التياري الصريح الذي يستهدف التأثير الاجتماعي عبر ممارسات حركيّة
كما هو الحال اليوم، ولذلك ظل ذلك التباين الفكري رهين بعض
الصراعات الفكرية على الكتب، والتحركات السياسية التي لا تكاد تذكر
من حيث حجم الشريحة المؤيدة، وليس حجم الأثر الذي أحدثته. كما أن
الإعلام كان كسيحاً لا يملك أن يمشي في قضية حتى تُقرَّرَ له سلفاً
مساراتها ومصيرها فلا يملك إزاءها خيار التبني أو التخلي. كانت
النوافذ الإعلامية معدودة على كل حال، ويسهل حجبها وتطويعها أو حتى
إلغاؤها تماماً إذا اقتضى الأمر. وبالتالي لم يكن من الممكن أن
تنمو قضية خارج المسار المحدد لها سلفاً، ولا أن تتشعب بعيداً عن
سيطرة القوى المهيمنة على الشأن الاجتماعي. عاملٌ آخر أدى إلى ضمور
عضلاتنا الفكرية والجدلية وهو هيمنة المرجعيات آنذاك، سواء كانت
مرجعيات دينية أو سياسية. فما أن تطل قضية برأسها فوق السطح حتى
يقطفها منجل القرار الحكومي، أو الفتوى الشرعية، فلا تعود ثمة
زيادة لمستزيد. ولا يدلين أحدٌ بدلوه حيث لا يوجد بئر ولا دلاء
أصلاً.
اليوم عندنا طفرة قضايا! وانسحبت كل العوامل السابقة إلى حد ما
لتتيح مجالاً خصباً للاختلاف حول الأفكار. أصبحنا مجتمعاً أكبر
سناً، وأكثر اختلافاً بالضرورة، وصار عندنا إعلام جريء، وتراجعت
المرجعيات المهيمنة وتشتتت حتى أصبحت تضطرُّ إلى التكتل من أجل
تمرير أجندة صغيرة، بعد أن كان تمرير الأجندات الضخمة لا يتطلب
أكثر من قرار مرجعي واحد. إن الأثر الإيجابي لتراجع كل هذه العوامل
يشبه ذلك الذي يحدثه تراجع الشركات الضخمة عن جزء من السوق متيحين
المجال لانتعاش الدكاكين الصغيرة. وبالتالي، نمت على سطح المجتمع
آلاف الأفكار المتنوعة الصغيرة التي تراهن كلها على فرصتها في
النمو لتصبح نبتة منتجة ومثمرة، والبقاء للأفضل، بعد أن كان هذا
الأفضل يتم تحديده سلفاً، وتفريغ التربة له وحده، بناءً على آلية
انفردت بها مرجعية واحدة.
اليوم، نفتح الصحف المحلية صباحاً فنجد فيها قضية على وشك
الانفجار، وقضية أخرى في أوج الانفعال الاجتماعي، وقضية ثالثة في
طريقها إلى الخروج من دائرة الجدل بعد أن قُتلت بحثاً وتمحيصاً
واشترك المجتمع بكافة أطيافه في صياغة الرؤية الاجتماعية المعقدة
إزاءها. أصبحت القضايا طعاماً يومياً للعامة بعد أن كانت ثمرة
موسمية لا تظهر إلا مرة في السنة، وتقطفها النخبة قبل أن تثمر.
ذوو القدرة المحدودة على قراءة إيجابيات هذا الوضع، أو ذوو
المرجعيات الأحادية السابقة الذين كرهوا خروج آلية حسم القضايا من
أيديهم، يعتقدون أن أمراً جللاً حلّ بالمجتمع، وأنه مرتبك لأنه
يتجادل أكثر من المعتاد، وضالّ لأنه يفكر خارج الصندوق، فيحذِّرون
وينذرون، ويعيدون تذكير المجتمع بأهمية المرجعيات، وخطورة الخروج
عن مظلتها القديمة، ولا يعلمون أن المجتمع المنخرط في حسم القضايا
عن طريق أفراده لا عن طريق مرجعياته الكلاسيكية إنما يتدرّب في
صالة فكرية ليربي جسداً اجتماعياً صحيّاً، يشجع الاختلاف والتساؤل،
ويقدم الفرد كقيمة فكرية مستقلة، ولا يتورط مرة أخرى في آليات
استسلامية لمرجعيات جمعيّة.
ولكن هل كانت ثلاثية النضج الاجتماعي، والتحرر الإعلامي، وتراجع
حجم المرجعيات، التي نعزو إليها طفرة القضايا المحلية فعلاً
مقصوداً أم تطوراً طبيعياً؟ إذا كانت فعلاً مقصوداً فكل من وراءها
يستحقون التقدير فعلاً، لأنهم أحسنوا قراءة المسارات الاجتماعية
الأنفع لمجتمع إنساني يتطور على أصعدة كثيرة، وبسرعة مناسبة. ولو
أنه من الصعب التحكم في نضج المجتمع، ولكن بقية العوامل يمكن
التحكم فيها عن طريق آليات قانونية وتوعوية مدروسة. من المهم جداً
إدراك الأثر التكاملي لمجتمع ينضج في ظل إعلام مفتوح، ومن المهم
جداً إدراك أن المرجعيات المهيمنة، سواء كانت حكومية أو دينية، قد
تبدو أنفع (تنظيمياً)، ولكنها بالتأكيد تضيِّق مساحات النمو وتحصره
في اتجاهات ضيقة لا تتناسب مع فطرة التنوع والتفرع التي جبلت عليها
المجتمعات، وهذا النمو الإجباري يشبه ما كانت تمارسه بعض القبائل
الصينية التي ترغم فتياتها على ارتداء حذاء حديدي حتى تظل الأقدام
صغيرة وجميلة (حسب تعريفهم للجمال!)، بغض النظر عما قد يفضي إليه
ذلك من تشوهات فكرية لا أعتقد أن أحداً يتمنى أن ينتهي عليها الحال
باستثناء أولئك الذين يرون في التشوه استقامة، وفي الإعاقة جمالاً. |