عبدالله السدحان وماثيو بيري

 جريدة الوطن السعودية


رمضان يأتي ويمضي، وكذلك نشاطنا الدرامي المؤقت. انحصار الأعمال الدرامية في شهر رمضان وحده دون بقية السنة يشبه تزاوج الطيور الذي لا يحدث إلا في موسم سنوي وحيد. ولا يوجد تفسير لمثل هذه الموسميّة الغريبة إلا أن تجار المسلسلات لا يختلفون إطلاقاً عن تجار الفيمتو والتمور والعجائن والمساويك وشقق الحرم، كلهم ينتظر الموسم الرمضاني ليمارس نشاطه، ويروج منتجاته، وهكذا يفعل منتجو الأعمال التلفزيونية عندما (يبسطون) بمسلسلاتهم الرديئة على قارعة (الفضائيات). وعندما نقرن الدراما ببقية الأنشطة التجارية، نهدف إلى توضيح نقطة قد تساعدنا على تفسير فعل الرداءة المسيطر على الدراما المحلية فنخفف بذلك من غيظ المشاهد المحلي، وهو أن المسلسل الدرامي الرمضاني المحلي عملٌ تجاريٌ بحت، لا علاقة له بالفن من قريب أو من بعيد، وبالتالي يجب محاكمة نجاحه وفشله وفق معايير اقتصادية ومحاسبية ومالية، وأي محاولة لمحاكمته فنياً ونقدياً وثقافياً لن تصلح الحال، ولن تغيّر المآل. هذا يعني أن كل النقد السابق واللاحق المنصب على الدراما المحلية منذ سنوات طويلة كان في أغلبه (آوت!) ولم نسجل هدفاً نقدياً واحداً وإلا كنا لمسنا تحسناً ما.

لنبحث عن إجابة اقتصادية بدلاً من الإجابات النقدية المعلبة التي تحوّلت بمرور السنين إلى بكائيات موسمية يطلقها المثقفون والنقاد على حال مسلسلاتنا التي (ولوجه الغرابة!) يتابعونها كل رمضان. وحتى تلك الحلول الجاهزة لإصلاح الدراما المحلية أصبحت مكررة ومحفوظة: إنشاء أكاديمية فنون، تنشيط المسرح، دعم الأنشطة الفنية المدرسية، إنشاء جمعية الفنانين، تغيير النظرة الاجتماعية السيئة للفن... إلخ. كل هذه الحلول يابسة قبل أن تثمر، ولن تجدي نفعاً لأنها أدوية موصوفة لجسد آخر، جسد يفترض أنه فنيّ، بينما هو تجاري صرف!
الدراما المحلية ليست إلا سوقاً موسمياً، وبالتالي لا تحكمه إلا قوانين السوق المعروفة، وليس قوانين الفن. والريال الذي يُستثمر في عمل درامي يتوقع أن يعود بريالات مثله، وليس بإطراء وإعجاب وتصفيق وجوائز. ومن قوانين السوق التي لا يمكن تفاديها أن جودة المنتج تتناسب مع العوائد المتوقعة من طرحه، والمشاهد المحلي لا يدفع مقابل مشاهدة عمل تلفزيوني إلا الدقائق الطويلة التي يشاهد فيها الإعلان، هذا يعني أن الزبون المباشر للعمل التلفزيوني هم المعلِنون وليس المشاهدين، والمعلِن لن يدفع في قيمة الإعلان إلا بقدر ما يحققه من نسبة مشاهدة تنعكس على مبيعات منتجه. إذن، المشاهد الذي يتم توجيه العمل الدرامي له ليس الأعلى وعياً، والأرقى ذائقة، بل المشاهد الأكثر استعداداً للاقتناع بالإعلان، وشراء المنتج المعلن عنه.
توجد دراسات تسويقية كثيرة في أمريكا تثبت أن أكثر الفئات الاجتماعية استعداداً للشراء بعد مشاهدة الإعلان حسب العمر هي فئة المراهقين. وقد اتضح في أمريكا التي لا تختلف كثيراً في سلوكيات الاستهلاك عن السعودية أن المراهق يملك أعلى نسبة دخل قابل للصرف income Disposable من كل الأعمار التي قبله وبعده. فالمراهق الذي يملك 200 ريال في جيبه لديه استعداد تام لأن ينفقها كلها (100%) لشراء ألعاب فيديو، بينما من المستحيل أن تجد شخصاً راشداً ينفق (100%) من دخله في الضروريات، فضلاً عن الكماليات. بل إن المراهق يمكنه أن ينفق ضعف دخله (200%) أو أكثر بما أنه لا يزال مُعالاً من قبل والديه. هذا يعني أن المراهقين، لاسيما في مجتمع مثل السعودية، هم الفئة التي تشغل بال المسوٍّقين، وتحتل تفكيرهم!

وعندما يكون أكثر من نصف سكان السعودية منتمين لهذه الفئة، هل يمكننا الآن أن نستوعب لماذا انقسمت أعمال التلفزيون الرمضانية بين التهريج الفجّ، والغرائزية السطحية؟ هل سيتجه المعلنون إلى الإعلان في مسلسلات نخبوية موجهة لفئة نادرة في المجتمع لا تشتري ولا تستهلك، أم إلى قطيع من المراهقين الذين هم على استعداد لاتخاذ قرار شراء المنتج الإعلاني حتى قبل أن تنتهي الحلقة؟ وإذا كانت نيّات المعلنين وتوجهاتهم واضحة وشفافة، ترى أي نوع من المسلسلات سيختار المنتجون إنتاجها من بين عشرات السيناريوهات المطروحة على طاولاتهم؟ وبناء على ذلك، ترى أي نوع من المسلسلات سيسعى المخرجون والممثلون أن يضعوه على هذه الطاولات أصلاً بعد أن عرفوا معايير الاختيار؟

هل هي الإعلانات التي أفسدت علينا الدراما والفن إذن؟ ليس بالضرورة. الصحيح هو أننا تعاملنا مع الإعلان كهدف وليس كوسيلة، والحل الوحيد للتخفيف من سلطة الإعلان على المنتج التلفزيوني هو فتح طرق أخرى أمام المنتجين للحصول على المال المطلوب للإنتاج. فكما ذكرنا سابقاً أن المشاهد السعودي لا يدفع مقابل المسلسلات إلا الدقائق التي يقضيها في مشاهدة الإعلان، وما زالت نسبة الاشتراك في القنوات المدفوعة محدودة جداً مقارنة بالقنوات المجانية، وحتى يحدث انقلاب في سلوك الاستهلاك التلفزيوني لصالح القنوات المدفوعة، سيظلّ الإعلان هو المتحكم الرئيس في الصناعة بأسرها، وستظلّ جودة الأعمال التلفزيونية مرهونة برضا وكلاء العصائر، وشركات الاتصالات، وتجار القشطة!

كيف يمكن أن نطالب القائمين على المسلسلات بالارتقاء بأعمالهم إلى مستوى ذائقتنا دون أن ننتظر المراهقين حتى يكبروا، والتجار حتى يشبعوا، والقنوات حتى تصبح مشفرة ومدفوعة؟ الأمر يبدو مستحيلاً لأن قوانين الاقتصاد تقول إن شيئاً لن يتغيّر في السوق ما دام مستمراً في تحقيق الربح، وما دام رأس المال راضياً ونشطاً. الغالب، وحسب مطالعات اقتصادية تاريخية، أن السوق سينتظر حتى تتحول الأقلية المستاءة إلى أكثرية يمكن تسويق أعمال راقية لهم بهامش مربح، وبالتالي يعدّد السوق خياراته بشكل تلقائي، ولكن التعجيل في تحويل هذه الأقلية إلى أكثرية يحتاج إلى وصفة حضارية بطيئة جداً، وهذا يعني أن اليوم الذي سيكون هناك عدد كاف من الأعمال الدرامية الراقية لن يكون قريباً!

إذن، على هؤلاء الممتعضين من الدراما المحلية أن يكونوا أكثر واقعية في استيعاب مدى أهلية السوق المحلي لإنتاج أعمال أجود وسط هذه الظروف الاقتصادية التي أنحبس فيها بين المعلنين والمراهقين. على المشاهد أن يساهم في تحرير صانعي العمل الدرامي أولاً من عبودية الإعلان قبل أن يطالبهم بما لا يقدرون عليه، ولا يمكن أن يحدث ذلك دون أن يبذل المشاهد ثمناً معقولاً مقابل المتعة التي تعود عليه من مشاهدة عمل درامي جيد. لا يمكن أن نطالب بمسلسلات محلية كوميدية على مستوى (فريندز) مثلاً أو درامية على مستوى (سوبرانو)، وكلاهما حصد كماً هائلاً من الجوائز العالمية، ونحن نعلم أن سوقنا الإنتاجية لا تستطيع أن تنفق بسخاء كاف على أعمال مماثلة، وعجز السوق الإنتاجية مردّه عدم استعداد المشاهد، ثقافياً واستهلاكياً، على أن يدفع مبلغاً معتبراً من أجل مشاهدة مسلسل.

أكثر أعمالنا الدرامية ربحاً في السعودية (كلنا عيّال قريّة) يباع حصرياً لإحدى القنوات بحوالي 15 مليون ريال للعمل بأكمله، ويتراوح بين 20 إلى 30 حلقة. هذا يعني أن كل حلقة تباع بحوالي 600 ألف ريال ينفق منها على الطاقم بأكمله، من أبطال وممثلين وكومبارس ومصورين ومخرج وسيناريست ومساعدين وإداريين ومزيّنين وسائقين، بالإضافة إلى مصروفات استئجار المواقع والأستديو والسفر وغيرها. ومن الطبيعي أن يسعى أبطال العمل إلى الاستئثار بأكبر لقمة منه عن طريق تخفيض التكاليف، واختيار الممثلين الأرخص، وبالتالي لا يبقى من ميزانية الإنتاج إلا الفتات الذي لا يمكن أن يصنع عملاً جيداً.

في نهاية هذه الحسابات، سيخلص بطلا العمل إلى تحقيق ربح يعادل حوالي 4 ملايين ريال (سنوياً) لكل منهما. هذا يعني أن أشهر فنان كوميدي سعودي على الإطلاق لا يحقق من فنّه أكثر من 4 ملايين ريال في السنة، وهو ما يحققه مطرب مغمور في عدة أشهر، أو تاجر عقار مجتهد أشعث أغبر في شهر واحد! كيف يمكننا أن نطالب (عبدالله السدحان) بأن يقدم لنا عملاً كوميدياً بنفس المستوى الذي يقدمه (فريندز) مقابل 4 ملايين ريال لـ25 حلقة لا يقدم سواها طوال السنة، في الوقت الذي يتقاضى فيه (ماثيو بيري) تسعين مليون ريال في السنة، غير ما يتقاضاه من الأفلام السينمائية، والإعلانات المصورة، والمشاركة في المهرجانات، وبقية الأنشطة الهولوودية التي تبيض ذهباً؟

في النهاية، فإن كلا المسلسلين متاحين للمشاهد المحلي، ولا يفصل بينهما إلا ضغطة زر، ويستطيع المشاهد أن يختار بينهما دون أن يبالي بما يتقاضاه عبدالله السدحان وماثيو بيري، لأن كلفة كلي المسلسلين متساوية عليه تقريباً وهي الدقائق التي يتابع فيها إعلاناً مكرراً بنصف اهتمام. لقد انتهى الزمن الذي يمكن أن نصنع فيه عملاً جيداً بميزانية صغيرة، باستثناء المغامرات التي تطفر فجأة في حالات نادرة لا حكم لها، أو عهود الدعم الحكومي السابقة التي كانت تحيل الفنان إلى طموحه المعنوي والفني بعد أن كفته مؤونة التفكير في العوائد. أمام المشاهد الذي يتوق إلى أعمال محلية جيدة خياران وحيدان: إما أن ينتظر طويلاً، أو يدفع كثيراً!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي