الدين والحضارة

الجزء الأول: جريدة الوطن السعودية

الجزء الثاني: لم ينشر


من المرهق على باحثٍ محايد أن يقيس بدقة مدى تأثير الأديان على رفعة المجتمع وانحطاطه. في الغالب إن معظم الأديان السماوية والأرضية نجحت بشكل أو بآخر في انتشال مجتمعاتها من قعر ما، وإعادة تأهيلها إنسانياً واجتماعياً بقدر ما أيضاً، وإن أغلب المجتمعات التي ولد فيها دينٌ جديد في التاريخ الإنساني عاشت فترة طفرة حضارية نسبية بُعيد نشوء الدين مباشرة، والسبب الغالب في ذلك أن الأديان لا تنزل من السماء أو تنقدح في الأذهان إلا وسط ظروف من الانحطاط الإنساني تتطلب حاجةً ملحة عامة لميثاق جديد يعيد توحيد الجماعة تحت لواء روحي وأخلاقي متفق عليه، وحتى تلك الأديان التي تتحوّر تدريجياً ولا تحلّ فجأة على المجتمع، نجدها تصل إلى مرحلة التأثير المباشر على سلوك المجتمع في المرحلة التي يكون فيها المجتمع في أمسّ الحاجة إليها، مما يسرع من وتيرة تفعيلها، ويعمّق من دورها في صياغة تاريخ المجتمع ومستقبله. وإذا كان المجتمع المتطّلع لاإرادياً إلى دين جديد قد بلغ مرحلة مزمنة من الخمول الحضاري فلا ريب أن أي تغيّر في سلوكه بعد نزول الدين أو نشوئه أو تفعيله يعتبر إيجابياً يسجّله التاريخ لمصلحة الدين الناشئ، بصفته المتغيّر الاجتماعي الأحدث، دون اعتبار لعوامل أخرى، كالسياسة والاقتصاد والثقافة، وما إذا كانت هذه العوامل أساسية أو شريكة أو مساعدة للدين في التأثير على حال المجتمع، أو أنها مجرد حيثيات تابعة للعامل الديني، أو أن الدين نفسه لم يكن إلا عاملاً مساعداً في حالات معينة. لاشك أن لدينا أمثلة على كل هذا في المجتمعات السابقة، ففي الإسلام، جاء العاملان السياسي والثقافي كحيثيات تابعة للدين، فالإسلام هو الذي صاغ السياسة والثقافة في المجتمع العربي، فنقله من سياسة القبيلة إلى سياسة الدولة، وساهمت كثافة تعاليم الإسلام في إعادة تشكيل ثقافة المجتمع، ولكن الاقتصاد ظل عاملاً أساسياً لأن طبيعته ظلت ثابتة تقريباً ولم يتغير كثيراً عما كان عليه قبل الإسلام. (أعني الاقتصاد كمناخ عام، وليس آلية المعاملات). وقد نشأت عدة أديان في اليونان القديمة، فلم تؤثر في سياساتها ولا اقتصادها ولا ثقافتها، بل انضم الدين إلى هذه العوامل كعامل مشارك وليس كعامل مهيمن في صياغة الحضارة اليونانية العريقة. وبوذا تنازل في دينه حتى عن أن يكون عاملاً مشاركاً، وركّز على فكرة أن يكون الدين عاملاً (مساعداً) فقط، وكان يقول في الطقوس والعبادات ((اترك عنك هذه التصرفات المنهكة، وكن قوياً فقط!)) بل إنه ينقض فكرة الألوهية نفسها التي هي عماد كل الأديان تقريباً عندما يقول ((جنسنا البشريّ هو الإله الوحيد اليقظان))، أما في حالة الفراعنة فلم يكن ثمة مجال للدين إلا أن يكون مهيمناً على كل ما حوله، وهو العامل الأساس الذي تنبثق منه السياسة والاقتصاد والثقافة، لأن فكرة عبادة الفرعون الحاضر بجسده بين الناس لم تكن تتيح المجال لأية تركيبة حضارية أخرى.

هذه التراكيب الحضارية المختلفة في بدايات نشوء الدين الإسلامي والبوذي والفرعوني والإغريقي وغيرها أثمرت جميعاً عن حراك حضاري إيجابي، وأثّرت بشكل ملموس في تحسين ظروف المجتمعات، وقدمت لها دفعات إنسانية واضحة، بغض النظر عن النقد المقارن لمدى فعالية كل تركيبة منها ما دامت جميعها قد نجحت في المراحل الأولى، أما ما حدث بعد ذلك من اختلاف في ظروف هذه الأمم فيصعب تتبعه فعلاً، لأنه من الصعب التفريق بين الخيط الديني والخيوط الأخرى التي تحرّك المجتمع بعد أن تشابكت عبر التاريخ، على خلاف ما كانت عليه الأمور في بدايات نزول الدين أو نشوئه عندما كان خيطه مميزاً ومنفرداً وواضحاً للمؤرخين.

ومع هذه النجاحات المضمونة تقريباً للأديان في إحداث الطفرة الابتدائية المؤقتة لمجتمعاتها، يصعب علينا إثبات ما إذا كان الدين نفسه، بأفكاره وقوانينه وحدوده، قادراً على إحداث نفس التأثير لو قُدِّر له أن ينزل أو ينشأ في مجتمع آخر، ذي استعداد مختلف عن سابقه في استقبال الدين الجديد، وبحاجات مختلفة، وتداخل متباين المستويات للعوامل الأخرى. هل كانت روما وهي تنصّب أكثر من ثلاثين ألف إله يمكن أن تقبل بوذا بأفكاره الزاهدة المضادة لفكرة الألوهية وهي في أوج تشعبها الكهنوتي ذاك؟ ولماذا امتدت الرسالة المحمدية في الحجاز رغم تصلب أهلها وقسوتهم بدلاً من فلسطين أو الحبشة أو اليمن التي كانت تملك موروثاً معرفياً وحضارياً أقدر على استيعاب فكرة الإسلام؟ وكيف كان سيتصرف اليونانيون في أثينا في أوج ألقهم الفلسفي، وانفتاحهم الفكري على الآخر، وتسامحهم مع اختلافاته لو أن (أخناتون) الفرعوني صار ملكاً عليهم وأمر بتوحيد الآلهة، وتدمير كل الآلهة الأخرى، وطمسها تماماً، كما فعل في مصر؟ وهل كان المسيح ليجد قبولاً أكبر لرسالته لو أنه ابتعد عن المحفل اليهودي الضيق الذي نشر فيه أفكاره الأولى؟

لا يبدو أن الأسئلة السابقة يمكن إجابتها بسهولة، ولكن من الصعوبة الجزم أن الدين وحده، بغض النظر عن مدى استعداد الناس له، قادرٌ على إحداث التغيير. فالدين إما أن ينزل حسب حاجات الناس، رحمة بهم وإرشاداً لهم، وإما أن يخترعه الناس وفق حاجتهم له، (أو حاجة بعضهم له). هذا يجعلنا مضطرين لرهن نجاح الدين بالحالة التي يكون فيها المجتمع وقت حلوله عليهم. وإذا وسعنا، نظرياً، أن ننفي العلاقة السببية المباشرة بين الدين نفسه والتقدم الحضاري، فمن العدل أن ننفي علاقته بالتخلف الحضاري أيضاً. من الصعب القول جزماً تاماً أن الدين الفرعوني كان السبب الرئيس وراء هذه الحضارة الفرعونية المدهشة، ومن الصعب أيضاً أن نجزم بأن الإسلام كما يرى البعض كان سبباً في تخلف الأمة الإسلامية منذ عصور الانحطاط وحتى اليوم.

ثمة أسباب أخرى يمكن أن تطرح لتوضيح علاقة الدين بالحضارة، تأخذ في الاعتبار كيفية العناق الديني الاجتماعي، والمساحات التي يتداخل فيها السياسي والاقتصادي بالديني، وموازين القوى وتوجهاتها. هذا لا ينفي أن الدين نفسه قد يأتي وهو يحمل بذوره في داخله، ونيّاته بالبقاء إما مهيمناً أو محايداً حتى يضمن لنفسه عدم التأثر بالعوامل الأخرى التي يمكن أن تغير ماهيته ورسالته، ولكنه يبقى مرهوناً بمستوى خصوبة الأرض، وجوع المجتمع. وفي اليهودية تحديداً أمثلة مهمة على ذلك سيتناولها الجزء الثاني من المقالة.

*   *   *   *

عدة أسباب جعلت اليهودية من أفضل الأمثلة التي يمكن أن تضرب عند دراسة الدورة التاريخية للدين. ذلك أنها من أقدم الأديان نزولاً، وانتشرت جغرافياً في العالم القديم مما يعني احتكاكها بعدة حضارات أهمها الفرعونية، وكذلك كونها الديانة الأم لعدة ديانات تاريخية انشقت منها أو تأثرت بها عبر التاريخ، وأيضاً لأن نصوصها الميثولوجية مرّت بتطورات كثيرة كحيثية متوقعة للتقلبات السياسية التي مر بها اليهود والنكبات الإنسانية التي تعرضوا لها من فرعون إلى هتلر. وفي المأثور اليهودي القديم، لم يكن هناك إشارة واضحة للحياة الأخرى، مما يجعلنا نتساءل عن مدى إيمان اليهود الأوائل بالبعث. صحيحٌ أن جميع الأديان السماوية، حسب الميثولوجيا الحالية، تضع (الآخرة) في قلب عقيدتها، ولكن كيف نفسر غياب هذه العقيدة الأساسية في التاريخ القديم لليهودية؟

ثمة من يرى أن اليهودية كانت ديناً أرضياً، نشأ كحالة طارئة تحت ضغوط سياسية تضطهد الأقلية. هذا يعني أن اليهودية كلها لم تكن أكثر من ثورة مدنية سلمية تطورت إلى دين. وهناك من يرى أن اليهودية ليست ديناً واحداً في الأصل، بل عدة أديان طوّرها أنبياؤهم وكهنتهم عبر آلاف السنين، ولم يبقها مترابطة إلا شعور الجماعة الرازحة تحت الظلم المشترك، وهناك من يبسّط الموضوع برمته، مثل غالبية المسلمين، إلى كونها ديانة سماوية محرفة والسلام، وهناك من يرى، مثل ديورانت، ((أن اليهود لم يبتكروا فكرة الخلود إلى بعد أن فقدوا الأمل في أن يكون لهم سلطان في الأرض))، وبالتالي لا تبدو فكرة البعث كلها لدى اليهودية أكثر من وسيلة يائسة لتعويض المرارات الأرضية.

كل هذه الأسباب تستدعي وجود عوامل أخرى تؤثر في الدين، وتحوّره إلى هذا الحد. وفي حالة اليهودية، فإن العامل السياسي هو الأوضح تأثيراً على تاريخ هذا الدين، ولكن هل من المعقول أن يبلغ التأثير السياسي على دين كبير كاليهودية حد استحداث عقيدة كبرى كالبعث كما يقول ديورانت؟ وهل من الممكن أن تظلّ اليهودية ديناً بهذه العراقة رغم الاختلاف الجذري بين تعاليمها الأولى، وتعاليمها المتأخرة؟ هذا يجعل الدين اليهودي برمته عاملاً تابعاً للعامل السياسي في صياغة الحضارة. ولربما كان اعتزال اليهود التاريخي للسياسة، ونفورهم منها، سبباً من أسباب ضعفهم وتسلط الأمم عليهم، ولربما كان هذا خطأ تاريخياً أدى (كردة فعل) إلى تكوّن الفكر الصهيوني لتصحيح هذا الخطأ التاريخي، والدعوة إلى استعادة زمام الأمور سياسياً، وهو الشأن الذي ترفضه الجماعات اليهودية الأصولية وتعارض بذلك قيام دولة اسرائيل الحديثة بظروفها الحالية.

العامل السياسي لعب دوراً حديثاً في مصير البوذية وانتشارها في العالم. فالبوذية تحمل في طياتها الكثير من التعاليم الإيجابية لكنها ظلت ديناً محدوداً في جغرافيته حتى أمد قريب، أما الآن، ولأسباب سياسية تتعلق بقضية التبت، تحولت إلى دين محبوب في شتى أنحاء العالم. وبرز الديلاي لاما في العالم كرمز للحكمة والسلام والحب والإنسانية. ولو أن التبت كان دولة مستقلة، والغرب متصالح مع الصين في القضايا السياسية والاقتصادية، لربما ظلت البوذية محدودة الانتشار، وإن كانت هناك عوامل أخرى، ثقافية غالباً، تروج للبوذية في الغرب، وهي عوامل تتمحور حول التقاء الوعي الشعبي الغربي المعاصر مع التعاليم البوذية القديمة في أسس ثقافية مشتركة مثل التسامح الإنساني وعلاقة الإنسان بالأرض والكائنات. إذن، حالة البوذية اليوم تدل على تأثر مصيرها كدين بعوامل السياسة والاقتصاد والثقافة.

والعامل الثقافي كان له دوراً كبيراً في صياغة التاريخ المسيحي، ذلك أن المسيحية نزلت دين سلام ومهادنة في الأصل، والمسيح الذي كان يحرض على حب الأعداء قبل الأصدقاء هو نفسه الرمز الديني والقدوة السياسية التي حركت بها الكنيسة الأوربية حملاتها الصليبية الدموية. وعلى يد المسيحين الأوائل قامت امبراطوريات كبرى على حساب الأمم الأخرى، ذلك أن النموذج الإنساني الذي تبناه المسيح في أوج التحالف الروماني اليهودي ضد رسالته لم يكن محمولاً على هيكل تشريعي وثقافي يمكنه أن يقلب الكيانات السائدة آنذاك، ويحرث المجتمع من أجل دين جديد. ولهذا مورست المسيحية النقية في نطاقات ضيقة، غير متواصلة، مما يفسّر انقساماتها الميثولوجية الحالية. والحقيقة أن امتثال المسيحيين الحاليين للروح المسيحية الأصلية يكاد يكون أكبر من امتثال أجدادهم السابقين الذين كانوا أقرب إلى المصدر، وذلك مثال على ما يقدمه العامل الثقافي المتطور عبر القرون للدين من دعم أو هدم، ولربما كان اللاحقون خير من السابقين في كثير من الحالات.

الانحدار السياسي الذي حدث بعد سنوات الخلافة الإسلامية حدث في عنفوان الإسلام، وبعد أربعة عقود فقط على نزول الرسالة المحمدية. ولأنه من غير المقبول تحميل تبعة هذا الانحدار السياسي على الدين، طُرحت نظريات متفاوتة التطرف لتفسير هذا الفشل السريع في سياسة المسلمين. وسميت (فتنة) لدى طرف، وسميت (انقلاباً) لدى طرف آخر. ولكن من الواضح للباحث المحايد أن تسارع التطورات السياسية لدى المسلمين تمَّ قبل أن تتمكن ثقافة الدين الجديد من نفوسهم تماماً، مما أدى إلى تلك الفجوة التي لا تزال قائمة بين عمق مقاصد الدين وسطحية تطبيقه. المسلمون الذين كانوا قلة منفية في شعب أجرد بمكة، حاربوا بعد ذلك بثلاثين سنة فقط في البحر المتوسط! والتساؤل الحضاري هنا: هل كانت هذه الطفرة السياسية (العامل السياسي) عنصر دعم للدين الحديث جداً نسبياً آنذاك، أم أنه شوّش كثيراً على المسلمين، وألبس عليهم الأمور، فاختلط لديهم الاستعمار بالجهاد، والسيادة بالاستبداد؟ هل كان للانتصار السياسي ثمنٌ ثقافي باهظ على الإسلام؟ إنه بلا شك سؤال يتعارض مع الاعتزاز اللاإرادي الذي يشعر به المسلم تجاه تاريخه وفتوحاته، مثلما يشعر به أتباع أي دين آخر تجاه تاريخهم. ولكن السرعة الهائلة التي انتقل بها المسلمون من يثرب إلى الصين، هي نفس السرعة الهائلة التي انتقلوا بها من النموذج المدني المثالي الذي كانوا عليه في المدينة، إلى النموذج الإمبراطوري الذي صاروا إليه بعدعقود قليلة من وفاة الرسول. وكلما فتحوا دولة جديدة، كلما ابتعدوا خطوة عن النموذج النبوي، واقتربوا من النموذج الكلاسيكي لحضارة توسعية تكررت عشرات المرات في التاريخ، وتحولت دولة الإسلام من خلافة راشدة تحترم الأديان الأخرى ولا تميز بين الناس على أساس أديانهم أو ألوانهم، إلى دول استعمارية متتابعة تتوسع بلا حساب، وتفرض الجزية على دول أخرى دون حق، وتسبي النساء بعد الحروب بلا خجل، كل هذا بعد أن تم تطويع مفاهيم الجهاد من تكنيك دفاعي للحفاظ على مصالح الأمة الناشئة إلى آلية استعمارية تصب عوائدها على نسل أسر معينة فقط، وخلال أقل من قرن من الزمان تحوّل الخليفة من رجل لا يكاد ثوبه يستره (عمر بن الخطاب) إلى الرجل الذي يفرش تحت أقدامه بساطٌ يكلف مليون دينار (المأمون)، هذه النكسة السريعة جداً هي أفدح كارثة رزء بها الإسلام، ولكن أحداً لم ينتبه لذلك في خضم الصخب التاريخي للفتوحات! 

 كيف يمكن أن يتطور الدين إذن بين أهليته النظرية الكاملة في عيون أتباعه، وبين بشريّتهم المتغيّرة في معادلات المجتمع، دون أن نضطر إلى تحميله ما لا يحتمل، وتوجيهه إلى حيث لا يتجه؟ من الضروري هنا أن نفصل بين الدين الكلي والدين الجزئي حتى يمكن أن نجيب على سؤال كهذا دون أن نقع في تحفظات منحازة، ولعل المقالة القادمة تتناول ذلك.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي