بنات الرياض.. والكتب السبعة

جريدة الوطن السعودية


حتى العابر بدون اهتمام في أروقة مكتبة محلية كبرى سينتبه إلى وجود سبعة كتب على الأقل كلها كتبت عن رواية (بنات الرياض) أو حولها، ولو أنه أمعن في بحثه لوجد كتباً أخرى في نفس الرف، أو أرفف قريبة، كتباً مكرسة للرد على الرواية، وكتباً تتماهى معها، وكتباً تنقدها. هذا يعني أن كتاباً واحداً أفرز عدة كتب أخرى في اتجاهات مختلفة، وأن كتاباً واحداً حرّض على التفكير المكتوب في مستويات عدة، وأن كتاباً واحداً أعاد تقليب المجتمع على سفود النضج البطيء. كنّا نعرف أن الكتب/القضايا تثير الضجيج الصحفي، واللغط الكلامي واعتدنا على ذلك، ولكن أن تُنشر وتُسوَّق سبعة كتب على الأقل لتتناول كتاباً واحداً لم يمض على صدوره أكثر من ثلاث سنوات فهذا الذي لم تعتد عليه البحيرة الراكدة!
لم يعرف المجتمع من قبل، منذ تأسس المشهد الثقافي السعودي قبل 80 سنة، أي عمل أدبي أو فكري منشور استدعى أن تُكتب من أجله الكتب، هجوماً ودفاعاً، وتأثراً وتأثيراً، واختلافاً واتفاقاً مثلما فعلت (بنات الرياض) إذا استُثنيت المأثورات وأمهات الكتب. ولم يجلس على حشية الجدل أطول مما أجلسته هذه الرواية، ولم يقف على أطراف الأصابع أطول مما أوقفته. ولا يكاد يخلو الفرد فيه من تبرير أو رأي أو موقف يهدّئ به من حفيظته الفكرية، ويسعى أن يفسّر من خلاله ما حدث، ويحاول أن يعيد الأمر بصعوبة إلى خانة الاعتيادي والمتوقع حتى يرتاح. والحقيقة أن الرواية لم تكن متوقعة ولا محتملة، رغم أن كل ما جاء فيها متوقعٌ ومحتمل. ورغم تناقض الرؤى، وشتات المواقف، يبدو واضحاً أن الرواية أسست لحقبة قادمة، وحازت ريادة زمنية لن تنسى بسهولة. أبسط الأشياء التي فعلتها هذه الرواية إذن أنها انتزعت من كل شخص يتابع المشهد رأياً حولها، وهذا بحد ذاته سبقٌ كتابي. من الممكن أن تستوقف أي عابر لتكتشف أنه يملك الاستعداد والأهبة ليحاورك عدة دقائق حول الرواية، ويخبرك عن رأيه فيها. وبغض النظر عن سطحية هذا الرأي أو عمقه، إلا أنه يعني أن هذا العابر قد حجز في ذهنه (مساحة فكرية) يخصصها لرأيه حول الرواية. ومن الممكن أن تذكر اسم الرواية على العابرين أيضاً، فتعبس وجوه وتنفرج أخرى، بالإضافة إلى مشاعر أخرى طيفية بين العبوس والانفراج، توحي بأن كل فرد منهم قد حجز للرواية في مشاعره (مساحة شعورية) يخصصها لشعوره تجاه الرواية. (بنات الرياض) إذن نجحت في الدخول إلى الفكري والشعوري معاً من مساحات المتلقي الداخلية، بغضّ النظر عن الأثر الذي تركته هناك، وهذا ما يؤهلها تماماً لإحداث التأثير (الثقافي) الذي قلّ أن تحدثه كتبٌ أخرى، ولاسيما الروايات.
مجتمعنا المهيّأ في موروثه ومأموله إلى خلق النجوم ثم الاختلاف حولها يمارس هذا مع (بنات الرياض) بإيمان كبير. وكلما تسارعت آلية خلق النجوم هذه دلّت على تعاظم أحلام المجتمع، وتصاعد فردانيته. فالانقسامات الحيوية الضرورية في أي مجتمع متجه بشكل مطّرد من الجمعية إلى الفردانية تفرز سلوكاً استقلالياً تنتخب به كل مجموعة منفردة نجومها التي تسعى المجموعات الأخرى إلى إسقاطها. وهذا حراكٌ اجتماعي فاعل له شواهد كثيرة في مجتمعنا المعاصر. أكثر نجوم الفن في المنطقة يخرجون من السعودية رغم أن المجتمع السعودي هو أكثر مجتمعات المنطقة التي تلصق الفن (ذهنياً) بالانحلال والوضاعة. كيف وجد الفنانون إذن مكاناً خصباً لتجاربهم في مجتمع كهذا إلا على أكتاف صراعات المجموعات المنقسمة التي تدافع عن كينونتها وأهلية اختيارها بدفاعها عن نجومها المنتخبة؟
(بنات الرياض) نجمة اجتماعياً تزداد لمعاناً بازدياد الصراع الاجتماعي احتداماً. تستمد صوتها المسموع من صليل السيوف المتحاربة حولها، وتثبِّتُها في منتصف المشهد رغبةُ المجموعات الانقسامية بالبقاء، والاستمرار، والحدوث. الذين انتخبوا الرواية نجمةً انتخبوا أنفسهم كمجموعة اجتماعية متمايزة أولاً، ودفاعهم عن الرواية ليس بالضرورة دفاعاً حرفياً عمّا جاء فيها بقدر ما هو دفاعٌ إجماليٌ عن شرعيّة ولادة النجوم كناتج اجتماعي لعملية يجب أن تصير روتينية ومتكررة، يقبلها الجميع ما دامت السماء واسعة، والأرض محتاجة.
كان المجتمع في حاجة إذن لرواية كهذه تحدث الارتجاج المطلوب، وجاءت بنات الرياض بكل المواصفات المحلية التي تناسبه تماماً، بترابيتها، وواقعيتها، وقضيتها المباشرة الموجهة نحو كل ما يُقال ولا يُكتب، أو يُكتب ولا يُنشر، أو يُنشر ملطخاً بشؤون أخرى تحدُّ من وضوح القضية. كل هذا جاء بين دفتي الرواية، أما ما هو خارج دفتيها من عوامل انتشارها المختلف عليها، من كون كاتبتها امرأة تتفاعل مع الإعلام بأريحية وبراعة، وتصرّح دائماً بما يتماشى مع أجندات بعض القوى، فلم يكن سبباً رئيساً في إنجاح العمل ثقافياً كما يرى البعض، لأن الرواية كانت قد كسرت معدلات الرواج السائدة بفترة طويلة قبل أن تطلّ كاتبتها إطلالتها الإعلامية الأولى، وهذا يعني أن الرواية قد جاءت أولاً ثم جاءت الروائية.
كل ما سبق هو السبب الأساس وراء تحوّل بنات الرياض من عمل أدبي، كما أريد به، إلى عمل ثقافي. والكثيرون ممن أذهلتهم مقروئية الرواية وانتشارها في المجتمع عمودياً وأفقياً، استخرجوا كل أدواتهم الأدبية، وراحوا ينقّبون في الرواية بحثاً عن أسرار ومبررات، فعادوا بخفّي حنين، لأن العمل الأدبي، بغض النظر عن مدى إجادته واستجابته للمعايير الفنية المعاصرة والمتغيرة، لا يمكن أن يقلب مجتمعاً على عقبيه ما لم يكن قد تجاوز في رسالته ومساره مساحته الأدبية، وراح ينقّب في مساحات الثقافة المحيطة.
(بنات الرياض) لم تأتِ لتفكر بدلاً منا في شؤون المجتمع، لأن الكتب التي تفعل ذلك هي كتب ستاتيكية ثابتة، تُكتب وتقرأ، وتظل على نفس حجمها الذي كتبت به. في المقابل، جاءت بنات الرياض للتعامل بديناميكية مع رشد المجتمع وثقافته. وهذه الديناميكية هي التي جعلت الرواية محور نقاش طالبات المرحلة المتوسطة، مثلما هي محور نقاش دكاترة الجامعات. والمثير في هذه الرواية أنها ظلّت مثار الجدل لثلاث سنوات وحتى الآن رغم كثرة المراهنين على خفوتها تدريجياً منذ صدورها عام 2005. ورغم أن حجم تسويقها، نسبة إلى معدل نجاحها، كان متواضعاً، إلا أن الرواية اعتمدت على تسويق قرائها لها اعتماداً مباشراً. هذا يعني أن الرواية انتشرت ذاتياً قبل أن يأتي الإعلام بعد ذلك ليتناول قضية (انتشار الرواية) وليس الرواية نفسها.
أغلب الظن أن بنات الرياض رواية لن تنسى بسهولة، لأنها أنشبت أظفارها الثقافية في منطقة موتورة جداً من جسد المجتمع، لم يسبق أن (نُكشت) بهذه المباغتة من قبل، ولذلك سيظلّ المجتمع متمحوراً حولها لفترة طويلة لم يسبقها إليها كتابٌ آخر.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي