|
نشر الأستاذ عبدالله بن بخيت
في صحيفة الجزيرة قبل أيام مقالةً شكر فيها الشيخ صالح الفوزان على
مخاطبة أحد خصومه الفكريين وهو الأستاذ محمد بن عبداللطيف آل الشيخ
بلقب (الأخ) و(الأستاذ) أخيراً، وهو الذي، أعني الشيخ الفوزان،
طالما ضنّ بهذه الألقاب على أغلب من رادّهم وحاجّهم عبر الصحافة.
والمتتبع لردوده على مخالفيه، سواءً في موقعه الرسمي أو عبر
أرشيفات الصحف المحلية، يلاحظ فعلاً أن الشيخ يتجاهل ألقاب خصومه
تماماً، ويذكر أسماءهم مجردة منها، سواء تلك الألقاب المكتسبة من
مؤهل أكاديمي، أو منصب مهني، أو حتى الألقاب الاجتماعية المتعارف
عليها، اللهم لقب (الكاتب) الذي يخاطبهم به الشيخ في حالات قليلة
جداً، في حين أن كل هؤلاء الخصوم بلا استثناء خاطبوا الشيخ الفوزان
في ردودهم ودفاعاتهم بلقبه (الشيخ) أو (فضيلة الشيخ)، وباحترام
بالغ، بغضّ النظر عن مدى احتداد النقد والجدل الفكري حول القضية
المعنية. إنها سمة واضحة في ردود الشيخ تستحق التحليل، وحتى لا
نعمم على ردوده وأسلوبه في الرد يجدر بالذكر أن الشيخ قد يستثني
عدداً قليلاً من هؤلاء الخصوم، فيخاطبهم بألقابهم، مما يحيلهم إلى
فريقين: فريق المخالفين الذين يستحقون الألقاب، والمخالفين الذين
لا يستحقونها!
ورغم أن المجتمع السعودي عموماً أقل تحفظاً من مجتمعات أخرى في
مسألة الألقاب، وأقل التفاتاً إلى دلالات تثبيتها وإسقاطها، إلا أن
السياق الذي أسقط فيه الشيخ ألقاب خصومه في ردوده عليهم ليس سياقاً
كلامياً عابراً، بل هو ردٌ مكتوب بنيّات مسبقة تجعل من الإهمال ألا
نحاول فهم مقاصدها، وانعكاساتها على القضية المعنية ومواقف الطرفين
منها. وفي جولة عابرة على محاورات الشيخ وردوده الصحفية خلال
السنوات السابقة نلحظ أنه تجاهل ألقاب كل من: الدكتور حمزة المزيني
في صحيفة الوطن، والأستاذ عبدالله الجفري في صحيفة عكاظ، والأستاذ
الحميدي العبيسان في صحيفة الوطن، والأستاذ حماد السالمي في صحيفة
الجزيرة، والدكتورة ليلى الأحدب في صحيفة الوطن، والأستاذ محمد بن
عبداللطيف آل الشيخ في صحيفة الجزيرة في رد سابق، ثم خاطبه بلقب
(الأخ) في رد لاحق، وعلى الأستاذ عبدالله الضبعان في صحيفة الرياض،
والأستاذ عصام يماني في صحيفة عكاظ، والأستاذ عبدالله العلويط في
صحيفة الوطن. إلا أن الشيخ، أو سكرتير الشيخ، خاطب مجموعة أخرى
بألقابهم الرسمية في ردوده عليهم مثل الدكتور محمد عبده يماني في
صحيفة الجزيرة، والدكتور محمد عبدالغفار الشريف في صحيفة الوطن
الكويتية، والأستاذ تركي السديري رئيس تحرير صحيفة الرياض،
والدكتور سعد الراشد في صحيفة الجزيرة، والشيخ عبدالمحسن العبيكان
في موقعه الرسمي، أما أكثر الألقاب التي استخدمها الشيخ حفاوة
وتقديراً في كل ردوده الصحفية فقد فاز بها الأستاذ عبدالله بن
إدريس الذي خاطبه الشيخ بلقب (الشيخ الأديب الكبير)، وهي ثلاثة
ألقاب تشريفية دفعة واحدة لأن مقالة الأستاذ ابن إدريس كانت متفقة
تماماً مع وجهة نظر الشيخ الفوزان حول التعليم باللغة العربية.
ترى إلام يشير التجاهل المتعمد لألقاب الخصوم في أغلب ردود الشيخ؟
وما هو العائد الدلالي على القضية المعنية من ذلك؟ هل هو تكنيك
جدلي يهدف إلى التقليل من قيمة الخصم الفكرية بما أن الرد عليهم
بحد ذاته يرفع من شأنهم؟ أم إنه ممارسة إقصائية مقصودة للتدليل
المباشر على مدى شناعة الفكرة التي جاء بها الخصم، وتخطيها حدود
المقبول؟ من المحتمل أن الشيخ يرى من واجبه العلمي الرد والدحض
وإنكار الفكرة التي يخالفها، ولكن لماذا يذهب إلى أبعد من ذلك
عندما يتجاهل مخاطبة خصومه بألقابهم المستحقة، رغم أن تقاليد
الحوار والمخاطبة تحتفظ للمخالف بلقبه مهما شطّت فكرته؟ هل يدخل
إسقاط اللقب عن المخالف في أحكام معاملة المبتدع كممارسة تأديبية
غير مباشرة؟ أم إنها إشارة فكرية تيارية إلى المريدين بسقوط أهلية
الكاتب، واستحقاقه الإنكار والتقريع؟
من المحتمل أيضاً أن يكون الشيخ، وهو الذي يوقّع دائماً باسمه
متبوعاً بوظيفته (عضو هيئة كبار العلماء)، يرى أن من أبطأ به
(فكره) لم يسرع به (لقبه)! ومن كان ذا فكر ينحرف عن طريقة الشيخ
ومنهجه فإن ألقابه التي يتشرف بها تسقط، ولا ينبغي مخاطبته بها حتى
يعود إلى رشده، ويعتزل فكرته الخاطئة. ومن المحتمل أيضاً لمن أراد
أن يلتمس للشيخ مبرراً ما أن يكون كل ما في الأمر شكلاً من أشكال
الأريحية في التخاطب، تسقط التكلف، وتخلق محيطاً ودوداً لتبادل
الأفكار، إلا أن من يقرأ الردود كاملة يستبعد هذا الاحتمال الأخير
تدريجياً. فالشيخ الفوزان لا يسقط الألقاب في غالب ردوده فقط، بل
إنه يمعن في تقزيم الشخصية الأخرى عندما يشير إليها بضمير الغائب،
وكأنه يوجّه خطاباً تحذيرياً من الكاتب، وليس خطاباً حوارياً معه.
وهذه الصيغة في الخطاب، إذا صحّت القراءات المحتملة لما يبطنه من
دلالات، فهي تثير الشك في جدوى هذه الردود، كونها تقيم الحواجز
الفكرية بدلاً من أن تقفزها، وتزيد من التترس التياري خلف نفس
الأفكار، ونفس الجماعة، بدلاً من محاولة تحقيق التعالق والتواصل
المطلوب بين أفكار الشيخ وأفكار مخالفيه.
وإذا كانت بعض المراجع التقليدية نحت إلى بعض الغلظة في التعامل مع
المخالف فكرياً، لاسيما إذا كان هذا الخلاف إيديولوجياً أو شرعياً،
فهل يا ترى يكون للتمسك بهذه المرجعية فائدة نوعية يعوّل عليها
الشيخ في تعزيز موقفه الفكري مثلاً؟ وإذا استبعدنا أن يكون لذلك أي
أثر على شخصية الطرف الآخر وموقفه، فهل في غلظة الرد هذه محاولة
لتخويف الجمهور والمتلقي من التفكير، حتى مجرد التفكير، في الميل
تجاه الطرف الآخر، ساقط اللقب، عديم الأهلية؟
وليت أن الشيخ أسقط الألقاب، واستخدم ضمير الغائب، ثم اكتفى بذلك،
ولم يستخدم معهم تلك العبارات الغليظة الجافة التي تنفر ولا تجذب،
مثل قوله في رده على الأستاذ عبدالله بن بخيت ((ابن بخيت وأعوانه))
ووصفه له ومؤيديه أنهم ((يجعجعون ويشنشنون))، وختم رده ذلك بالآية
الكريمة ((قل موتوا بغيظكم..)). ولو لم يكن الرد موقعاً باسم
الشيخ، ومختوماً بختمه لظننت أنه من ردود صغار الوعاظ المتحمسين
للدعوة الفظة الخشنة، وحاشا الشيخ أن يكون منهم. قرأنا تلك
العبارات للشيخ رغم أنه نفسه قد عتب على الأستاذ حماد السالمي في
رد آخر ووصفه بأنه ((.. تطاول فيه وخرج عن أدب الكاتب ويبقى إثمه
عليه))، وعتب على الأستاذ الحميدي العبيسان قائلاً ((لقد خرجت من
أسلوب المحاورة إلى أسلوب المهاترة))، هذا يعني أن الشيخ يؤمن أن
للحوار آداباً، فكيف إذن نبرر وصمنا من يخالفنا بـ (الجعجعة
والشنشنة)!
إن غلظة الشيخ في بعض ردوده على مخالفيه، وإن كان يراد بها أن تعكس
قوة في الحق، وثباتاً على الموقف، فإنها في الحقيقة لا تعكس أياً
منهما، لأن أغلب مخالفيه ليسوا طلاباً في مدرسة، ولا ينقصهم إيمان
كإيمان الشيخ، ولا علم كعلمه، وبالتالي فإن الغلظة لا تؤدي إلا إلى
توتير الأجواء، وتعميق الهوة بين الآراء. ولا يطرب لهذه الغلظة إلا
مجموعة من محبي الشيخ المتعصبين لآرائه، فينشرونها في المنتديات
مسبغين عليها صفات بطولية غير واقعية، (الفوزان يفحم فلاناً..)
و(الفوزان يلجم علاناً..)، ويبرزون الكلمات شديدة الوقع، ويمجدون
العبارات الحادة الجارحة. ولا عزاء للحوار الجاد العقلاني الذي لا
إفحام فيه ولا إلجام، وإنما سعيٌ عقلاني من الطرفين للوصول إلى
قاعدة من الفهم والتعايش والاختلاف النقيّ والاحترام المتبادل.
والشيخ الفوزان من أنشط أعضاء هيئة كبار العلماء في التعاطي مع
الصحافة، والمناظرة مع المخالفين. وهذا نشاطٌ يشكر عليه، لأن ما
يقوم به، وإن كان (مناظرة)، إلا أنه يفتح باب الأمل في أن تتحول
إلى (حوار) يوماً ما، وتعزز من مفاهيم التعددية في ذهنية المجتمع.
ولكنا تمنينا على الشيخ لو أنه عالج ردوده تلك معالجة تحريرية
بسيطة لا تجعلها تبدو وكأنها تحطّ من شأن الخصم، بينما هي تناظره.
وتمنينا عليه لو أنه تدارك تلك الأحرف القليلة التي سقطت من ألقاب
مخالفيه الذين اجتهدوا وفكروا وكتبوا وأبلوا بلاءً فكرياً حسناً في
مشهدنا الفكري السعودي لا يقلّ بأي حال من الأحوال عما أبلاه الشيخ
نفسه من أجل إصلاح المجتمع، وشدِّ عضد الوطن. |