نزلت مجموعة من
طالبات إحدى الجامعات الأمريكية الراقية
وطلابها في ضيافة قبيلة الهادزا الإفريقية
البدائية في تنزانيا كجزء من الأنشطة
الثقافية للجامعة، وكان ضمن جدول الأعمال
التعليمي مشاركة أفراد القبيلة في كل مهام
حياتهم اليومية، ومنها رحلتهم الصباحية
إلى التل القريب، ليقطفوا من التوت البري
قوت يومهم. خرج الطلاب الأمريكيون من
خيامهم الرطيبة في الصباح الأول، واستعدوا
كما كانوا يتوقعون ليوم طويل من العمل
الشاق، في ظروف ضيقة، وموارد قليلة
وبدائية، هم القادمون من أكبر مجتمع
استهلاكي في العالم، ولا يتجاوز عمر
أكبرهم الثالثة والعشرين، يملؤهم الحماس
لرحلة التوت، وتجربة البساطة، ومشوا وهم
يستمعون لأهازيج القبيلة المعتادة في هذه
الرحلة القصيرة، ويتخاطبون معهم بلغة
الإشارة، أو من خلال ما تتيحه إنجليزية
المترجم التنزاني الركيكة،وعندما وصلوا
إلى أجمة أشجار التوت، قطفوا منه ما
قطفوا، وأكلوا حتى شبعوا جميعاً، وأقفل
أفراد الهادزا عائدين إلى القرية، بينما
هرع الأمريكيون إلى المترجم ليطلب منهم أن
ينتظروا قليلاً، حتى يتسنى لهم جمع المزيد
من التوت، من أجل الغد. وبقدر ما كان قرار
الطلاب الأمريكيين يبدو بدهياً،
واقتصادياً، وبشرياً في طبيعته النازعة
لامتلاك المزيد، وتخفيف عبء المجيء مرة
أخرى، بقدر ما قرؤه الإفريقيون البدائيون
على أنه سذاجة من سذاجات سكان المدن، وخفة
في عقول الغرباء. وكما يصف الطلاب الموقف
فيما بعد في مدوناتهم وتقاريرهم حول
الرحلة: كان أفراد الهادزا عاجزين تماماً،
تماماً، عن استيعاب الفكرة أصلاً، فضلاً
عن انتقادها! فإذا كان التل موجوداً منذ
خلقوا، وأشجار التوت باقية حتى الغد،
فلماذا يقطفون ما يزيد عن حاجة يومهم،
وسعة بطونهم؟ ولماذا يكلفون أنفسهم حملاً
زائداً على ظهورهم، وأكواخهم، مادامت شجرة
التوت تحفظ لهم كل يوم نصيبهم منه طازجاً،
طيباً، وقريباً؟ لقد بدا جلياً لمجموعة
الطلاب أن مبدأ التوفير، والتخزين،
والتفكير في الغد، هو بدعة كبيرة بالنسبة
لقبيلة الهازدا، لم يعرفوها من قبل في
آبائهم الأولين. ولعقود طويلة، كان أفراد
القبيلة يترددون على أجمات التوت ليأكلوا
فقط، ولم يحملوا معهم يوماً وهم عائدون
حبة توت واحدة.
كان ثمة فرق هائل جداً في تفسير فلسفة
الاستهلاك بين المجموعتين، وهذه ومضة
حياتية ستظل عالقة طويلاً في أذهان الطلاب
الذين وجدوا أنفسهم فجأة أمام حالة مراجعة
شاقة لما دأبوا على فعله طوال حياتهم دون
حساب، وسينتبهون جيداً إلى عادات
الاستهلاك التي تضرب الآن في صميم علاقة
الإنسان بالطبيعة، كواحدة من نفايات
ماكينة الحضارة الإنسانية، إزاء منافعها
الكبرى طبعاً، ولكن الفكرة الواضحة هنا هي
أن اقتناء ما هو زائد عن الحاجة، ليس
ممارسة فطرية كما يظن، بل إنه في الحقيقة،
طارئ حضاري، فرضته ظروف الوفرة.
تركت تلك الرحلة آثارها
الكبيرة على أنفس الطلاب الذين توقعوا أن
وراءهم يوماً شاقاً من الكدح على الطريقة
البدائية، ليتفاجؤوا بأن الجدول اليومي لأفراد
الهادزا كالتالي:ساعتان فقط في الصباح تكفيان
لقطف التوت البري، والبحث عن العسل، وصيد
الطرائد الخفيفة، ثم يقضون بقية اليوم كله في
الرقص الشعبي، والألعاب الخفيفة، وتسلية
الأطفال، وسرد الحكايات، والاسترخاء بجوار
النار. هذه هي حياتهم منذ قرون، ولم تتغير.
بينما يحتاج الفرد في المجتمعات المتقدمة أن
يعمل نصف ساعات اليوم على الأقل، ثم يقضي
النصف الثاني قلقاً على ما قام به من عمل في
النصف الأول. هذا هو ثمن الحضارة، وهذه هي
ضريبة الإمعان في حصد مكتسبات الحياة. ولستُ
بصدد انتقاد الحضارة كمشروع إنساني لصالح
البساطة البدائية هنا، فهذا مستحيل بكل
المقاييس السوسيولوجية، والأنثروبولجية، عطفاً
على أنه سيغضب الكثير من الفلاسفة الميالين
للتحضر مثل روسو، ولكن على الإنسان أن يكون
واعياً أثناء ممارسته الحضارة بالتغييرات التي
تحدث في فطرته، وبالتحولات التي يعمل في حياته
على ترسيخها كثوابت بشرية، بينما هي مستجدات
جعلتها المرونة العقلية للإنسان، ممكنة،
ومقبولة. هذا الوعي بما هو أصل، وما هو
مستحدث، هو ما يعول عليه في تدبير اقتصاد
الدنيا، وإعادة تعريف الضروري والكمالي بشكل
اقتصادي علمي، وليس في سياق وعظي وأخلاقي لا
يستمر طويلاً في الغالب.
لقد أصبحت مشقة العيش في العالم الأول لا تقل
كثيراً عنها في العوالم الأخرى! ذلك أن قائمة
الحاجات الإنسانية في العالم الأول ما زالت
تنمو باطراد، وهرم ماسلو المأثور إياه أصبح
عدة أهرام بلورية لا تعرف في أي منها السفح من
القمة، وما زال الإنسان ينزع لامتلاك ما لا
يملك، فإذا امتلكه تعود عليه، وإذا تعود عليه
جزع لفقده، وإذا جزع لفقده قرأ الآخرون هذا
الجزع خارج سياقه الكامل، وربطوا بينه وبين
المفقود ربطاً مصيرياً خاطئاً، يكون من نتائجه
إطالة لائحة الضرورات، والأساسيات، وما لا
يمكن العيش بدونه، ثم تستلم النظم الاقتصادية
هذه اللائحة المزيفة لتعيد توجيه الدفة نحو ما
يحققها، وهي أطول مما تستطيع، فتعجز عن
الإتيان بالنتائج المتوقعة، لأن الاقتصاد هنا
تم تسخيره لتحقيق الرغبات الجزئية، وليس
الضرورات الكلية، فشقّ عليه الجهد،وقعد دونه.
أفراد الهادزا لم يقيدوا أنفسهم حتى بالزراعة.
ذلك أن الزراعة تتطلب منهم أن يقلقوا على
اكتمال ظروفها أولاً، ثم أن يتعلقوا بآمال
الحصاد. ولربما اعتقدوا أن القلق ثم الأمل
والترقب، من العادات البشرية الضارة! وتتعارض
مع حريتهم النفسية التي لا ينفكون يعتنون بها
كثيراً، ويرونها أس سعادتهم. ولاشك أن صدر فرد
واحد من أفراد الهادزا أرحب من ثلاثة أحياء
متجاورة في مدينة كبرى. ولذلك فشلت جهود
الحكومة التنزانية في تأهيلهم عندما منحتهم
أدوات زراعية، وقنوات للري، فولى عنها أفراد
القبيلة وجوههم، وآثروا أن يعيشوا مدللين في
كنف أمهم الطبيعة، في طقوس من الحرية لا يعرف
لغتها إلا من أمسى آمناً في سربه، معافى في
جسده، وفي التل القريب، يجد قوت يومه. والغريب
أنهم يعيشون بدون زعماء، وبدون أي نظام سياسي
على الإطلاق، وكأنهم عرفوا من قبل آثام
السياسة، فاجتنبوها. إنهم محسودون لو راقبتهم
عينٌ حكيمة، أما العيون الأخرى فتزدريهم. ذلك
أنهم يعيشون نمطاً من الحياة لا يمكن التحول
إليه اختيارياً على الإطلاق، ولا يمكن أن يعيش
هذا النمط إلا من ولد عليه، وإلا لنازعهم على
هذه السعادة كل قبيل الأرض. وعنهم تقول مرشدة
المجموعة الطلابية الأمريكية الزائرة (بكل
مقاييس السيكولوجيا المعروفة، لم أر في حياتي
بشراً أكثر سعادة من هؤلاء!)
|