|
في مجتمعنا (شباب
كول)، ورغم أنهم (كول) إلا أن الجميع يبدي امتعاضه منهم في المجلس
والشارع والمقهى، ويتعجبون من وجودهم وكأنهم نيازك تائهة سقطت من
الفضاء فجأة، وليسوا أبناء هذا الوطن المعجونين بتراب أرضه
المولودين تحت سمائه. الحالتان ليستا غريبتين أبداً على سنن البشر.
فدائماً هناك خارجون عن السائد التقليدي، ودائماً لا يغفر المجتمع
هذا الخروج. وكونهم شباب (كول) أو بنات (كول) فإن هذه الصفة
اللطيفة cool
لا تعفيهم من الامتعاض الاجتماعي. هذه السُّنّة البشرية تكرر نفسها
بغض النظر عن انغلاق المجتمع أو انفتاحه، أو حالات الأفراد
الشخصية. حدثت تماماً مثلما تحدث اليوم في المجتمعات القديمة
والحديثة، الفقيرة والغنية، المتوترة والمستقرة، الكبيرة والصغيرة،
على حد سواء.
المجتمعات تخترع
تقاليدها بديموقراطية سلوكية بطيئة التحوّر. ذلك أن الفرد عندما
يتفاعل سلوكياً مع المجتمع بتلقائية البدايات فإنه لا يعيش فقط، بل
يسجّل نمط معيشته الممكن مشاركاً بذلك في التعبير عن رأيه في
الطريقة التي يجب أن يتشكل بها المجتمع في أعرافه وعاداته وهرميته
الأخلاقية. نحن لا نتحدث عن القانون والدين والسياسة وبقية القوى
التي تؤثر على حركيات أي مجتمع لأنها قوى مسلّطة من الخارج على
جمهور بشريّ، وليست قوى منبثقة من الداخل كسلوك فطريّ لمجموعة
أفراد يسعون إلى تشكيل مجتمع. إذن التقاليد والعادات والأعراف هي
نتائج تراكمية لسلسلة طويلة من التفاعل البشري بين أفراد هذه
المجموعة، جربوا فيها طرائق عدة للعيش اجتماعياً بألم أقل، وراحة
أكبر، وتوصلوا أخيراً إلى منظومة ما، في مرحلة ما، في جيل ما،
تناسب أكبر عدد ممكن منهم.
عندما تتفق
الذهنية الاجتماعية على هذه المنظومة الأثيرة وجدواها في إسعاد
المجتمع ورعايته، فإنه يتم المبالغة في حمايتها باعتبارها أكسير
الاستقرار الاجتماعي. وهذا ما فعله كل مجتمع بشري تقريباً، على مر
العصور. فحماية هذا المكتسب الاجتماعي المعنوي هو سنّة بشرية، إلا
أنها تتحول إلى خطأ تاريخي تنزلق فيه المجتمعات دون وعي وعلى مر
السنوات. فأفراد المجتمع لوهلة نسوا أنهم لم يكونوا ليبلغوا هذه
المنظومة التي تمنحهم الراحة الأعلى، والألم الأقل لولا أنهم
أمعنوا في ذلك التجريب السلوكي الحر والبطيء الذي ظلوا يمارسونه
يومياً باعتباره طريقة عيشهم العفوية، وتلقائيتهم في التعامل مع
ظروف الحياة.
هذا يجعلنا ننتبه
إلى أن القدرة على (التغير)، ثم القدرة على التعامل مع (التغيير)
هما الشريانان الرئيسان في قلب أي مجتمع، والتجريب هو كهربيته التي
تجعله يجرب كل مرة.. نبضة جديدة! وعندما يثبّت المجتمع منظومته
تلك، باستخدام المثبّتات التاريخية المعهودة من سياسة وقانون ودين
وغيرها، فكأنما يطالب بتحنيط الجسد الاجتماعي حتى يظلّ في ريعان
شبابه المستقر ذاك، ومهما بدت تلك الحالة مقنعة فلسفياً باعتبارها
حالة اجتماعية مثالية تستحق التثبيت، فإنها في المقابل حالة غير
ممكنة، ومتعارضة مع طبيعة البشر النزاعة للتجريب والاختلاف والتميز
والمزايدة.
وكما ذكرنا من أن
(تشكيل) المنظومة الاجتماعية من الأعراف والتقاليد تمت بعملية
ديموقراطية سلوكية بطيئة اشترك فيها أفراد المجتمع جميعاً بطريقة
عيشهم، إلا أن (تثبيتها) مع تجاهل الزمن هو عملية ديكتاتورية،
لأنها تستجيب لرغبة المجموعة التي كانت هناك عندما بدأت المنظومة
في التشكل، وتتجاهل رغبة المجموعة التي ستأتي، من الصغار، والأجيال
القادمة الذي سيرثون المجتمع من بعدهم. وكلما مر الزمن، أصبحت
المجموعة القديمة (أقلية) إزاء المجموعة الجديدة المتزايدة. وبهذا
يظل المجتمع مؤتمراً باختيارات الأقلية، متجاهلاً رأي الأغلبية،
وتلك آلية ديكتاتورية بحتة إذا حق لنا استعارة المصطلح السياسي في
السوسيولوجيا.
المجموعة الجديدة
بطبيعتها مكونة من أفراد يؤثرون ويتأثرون. بعضهم يتقبل بولاء
المنظومة التي لم يشارك في صياغتها، ويحترم (المثبتات) التاريخية
احتراماً متزايداً بمرور السنوات، وبعضهم الآخر يصرّ على حقه في
المشاركة في صياغة المنظومة الاجتماعية التي يتوجب عليه الانصياع
لها، والعيش وفق حدودها، ويرفض الصياغات التي حدثت من قبله، وأثناء
غيابه. ووفقاً لآلية التثبيت التي يستخدمها المجتمع، تتفاوت صعوبة
هذه المهمة. الأمر يشبه محاولة إجراء تعديلات على دستور اجتماعي
كلما تقادم، كلما استعصى على التعديل دون اجراء تغييرات جذرية. هذه
الصعوبة هي التي تخلق لنا في كل مجتمع: خارجون عن السائد، وممتعضون
من الخروج!
شبابنا الكول إذن
ليسوا إلا أفراداً يقولون أن مدة صياغة منظومة الأعراف والتقاليد
ما زالت مفتوحة، والممتعضون منهم يقولون أنها انتهت، ولا مجال
للزيادة. وكما يبدو، فهم يملكون طاقة كافية لتجاهل هذا الامتعاض،
والبدء فعلياً في صياغة منظومتهم الخاصة. هكذا يتدرج المجتمع في
نموه الحضاري حتى ينتهي إلى مجتمع متعدد المنظومات، يقبل بشكل آلي
المختلف الجديد بعد أن ترهقه آلية التثبيت والحماية والامتعاض.
شبابنا الكول إذن، مهما بلغت درجة القبول أو الرفض لمنظومة القيم
والأخلاق التي يمارسونها، هم حالة اجتماعية ضرورية في السلم
الحضاري، ووجودهم بحد ذاته يدل على حراك إيجابي، في الوقت الذي
يتصور الكثيرون أن وجودهم سلبيّ كل السلبية، ويتشاءمون من مستقبل
المجتمع كلما صادفوا أحداً منهم. وفي حقيقة الأمر أن الشباب قد لا
يكونون (كول) كما يزعمون، (ليس باتفاق الجميع على الأقل!) ولكن
وجودهم بحد ذاته، في سياق فهمنا لحركية المجتمعات، هو (كول)! |