حوار الداخل والخارج

جريدة الوطن السعودية


يحق لمتابعي مؤتمر حوار الأديان الذي دعت إليه السعودية في إسبانيا أن يتساءلوا إذا ما كانت القيادة السعودية قد قطعت شوطاً أبعد بكثير مما يمكن للمجتمع السعودي اللحاق به في الوقت الحاضر، وإذا ما كانت الرؤية المتقدمة للملك الذي سعى للحوار مع غير المسلمين في شؤون بشرية كبرى بكل أريحية قد سبقت (بعض) أبناء شعبه الذين ما زالوا عاجزين عن الحوار فيما بينهم في شؤون فقهية صغيرة دون أن ترتفع أصواتهم. يقول الملك للعالم من إسبانيا إن الاختلافات لا يجب أن تكون سبباً للصراع بين الأديان، رغم أنها اختلافات على مستوى العبادة، بينما تستمر بعض تيارات المجتمع لدينا في صراعها السلبي المثير للشفقة على اختلافات ثقافية وأخلاقية وسلوكية. فأين هذا من ذاك؟
ورغم تلك الهوة السحيقة بين مستوى حوار الخارج وحوار الداخل إلا أن البعض قد لا ينتبه إليها. ولربما أشدنا بحوار (الأديان) بينما نحن لم نعترف بعد بحوار (المذاهب)، ولربما اتفقنا على التعايش مع من يخالفوننا قانون الله في العبادة، بينما نزجر أبناءنا على مخالفة قانون الأب أو الأم في الأسرة. ولربما ابتسمنا لمرأى المسيحي واليهودي والمسلم في حالة صفو وود في ربوع إسبانيا، وعبسنا في وجه الصديق الذي مال بعض الميل إلى أفكار التيار الاجتماعي المضاد في ربوع (الاستراحة). إننا ننجح إذاً في حوار الخارج، رغم أننا ما زلنا نسجل درجات متدنية في حوار الداخل، بكل المقاييس الحضارية.
إذا كنا نشعر أن القيادة موفقة في فكرة هذا المؤتمر ورعايته، وهو ما تكاد تجمع عليه دوائر الرأي في العالم، فمن الضروري أن يسأل كل منّا نفسه عن مدى تفعيله لقيم الحوار على المستوى الشخصي، وفي المحيط الاجتماعي القريب. هل قبلنا اختلافات أولادنا، وجيراننا، وأبناء مجتمعنا، على المستوى الفكري والديني والأخلاقي قبولاً كاملاً وودّياً قبل أن نزعم أننا ندعم المشروع الذي نقبل فيه الآخر الهندوسي واليهودي والبوذي؟ الإجابة تبدو سلبية وفقاً لما نلاحظه في المشهد الاجتماعي اليومي الذي يغلب عليه التشنج ورفض الآخر. هذا ما يجعلنا ننظر إلى حوار الأديان، ومن قبله الحوار الوطني، (وكلاهما مشروعان تبنتهما القيادة بالكامل)، بوصفهما (سبّورة) اجتماعية ضخمة تحاول القيادة من خلالهما تعليمنا أبجدية الحوار والتعايش مع الآخر، فيتفوّق البعض منا، ويصر البعض الآخر على البلادة الاختيارية.
خطوات القيادة واسعة جداً في هذا الطريق نسبة إلى خطوات المجتمع المتعثرة. ولكن قدر القيادات أن تتنكب الطرقات الصعبة، وتمهد الطريق للمتردد المتشكك من الناس في جدوى المشروع، أو الذي يصفق له ليصرف الأنظار عن فشله الشخصي في تكوين أي مشروع حواري، أو حتى تلك النخب التي اعترضت على مشاركة المملكة في مؤتمر كهذا، فضلاً عن رعايته، فأحجمت عن الدعم، وسكتت عن التعليق، تاركةً علامات الاستفهام الكبيرة معلقّة في سقف الوطن.
ثقافة الحوار إذاً ما زالت معادلة صعبة على المجتمع، حتى على أولئك الذين ظنوا أنهم مارسوه مراراً، بينما هم في الحقيقة اختصروه في ممارسة شكلية مثل الجلوس على طاولة مستديرة، وطرح مشكلة ما للنقاش. وهم بذلك فعلياً لم يتجاوزوا حالة (النقاش) هذه التي هي مجرد صيغة كلامية سطحية، وجلسة مفاوضة فكرية تنتهي غالباً بتوصيات بدهية لا تفارق الأدراج. وهم بذلك لم يصلوا إلى لب (الحوار) الذي هو خطاب عقلي ثنائي مرتكز على قيم الاحترام والتعايش والإيمان بالآخر وحقوقه كالإيمان بالذات، وهو سلوك هادف إلى مخالطة فكر الآخر، ومحاولة التعالق مع الإنساني المشترك فيه، وليس تغييره أو دحضه البتة. وليت أن تفويت (الحوار)، والانزلاق إلى مستوى (النقاش) يبقى عند هذا الحد. الأسوأ من ذلك عندما يتحول إلى (مناظرة)، تلك الممارسة التي طالما أعلينا من شأنها وشأن مرتكبيها، ووصفناهم بالحكمة وقوة الحجة بينما هي ليست إلا مطارحة جدلية تحوِّل العقل الذي هو آلة تواصل إنساني إلى آلة جدل عضلية فحسب، مهما بلغت قوتها تظل خالية من قيم (التواصل)، ومحشوة بقيم (التدافع).
رغم ذلك، فمشروع حوار الأديان الذي تبنته السعودية، رغم كونه متقدماً عدة خطوات عن مسيرة المجتمع الحوارية، إلا أنه جاء في وقته تماماً، إن لم يكن كمؤتمر للبحث والتواصل وتسليط الضوء على دور الأديان في تقريب الأتباع بدلاً من تفريقهم، فليكن على الأقل منبراً كبيراً لبعث رسالتين، الأولى موجهة إلى الخارج بأن السعودية متجهة نحو لعب دور أكبر في نشر السلام بين البشر، سواء من منبرها الديني أو الاقتصادي، والثانية إلى الداخل بأن اليهودي والمسيحي والهندوسي لم يعد عدواً مطلقاً كما ظلّت قوى التحرز المؤدلجة تروّج زمناً طويلاً لذلك، متكئة على أجندة التطرف، بل هم شركاء للمسلم في توجيه دفة العالم نحو السلام والرغد الإنساني.
إنه تحدينا اليومي كمجتمع أن نكون على مستوى توجهات القيادة. مشاكلنا الصغيرة مع من يخالفنا الرأي تحتاج إلى إعادة نظر وفق قيم حوارية جديدة، بعد أن حسمناها من قبل وفق قيم صراعية اجتماعية وتيارية أحادية. الرسالة واضحة جداً من أن الحوار هو ثقافة المرحلة، ومن لا يتحاور يعرض نفسه للموت الاجتماعي، والجفاف الفكري وحيداً. الحوار إذاً ليس ترفاً حضارياً بقدر ما هو طوق نجاة للخروج من أزمات عالمية ومحلية لا يبدو التنبؤ بمستقبلها مبشراً

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي