|
نحرم المرأة
السعودية من 365 ألف فرصة عمل في الجبيل.. ثم نستقدم مليوني خادمة
غير سعودية ونضربهن بالعصي في مكاتب الاستقدام! إذن لم تسلم المرأة
المواطنة ولا المرأة الأجنبية من هذه الأنظمة والإجراءات التي
تعيقهن من الحياة بشكل مشروع وطبيعي كفرد منتج وذي كرامة في مجتمع
حيوي. وزارة العمل التي راحت تصارع وحوشاً هائلة من الثقافة
الرسوبية، والتعقيدات القانونية، والأقفال الاجتماعية، والهياج
الشعبي، ومافيا التأشيرات لم تعد تدري أي شق ترقع، وأي ورم تعالج.
ها نحن نفاجأ بصدمتين في صحيفة واحدة، وما خفي عن أعين الصحافة
أعظم وأشد إيلاماً!
365 ألف فرصة عمل، تعني فتح 365 ألف بيت يعيل مليون مواطن على
الأقل. كل هذه الكعكة الطيبة من الرزق الوطني لا نصيب للمرأة فيه،
ولو امتدّت إليها يدها طمعاً ورغبة في خيرات وطنها لقَطَعَها هذا
التمييز الجندري المتعسف. أليس من العجيب أن المرأة تشاركنا الكوكب
منذ بدأت الخليقة قبل ملايين السنين إلا أننا حتى الآن لا نعرف كيف
(نعمل) معها في شركة أو مصنع أو معمل دون أن تنطبق الأرض على
السماء، ودون أن تحيق بنا كل الكوارث الاجتماعية الممكنة؟ والتي
هي، لفرط الغرابة، كوارث محلية، لا يمكن أن تحيق بغيرنا من
المجتمعات التي حسم فيها الأمر من قبل، و.. لم تحدث الكارثة!
كلنا نعلم أن أنظمة العمل والعمال في السعودية، نظرياً، جيدة وعلى
مستوى حقوقي عال. ولكن تنفيذ ذلك الذي في الورق كان من التهالك
بحيث لم يشعر صاحب مكتب الاستقدام بأي حرج في ترهيب الخادمات
بالعصا. لم يخش أن ينتهي به هذا التصرف إلى السجن مثلاً، بتهمة
الاعتداء البدني، ولم يخش أن يوقف نشاطه التجاري، ويمنع من ممارسة
الاستقدام إلى الأبد. بكل برود، مارس هذا النخّاس السعودي عمله بكل
هدوء، وسط مكتبه الذي لا شك أنه يحتوي، في درج من الأدراج، على
نسخة من نظام العمل والعمال.
ما معنى أن تتاح فرصة اقتصادية بهذا الحجم لرجال المجتمع دون
نسائه، ولا يترك لنا القائمون عليها تبريراً صغيراً نبتلع به مرارة
هذه التفرقة الجنسية البغيضة؟ وما معنى أن يمنح صاحب مكتب استقدام
نفسه الحق باستخدام التهديد والتعذيب البدني والنفسي بحق الخادمات،
وكأنه يمارس روتيناً عملياً يومياً لا يندى له الجبين؟
ما الذي يجمع بين هاتين المصيبتين اللتين طالعتنا بهما "الوطن" قبل
يومين إلا أننا الآن، كمجتمع، نمرُّ بالمأزق الكبير الذي طالما
بشرت به ثقافتنا المأزومة في كل ورطاتها الكبرى في تفسير الحياة
المجتمعية، لاسيما في رؤيتنا للمرأة والآخر. كنّا لنفتخر بأننا
نوفر خمسة ملايين فرصة عمل لغير السعوديين، كإسهام مباشر منا كدولة
غنية في إحياء خمسة ملايين أسرة حول العالم، بالإضافة إلى الأسر
السعودية كافة، فإذا بنا، بسبب قصور الأنظمة وضعف التخطيط، وتمجيد
الثقافة على علاّتها، نصبح من أكثر المتهمين بالعالم بالسُّخرة.
وكنا لنفتخر بأن الحراك الاقتصادي والمساواة بين الجنسين يتحركان
في اتجاه حضاري واحد، فإذا بنا نقيم عرساً اقتصادياً، ومأتماً
اجتماعياً في يوم واحد، ونحرم نصف المجتمع من فرص وظيفية هائلة
كهذه بدون أي سبب مقنع، إلا مجاملةً لمن لا يرضيه إلا هذا الوضع
المائل، ويظنه قائماً. فلا نحن إذن ظفرنا بسمعة عالمية حسنة في
الخارج، ولا نحن حققنا توازناً اقتصادياً اجتماعياً في الداخل، رغم
أنا مؤهلون بكل المعايير لكلتا الحسنيين، وبكل جدارة.
وطننا الجميل الصبور الشاب يئن تحت وطأة المجاملة القانونية لقوى
التشدد الاجتماعي التي تتحكم في حياة المرأة وكأنها عضو تابع
للمجتمع، وليست عضواً رئيساً يملك حق اختيار العمل أو عدم العمل.
وطننا الجميل الصبور الشاب أيضاً قطع مشاوير تنموية هائلة، ونسي أن
يعيد شحن بطاريته الثقافية من حين لآخر بما يتناسب مع ما هو مقبل
عليه، لا ما هو مدبر عنه. أن نحرم المرأة من العمل في وظائف معينة
قابل للتبرير، لوجه الجدل لا أكثر، وإلا فهو مستعص على التبرير
تماماً، أما أن نعلن عن واحدة من أكثر الفرص الاقتصادية ازدهاراً
ثم نستثني المرأة منها وكأن الأمر استثناء معتاد في بند مورورث،
وليس ظلماً اجتماعياً مبيناً لم تعد تمارسه أي دولة في العالم،
فتلك إشكالية مواتية جداً للمكاشفة، والمصارحة. أليست الجبيل التي
تفيء على هذه البلاد من الرغد والازدهار مدينةً حَرَيّة بأن تفيء
عليها أيضاً بفتح اجتماعي كبير، يغيّر المواضع المتقادمة من
الثقافة السائدة، ويثبت بالتجربة أن عمل المرأة في فرص متساوية مع
الرجل ليس سبباً رئيساً لكسوف الشمس، ولا خروج الدجّال؟
وطننا الجميل الصبور الشاب أيضاً تساهل كثيراً في حقوق الآخر، حتى
لم تجد مكاتب الاستقدام في نظريات إدارة الموارد البشرية وعلومها
المتجددة أفضل من ضرب الخادمات بالعصيّ لكي يعملن دون اعتراض.
لاحظوا أن الخادمة التي ترفض العمل يتم اتهامها مسبقاً بالتخاذل
وسوء النيّة، وكأن كل أرباب العمل في السعودية مثاليون ولا تشوبهم
شائبة، ويوفرون بيئات عمل مثالية وعادلة، يعاملون الخدم وفق ما جاء
في نظام العمل والعمال، رغم أن غالبيتهم لم يقرأ منه سطراً.
وطننا الجميل الصبور الشاب ينتظر اليوم الذي تضاعف فيه وزارة العمل
من صلاحيات إدارة الشكاوى العمالية إلى الحد الذي تحولها إلى هاجس
يرهب كل رب عمل في السعودية من الإخلال بحقوق الخدم والعمال، حتى
لا نعود نراهم يعملون في القيظ، ولا يضربون بالعصيّ جهاراً، فهل
ترانا سنفرح قريباً بغرامة مؤلمة تفرض على شركة مقاولات كبرى، أو
نرى صاحب مكتب استقدام وراء القضبان؟ |