المرأة القسيسة والمرأة الإمامة

موقع العربية


الفاتيكان يأسف بشدة على سماح كنيسة انجلترا للمرأة بالعمل قسيسة، مخالفة بذلك الأعراف المسيحية العريقة التي لا تسمح للمرأة بتبوء هذا المنصب الديني الرفيع. القصة نفسها تكررت عندما قامت السيدة (أمينة ودود) بإمامة الصلاة في الولايات المتحدة، فاستوت الصفوف وراءها، ولكنها اختلفت حولها في أصقاع الأرض. والقصتان معاً توحيان أن جدلية المرأة والدين دائمة وغير منقطعة حول حقوقها وحدودها فيه، ومدى المساواة بين الدور الذكوري والأنثوي داخل الدين الذي يؤمنان به معاً! ولم نعرف حتى الآن ديناً كبيراً في العالم بوّأ المرأة المنصب الديني الأكبر، فلا هي صارت ديلاي لاما للبوذيين، ولا بابا للكاثوليكيين، ولا حاخامة لليهود. وبالطبع، اعترض المسلمون بشدة على إمامتها الصلاة بالرجال، فضلاً عن تعيينها مفتية ديار، أو حتى قاضية محكمة صغيرة. السؤال الذي يطلّ برأسه من هذا الشقّ المتسع: إلى أين تتجه المرأة في ردهات الأديان؟ هل هي تصعد وتتحدى الميثولوجيا السائدة حول أهليّتها الناقصة لتبوء ما يتبوأه الرجل، أم أنها تتراجع فعلياً إلى الحد الذي استدعى معه وقوع ردود أفعال حادة كتلك التي قامت بها كنيسة انجلترا وأمينة ودود؟  

الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان، والتي تمتليء بالراهبات اللواتي يقمن بأعمال رئيسة ومهمة جداً من صلب العمل المسيحي، أبدت أسفها بشكل كبير لتصرفات كنيسة انجلترا، وقالت أن هذا التصرف يزيد من الشُّقَّة بين الكنيستين الكاثوليكية والأنجليكانية، لاسيما وأن كنيسة انجلترا ليست حديثة عهد بهذه القوانين التقدّمية، وسبق أن حازت قصب السبق في تعيين المرأة في مناصب عليا في الكنيسة أثناء السبعينات الميلادية. ما الذي يجعل كنيسة انجلترا بالذات على هذا المستوى من التقدّمية دوناً عن بقية الكنائس الكبرى، الكاثوليكية والأرثوذكسية على سبيل المثال؟ يراودني الشك أن النقد العلماني الإلحادي للكنيسة لعب دوراً في صياغة الفكرة، ودفع الأجندة للتحقق. ففي انجلترا تبلغ نسبة الملحدين 44% من البريطانيين، لا يؤمنون بأي دين على الإطلاق، بينما لا تتجاوز هذه النسبة 15% في إيطاليا، معقل الفاتيكان. أن يكون قرابة نصف المجتمع الإنجليزي من الملحدين فإن هذا يشكل ضغطاً نقدياً كبيراً، ويفتح مساحات كبيرة للديالكتيك الاجتماعي الذي يحاصر الدين بأسئلة منطقية واجتماعية صعبة الإجابة، لاسيما وأن المجتمع يراقب هذه الإجابات ويتخذ مواقفه حسب تأثيرها عليه فقط في مجتمع يمكن تغيير الدين أو التخلي عنه بسهولة دون الخوف من عواقب قانونية واجتماعية كما يحدث في بلدان أخرى. كيف يمكن لكنيسة انجلترا إذن أن تقنع 44% من الشعب الإنجليزي أن المرأة غير مؤهلة لتبوء منصب كنسي رفيع دون أن تواجه بسيل من السخرية والنقد الحاد والتوبيخ من الشعب الذي أسسّ أعرق ديمواقراطية في العالم؟ وكيف يمكن للشعب الذي تحكمه ملكة منذ خمسين سنة أن يقتنع بأن نفس المرأة لا تستطيع أن تدير كنيسة؟ وكيف يمكن لهم قبول تعطيل دور المرأة في قيادة دين هائل كالمسيحية في القرن الحادي والعشرين بحجة أن المسيح لم يقم بذلك قبل ألفي سنة؟ مثل هذه الضغوط الهائلة ربما دفعت كنيسة انجلترا لإعادة النظر في الموروث الميثولوجي المسيحي في محالة لإيجاد مخرج ما من هذا التجاهل التاريخي للمرأة، يخفف من وطأة النقد الشعبي الملحد، ويحتفظ للكنيسة بماء الوجه الاجتماعي، ويحمي مكانتها من السقوط والامتهان وتناقص الشعبية، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً مع الازدياد المضطرد في نسبة الملحدين منذ بداية القرن الماضي. مثل هذه الضغوط لا يمكن أن تتعرض لها الكنيسة الكاثوليكية مثلاً بحكم انتشارها في جنوب أوروبا وأمريكا اللاتينية عموماً، وهي دول لا تتمتع فيها المرأة بمستوى مساواة عال على أي حال، كما أنها دولٌ متدينة عموماً، مما يجعل امتثالها للعرف المسيحي غير قابل للمناقشة والجدل، ومما يجعل المنطق لاعباً غير مؤثر في اللعبة.  

التبرير نفسه ينطبق على حالة أمينة ودود التي لم تكن لتقوم بهذه الإمامة المختلطة إلا في بلد كأمريكا. ليس ذلك فحسب، بل وبعد أحداث سبتمبر التي ضاعفت من النقد العلماني والاجتماعي للإسلام كدين متهم بعدم المساواة. تلك الظروف خلقت لدى أمينة ودود دافعاً كافياً للسعي نحو الدفاع عن الإسلام بشكل عمليّ، وإيصال رسالة مباشرة إلى المتابع الأمريكي لهذا الجدل المتصاعد. ولقد فعلتها أستاذة الدراسات الإسلامية على الطريقة الأمريكية هذه المرة، والتي تقدم الفعل على القول.

لا يمكن التقليل من شأن النقد المنصبّ على الأديان إذن، ولا من تأثيره عليها تأثيراً بطيئاً وفعالاً مثل عوامل التعرية. الأديان مهما اتشحت بالأصولية، وتمسكت للثوابت، تظل ممارسة إنسانية، والإنسان عاجزٌ عن ممارسة الدين بمعزل عن التأثير الاجتماعي والجدل المحيط. كل تقدم يحرزه المجتمع في سلم الحضارة يضع الدين أمام خيارين: إما أن يتغير تغيراً متوافقاً مع التغير الحضاري، أو يواجه تراجعاً في الشعبية، وتصاعداً في حدة النقد. وعلماء الدين المحنكين يجيدون الإمساك بالعصا من المنتصف، تلك التي طرفها في قلب الميثولوجيا، وطرفها الآخر في قلب المجتمع الحديث. 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي