الحلم السعودي

جريدة الوطن السعودية


سمعنا عن (الحلم الأمريكي) الشهير كثيراً، ولم نسمع عن حلمنا السعودي، رغم أن الحلمين يتشابهان حد التطابق. ورغم الفروقات الثقافية والاجتماعية والقانونية الهائلة بين البلدين إلا أن التوافق في الأسس الاقتصادية أدى إلى هذا التشابه بين حلمنا السعودي والحلم الأمريكي بالذات أكثر من بقية الأحلام العالمية الأخرى. هذا لا يعني أن حلمنا أيضاً (تأمرك) على غرار بقية الأشياء، ولكن الظروف تشابهت، وكذلك فعلت النتائج. فعلى الرغم من البعد الجغرافي الهائل عن أمريكا، والقرب النسبي من أوروبا، إلا أن السعودية في رحلتها التنموية اقتدت بالنموذج الأمريكي دون غيره لأسباب تاريخية وتجارية معروفة. وتبنى الاقتصاد السعودي توجه السوق الحر، الذي هو ركن رأسمالي ثابت، وارتبطت العملة السعودية بالدولار الأمريكي، وتأثرت الأنظمة المالية السعودية بالنظم الإنجلوأمريكية عموماً. وبالطبع، لم يكن ثمة نموذج اقتصادي ناجح يستحق الاقتداء آنذاك على المستوى العالمي أكثر من النموذج الأمريكي والبريطاني، في الوقت الذي كان فيه الاقتصاد الأوروبي ركيكاً، ومطحوناً تحت عجلات السياسة، وممزقاً بين الضغوط الاشتراكية والرأسمالية المتنافرة. وبالطبع أيضاً، لم تكن اليابان موجودة على الخارطة الاقتصادية العالمية بعد.
والاقتصاد، أكثر من بقية العلوم الاجتماعية الأخرى، يسهم في صياغة سلوك الأفراد في أي مجتمع، ويؤثر في الحراك الإنساني والاجتماعي بشكل ملحوظ. ولذلك فإن طبيعة الاقتصاد الأمريكي هي التي خلقت ما يسمى بـ(الحلم الأمريكي) الشهير، مثلما أن طبيعة الاقتصاد السعودي اليوم بدأت تخلق لنا هذا الحلم السعودي الوليد. لأن الاقتصاد يؤثر أول ما يؤثر في السلوك الاستهلاكي للمجتمع، وهو السلوك الذي يتشابه كثيراً بين المواطن الأمريكي والسعودي، باستثناء الفروقات القانونية والضريبية التي تفرض أنماطاً متغيرة ما بين ولاية أمريكية وأخرى، والفروقات الاقتصادية والثقافية التي تفرض أنماطاً متغيرة ما بين مدينة سعودية وأخرى أيضاً. وأحد أمثلة ذلك هو مبدأ الاستهلاكية الذي طغى على السلوك الأمريكي بشكل واضح، ونراه طاغياً على السلوك السعودي أيضاً. فكلاهما، السعودي والأمريكي، مخلوقٌ مستهلِك، يستهلك منذ ولادته إلى مماته كمية هائلة من المشتريات والبضائع والكماليات والسلع، حتى تحولت هذه (الاستهلاكية) إلى أسلوب حياة، وليس مجرد عادة اقتصادية سيئة. والذي قرأ مقالة الدكتور علي الموسى قبل أيام (الوطن 30 يونيو 2008) يلاحظ أن (السعودي الجديد) الذي وصفه الدكتور في مقالته ليس إلا (الأمريكي الحالي) الذي كشفت دراسات حديثة أنه ينفق أكثر من 113% من دخله! والذي يتساءل كيف يمكن، منطقياً، أن ينفق شخص أكثر من دخله فهو لا يعرف أمريكا، بلد البطاقات الائتمانية!
الحلم الأمريكي، يحمل عدة صياغات تطورت مع تطور ظروف المجتمع الأمريكي والتحديات الصعبة التي مر بها عبر مراحله التاريخية، ولذلك فإن هذا الحلم نفسه يحمل عدة أبعاد اجتماعية واقتصادية وفلسفية. الاقتصادي منها يمكن اختصاره في رغبة المواطن الأمريكي العادي في أن يكون شخصاً ناجحاً من عمل شريف، يملك بيتاً جميلاً، وجيراناً طيبين، ويقترن بشخص يحبه، وينجب أطفالاً، ويعيش في رغد مستمر. أركان هذا الحلم الهائل الذي سعت وراءه أجيالٌ من الأمريكيين منذ الثلاثينات وحتى اليوم تكاد تتفق مع أركان الحلم السعودي الحالي، باستثناء أن حلمنا السعودي ما زال في طفولته، بينما الحلم الأمريكي قد بلغ أشده. ففي السعودية، هذه الدولة الشابة ديموجرافياً وتاريخياً، يحلم أغلب الجيل الناشئ بعمل ذي راتب مجز، وبيت (تمليك)، وشريك حياة مميز، وأطفال طيبين، وحياة عائلية وادعة وآمنة وكريمة، بدون تهديدات مادية واجتماعية معكرة للصفو الاجتماعي. الحلم السعودي يولد الآن بنفس الطريقة التي ولد بها الحلم الأمريكي في الثلاثينات. لم ينبثق من حلم سابق، ولم نرثه ممن عاشوا قبلنا. فأجدادنا لم يكونوا يحلمون، لأن الحلم ترفٌ لا يتيحه إلا اقتصاد قوي، وبلد آمن. وأمريكا لم تعرف ذلك إلا بعد الثلاثينات، والسعودية، رغم استقرارها الأمني القديم، إلا أن اقتصادها لم يكن بمثل هذه القوة التي هو عليها الآن. الاستقرار الذي مرت به أمريكا في العقدين اللذين أعقبا عقد الثلاثينات كان له أثره الديمجرافي في ولادة الجيل الذي يسمى (baby boomers)، والذي هو على وشك التقاعد الآن. وإذا لاحظنا أن أكثر من نصف سكان السعودية تحت العشرين، فسنعرف أن هذه الجيل هو جيل (baby boomers) السعودي، وهو بالتأكيد الرافد البشري المتين لاقتصاد بدأ يمكّن نفسه في العالم، بعد أن كان مجرد طفرة طيلة العقود السابقة منذ اكتشاف النفط.
أمريكيو ما قبل الثلاثينات، وسعوديو ما قبل السبعينات، لم يكن لديهم أحلام كبيرة، لأن ظروف الحياة لم تتح لهم إلا خيار الكدح اليومي من أجل توفير أساسيات الحياة، وليس كمالياتها التي يتركب منها الحلم. فلما توفرت الأساسيات لكل منهما بوفرة لا تستدعي القلق عليها مرة أخرى، انفرجت مساحة كافية للحلم الأمريكي كما صاغه (جيمس ترسلو أدامز) في كتابه (أجل أمريكا) الذي نشر عام 1931، وكذلك الحلم السعودي الذي ننتظر دراسات علماء الاجتماع والاقتصاد السعوديين حوله، لعلنا نفهم أحلامنا أكثر.
يتشابه الحلمان إذن في طبيعتهما وظروف ولادتهما في الذهن الاجتماعي، إلا أنهما يختلفان في فلسفتهما. الركود العظيم الذي جرح الوجدان الأمريكي في الثلاثينات جرحاً عميقاً جعل الحلم الأمريكي الذي ولد بعد ذلك حلماً واقعياً، متمحوراً بصرامة حول قيم العمل، والإنجاز الشخصي، والكدح، والدأب. فالمواطن الأمريكي الذي جرّب أن الجوع والفقر والاضطرابات الداخلية أثناء الركود العظيم، وبعد أن انهارت بورصة نيويورك أمام عينيه ذاهبة بأحلام الثراء السريع، تعلم من هذا شديد الإيلام أن يجعل حلمه واقعياً، وآمن أن تحقيق حلمه منوط بالعمل والإنجاز الشخصي، وليس بالصدف القدرية. هذه التشكيلة المثمرة من الأخلاقيات يمكن بسهولة تبيّن أثرها فيما كانت أمريكا عليه عام 1930، حتى 2008. من دولة يزحف مواطنوها الجوعى زحفاً إلى البيت الأبيض الذي كان يسكنه الرئيس هوفر آنذاك طلباً للخبز والعمل، إلى أكثر مواطني العالم استهلاكاً للسلع. ومن دولة لا تستطيع أن تدفع رواتب جنودها العائدين من الحرب العالمية الأولى إلى دولة تعتمد دول عديدة في العالم على معوناتها الاقتصادية. كل هذا رغم أنها دخلت في حرب عالمية ثانية، وانتصرت، وواجهت اضطرابات داخلية كثيرة، وتجاوزتها. السعودي في المقابل لم يمرّ بصدمة اقتصادية بمثل فداحة (الركود العظيم)، على العكس، تلقى السعودي صدمة اقتصادية معاكسة اسمها (الطفرة العظيمة). ولذلك فإن الحلم السعودي أقل واقعية من الحلم الأمريكي بكثير. إنه حلم فانتازي معلق بآمال الثراء السريع في سوق الأسهم، أو مطالبة الحكومة برواتب أعلى، وسلع أرخص. إذن، منح (الركود العظيم) الأمريكيين قيم العمل الخالدة التي صيّرتها إلى ما صارت إليه، ومنحت (الطفرة العظيمة) السعوديين قيم الهذيان، والاتكالية، فصرنا إلى ما صرنا إليه، والحمد لله على كل حال.
المهم، أنه صار لدينا (حلم)!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي