|
إما أن الإعلام
المحلي لتوّه مُنِحَ صلاحية نشر الانتقادات ضد هيئة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وبالتالي صرنا نسمع عن القضايا المرفوعة ضدها،
والآراء المنددة بتصرفاتها، والأخطاء التي تقع من أفرادها، أو أن
القوى المعارضة لنشاط الهيئة أصبحت أكثر تكاتفاً، وتنظيماً،
وتصميماً على إسقاط الحصانة الاجتماعية التي يتمتع بها هذا الجهاز
دون غيره من الأجهزة الحكومية. إذا كان الإعلام قد مُنح هذه
الصلاحية فعلاً، فلماذا الآن؟ وما هي الأجندة وراء تحويل الهيئة
إلى جهاز قابل للنقد والمحاسبة الإعلامية، بعد أن ظلّ لفترة طويلة
محصّناً ضد النقد الشعبي والاجتماعي، مستمداً هذه الحصانة من عوامل
آيديولوجية بحتة، وليس من عوامل تنظيمية حكومية يتطلبها العمل
الحكومي مثل المباحث والاستخبارات مثلاً. وإذا كان السبب الثاني هو
الأرجح، وأن القوى المعارضة استيقظت، فلماذا الآن أيضاً؟ وما الذي
جعل القوى المعارضة لعمل الهيئة، سواء كانت قوى قانونية، أو
ثقافية، أو تيّارية ترتب نفسها إلى هذا الحد غير المسبوق، وتستخدم
سلطة القانون والمحاكم، فترفع القضايا، وتجيّش الرأي العام، وتعمل
بإخلاص شديد، وفق منظومة إعلاميةّ مركزة، على إشراك المواطن مباشرة
في محاكمة الهيئة وتصرفاتها في المجتمع؟ هل رأت هذه القوى ضوءاً في
آخر النفق يجعل من نضالهم الثقافي ضد الهيئة مشروعاً قابلاً
للنجاح؟ أم أنهم فقط منحوا ضوءً أخضر طالما انتظروه والسلام؟
هل ثمة تبريرات
أخرى، غير المذكورَين أعلاه، وراء احتدام معارك الهيئة مع خصومها
على البساط الإعلامي والاجتماعي مؤخراً؟ هل من الممكن أن يكون
المجتمع، خلال العشرين سنة الأخيرة، بحروبها المندلعة، وإعلامها
المتفجر، قد تحرك عدة مربعات من خانة الخنوع الدوغمائي الذي يقبل
الهيئة كيفما تكون ومهما فعلت، إلى خانة تقرير المصير ومساءلة
السائد؟ هل وصل إلى سُدَدِ القرار الإعلامي والقانوني جيلٌ جديد من
المختلفين مع عمل الهيئة، سواءً على مستوى النظرية أو مستوى
التنفيذ، وراحوا يحركون قضيتها في دوائر الرأي العام والمجتمع
والمحاكم والعالم بأسره؟ السؤال الأكبر: هل هيئة الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، كنظرية، قابلة للتطبيق في مجتمع الغد بسمتها
الحالية؟ أم أنه أداة تنفيذية فقدت فعاليتها وبدأت رحلتها على
الطريق الذي يرصفه لها المجتمع نحو المتحف الحكومي؟
الذي عاش مرحلة
التسعينات الميلادية في السعودية يعرف أن الهيئة كانت أشد شراسة
وحماسة آنذاك، مدعومة بالوقود الصحويّ المباشر، والروح
التطوّعية/التسلطيّة البحتة التي كانت تنطلق بلا عقال، وتجنّد كل
متحمس دون تنظيم، وتحوِّل كل رجل يملك حماساً حسبوياً كافياً إلى
عضو هيئة غير قابل للّمس، ويمتلك صلاحية الاعتقال والمعاقبة والأمر
والنهي والزجر والنهر. هيئة التسعينات كانت تعتقل الشاب، أي شاب،
بتهمة التسكع في مطعم وجبات سريعة في وقت متأخر، وكانت تتحكم حتى
في طول الشعر الرجل وتفرض عليه عقوبة الحلق الآنية. كان المشي في
الشارع في غير اتجاه المسجد، في الوقت ما بين الأذان، وحتى تسليمة
الإمام، تعدّ سبباً كافية للتقرفص في مؤخرة جمس يقوده رجالٌ لا
يبتسمون. وكانت الخيزران المشهودة جزءاً من يد رجل الهيئة، يحدث
أحياناً أن تجد طريقها إلى ظهر بائع في محلات الأغاني، أو امرأة
عربية في مجمع تجاري، أو صبياً يلعب الكرة في الحارة مرتدياً ملابس
رياضية غير لائقة. وكانت خطط المداهمة عشوائية مبنية على الاشتباه
السطحي، أو الوشاية العابرة. بالتأكيد أن بعض هذه التصرفات ما زال
يمارسها بعض رجال الهيئة في مدن المملكة وقراها حتى الآن، ولكن ليس
بنفس الاعتياد والروتين والثقة الذين كانوا عليه في بداية
التسعينات الميلادية، وليس في المدن الكبرى على الأقل.
أما هيئة هذه
الأيام فتقوم عليها القيامة الإعلامية والاجتماعية عند اعتقالهم
رجلاً وامرأة في خلوة عمل، أو اشتباكهم مع مروج خمور، أو مطاردتهم
لسيارة مشتبه بها، رغم أن هذه الحوادث كانت تعتبر في التسعينات
جرائم لا يجادل فيها أحد، ولا يستطيع كائناً من كائن (باستثناء
الكائنات العليا طبعاً!) أن يعترض على طريقة تعامل الهيئة مع هذه
الحوادث. أما الآن، فيبدو أن هناك من أخذ ينازع الهيئة في
صلاحياتها الميدانية، ويناقشها في استراتيجياتها الحسبوية،
ويحاسبها على تصرفاتها اليومية. وأصبح رجال الهيئة معرضين للاعتقال
على هامش تحقيق، والوقوف في قفص الاتهام في قضايا عديدة، بغض النظر
عن فرص خسارتها أو كسبها. وصار مسؤولي الهيئة الكبار يجدون أنفسهم
على صفحات الجرائد للتبرير، أكثر من التنظير في غالب الأمر. يبدو
أن الأمور تغيرت كثيراً بين العهدين، فماذا حدث يا ترى؟
هل فقدت الهيئة
كثيراً من سلطتها الاجتماعية فعلاً بسبب الطريق الحتمي الذي تسلكه
ثقافة المجتمع نحو التعددية؟ أم أن الهيئة تعيد موضعة نفسها في
مساحة ممكنة وعملية داخل منظومة العمل الحكومي فحسب؟ لماذا أصبحت
دورات تطوير رجال الهيئة، والتعامل مع الإعلام، وتحسين الأداء،
ومحاسبة المخطيء، وغيرها في قمة هرم أولويات الهيئة هذه الأيام؟ هل
يعكس هذا محاولة طبيعية للتطوير يقوم بها أي جهاز حكومي؟ أم أنها
تعكس حالة طوارئ دفاعية لمواجهة انحسار الشعبية، وتصاعد الانتقاد،
واهتزاز القاعدة الآيديولجية؟
الإجابات
الموضوعية لهذه الأسئلة مثيرة للاهتمام فعلاً، وبالتأكيد سيكون
هناك العديد من الإجابات (غير) الموضوعية، والتي ستصب صباً في نفس
الاتجاه، وبنفس القالب، ونفس الطريقة من التيارات الاجتماعية حسب
موقفها المسبق من الهيئة. ولكن ضرورة الحصول على إجابات موضوعية
ليست فقط لمحاولة التنبؤ بمستقبل الهيئة ومصيرها في الضمير
الاجتماعي، والعمل الحكومي، بل لمعرفة أين يتجه المجتمع عموماً في
قبوله ورفضه لجهاز مثير للجدل مثل الهيئة، وكيف صار المجتمع،
قبولاً ورفضاً، يحدّد لنفسه الطريقة التي يريد أن يُدار بها، بدلاً
من أن تفرض عليه الأجهزة التنفيذية فرضاً. |