|
عالمياً، تتفوق
البنات في القراءة، والأولاد في الرياضيات. هذه ظاهرة تعليمية
تتكرر في أغلب مدارس العالم على اختلاف المناهج التعليمية والنظم
التربوية. وثبوت هذه الظاهرة إحصائياً على مدى عقود طويلة نزع
بالعلماء نحو تبرير ذلك بالاختلافات البيولوجية في تركيب الدماغ
رغم أنها لم تثبت بالدليل العلمي بعد. ويبدو أن العالم بأسره قد
سلّم بهذه الظاهرة، وقلّد الرجال مقاليد العلوم الهندسية والرياضية
والفيزيائية، وقلد النساء مقاليد أقل بكثير، أخرت كثيراً من تقدمهن
الاجتماعي والسياسي. وبالتأكيد، نجح الرجال تاريخياً في الترويج
إلى أن تفوقهم هو شأن مردوفٌ بالرغبة الإلهية، وهو حتمٌ محتوم، لا
يمكن تغييره ولا تبديله. واستنبطوا من هذه القناعة قوانين،
واختلقوا ثقافات، وأقاموا حضارات، كلها - إلا القليل منها - اعتمد
على تفوق الرجل اعتماداً كلياً في البناء السياسي والاقتصادي
والاجتماعي. لم تسلم من ذلك الأمم القديمة ولا الحديثة. باختصار،
استطاع الرجال عبر التاريخ - وبعبقرية - أن يحولوا المسألة من (فروق جندرية) إلى (حقوق أزلية)، ما زال العالم يكافح للتخلص من آثارها
حتى الآن.
المدارس تختصر هذه الجدلية التاريخية في إحصاءات صغيرة مثل درجات
الرياضيات والقراءة، والمجتمع يستقبل هذه الإحصاءات بطريقة تدعم
نظرية الاختلاف البيولوجي الذي لن يتغير، وتترجمها الأسر إلى
قناعات أسرية تشجع البنات على اختيار تخصصات ومهن محددة، وتشجع
الأبناء على غيرها، مما يضاعف هذه القناعة الاجتماعية، وبالتالي
ينتهي المجتمع إلى مهندسين أكثر، ومهندسات أقل، في مقابل ممرضات
أكثر، وممرضين أقل، وإذا أضفنا إلى ذلك أن الإنسان يميل إلى اختيار
قدوته من نفس جنسه، فقدوة البنات امرأة، وقدوة الأولاد رجل، فهذا
يجعل الطموح الذكري يتجه إلى اتجاهات محسومة سلفاً في العرف
الاجتماعي، وكذلك الطموح الأنثوي. وكل هذه الأسباب تجعل من اختيار
المهنة المخالفة للسائد الجندري مغامر صعبة ومحفوفة بالنقد
الاجتماعي المباشر أو تحفظه أو تهكمه، وفي أقل الحالات تعجبه،
وفي أشدها (منعه) بأداة سلطوية. وهكذا يتم تلوين التخصصات المهنية جندرياً دون أن يتساءل أحدهم، أو يتذكر: مَن الذي اختار هذه
الألوان؟ وما مدى اتساقها مع اللوحة الاجتماعية الكبيرة؟ وفي هذه
المرحلة من عمر المجتمع؟
الذي اختار الألوان هو ذكرٌ بطبيعة الحال، وسواءً كان اختياره لها
بسوء نية من باب التآمر التاريخي، أو الأنانية الجنسية، أو بحسن
نية من باب التكيّف المباشر لمعطيات وظروف تاريخية معينة يصعب
الانتباه إلى أنها انتهت، إلا أنها في الحالتين بنيت على نظرية
التفوق الذكري في النهاية، وهي النظرية التي يحاول التقدّميون
تحديها بكل الأدوات المتاحة، ابتداءً بالأبحاث العلمية، وانتهاء
بالثورات الاجتماعية، مروراً فيما بينها بإصدار التشريعات التي
تحرّم التفرقة الجندرية، وهي تشريعات تتمتع بها أغلب الدول
الغربية، ويتم احترامها في بعضها، والالتفاف عليها في بعضها الآخر.
وكل هذه الأدوات، مهما بلغت قوتها، عجزت عن انتزاع نظرية التفوق
الذكري من العقل الجمعي للمجتمع، لأن الشواهد المخالفة كثيرة، وليس
آخرها الفروقات الواضحة في درجات الرياضيات والقراءة!
ولكن دراسة جديدة قامت بها الجامعة الأوروبية في فلورنسا تحاول
إعادة النظر في هذه النظرية، لاسيما الشقّ الذي يحيل التفوق الذكري
على الاختلاف البيولوجي في تركيب الدماغ، والذي لم يتم إثباته
علمياً حتى الآن، واستبداله بتبريرات ثقافية واجتماعية. الدراسة
التي أجراها البروفيسور (لويقي جيسو) على أكثر من 276 ألف طالب
وطالبة، في عمر الخامسة عشرة، وفي أكثر من أربعين دولة في العالم
تقول إن فارق درجات الرياضيات بين الجنسين صار ينخفض تدريجياً في
السنوات الأخيرة، بل إنه اختفى تماماً في بعض الدول، وفي دول أخرى
تفوقت البنات في الرياضيات فعلاً! بل واحتفظن بتفوقهن في القراءة
أيضاً!
هذا لا يعني أن دماغ الأنثى يطوّر نفسه ليلحق بالرجل في الرياضيات،
رغم أن ذلك محتمل، بل إنه يلقي الضوء على عامل اجتماعي وثقافي آخر،
ربما كان هو السبب وراء هذا الفارق العالمي في الرياضيات بين
الجنسين، وهو ما يحاول البروفيسور جيسو إثباته عندما ربط بين
الفارق في درجات الرياضيات، مع مؤشر المساواة بين الجنسين، واكتشفت
أن الفارق يتقلص في البلدان التي تحققت فيها نسبة عالية من
المساواة بين الجنسين، ويزداد كلما نقصت نسبة المساواة.
وقد اعتمد البروفيسور جيسو في قياس المساواة بين الجنسين على
المؤشر الذي يصدره المنتدى الاقتصادي العالمي سنوياً، ويقيس الفرص
الاقتصادية والسياسية المتاحة للجنسين في كل دولة، ومدى عدالة
توزيعها وتوفرها للنساء والرجال. فالسويد التي تحتل المركز الأول
على مستوى العالم في المساواة بين الجنسين، تتمتع بناتها بدرجات
رياضيات متساوية مع أقرانهن من الذكور، وكذلك الأمر مع جارتها
النرويج، وكذلك آيسلندا التي تحتل المركز الرابع في مؤشر المساواة
قد تفوقت فيها البنات على الأولاد فعلاً في الرياضيات والقراءة
معاً. وكلما نقص ترتيب الدولة في مؤشر المساواة، ازدادت الفتيات
ضعفاً في الرياضيات، وبرز التفوق الذكوري، مثل تركيا وجنوب كوريا
مثلاً. وبالمناسبة، فإن السعودية تحتل الترتيب 124 من 128 في هذا
مؤشر المساواة بين الجنسين، متقدمة على أربع دول فقط، وهي تشاد،
وباكستان، ونيبال، واليمن. ولا ندري إذا ما كانت هناك دراسة ما
تقارن بين درجات الرياضيات والقراءة للطلاب والطالبات السعوديات.
هذه هي الدراسة بشكلها الأوليّ المبني على أدوات إحصائية بحتة تتيح
اقتناص الظاهرة، ومن بعد ذلك يبدأ تحليلها بأدوات اجتماعية وثقافية
ونفسية أعمق لفهم السبب الذي يجعل عقل المرأة أكثر تصالحاً مع
الرياضيات كلما شعرت بالمساواة مع الرجل، ولماذا يتعطل هذا الجزء
الرقمي من عقلها بالذات كلما كانت حقوقها أقل، وفرصها أندر؟ ولماذا
ظل تفوقها في القراءة مستمراً في الحالتين، مع زيادة طفيفة في حالة
المساواة مع الذكر؟ كيف تنعكس العدالة الجندرية على قدرات الدماغ؟
وهل كان دماغ الرجل ليضعف لو أنه جرب مرة واحدة في التاريخ، مجرد
مرة واحدة، أن تكون له حقوق أقل من المرأة؟ أم إن عقل المرأة وحده
الذي يعيش بهذه الحساسية؟
إذن، فالمرأة لم تنل حقوقاً أقل لأن قدراتها أضعف، بل إن قدراتها
صارت أضعف، لأنها مُنحت حقوقاً أقل منذ البداية. المرأة تقايض
نتاجها العقلي، بحقوقها الاجتماعية منذ البداية، ولكن التاريخ لم
يتح لها سوقاً مناسبة لتتم هذه المقايضة، ولهذا ظلت المرأة محرومة
من حقوقها الكاملة، وظل المجتمع محروماً من نتاجها الرياضي
والهندسي كذلك. |