حجاب الوزيرتين

موقع العربية


المشهد الكوميدي الذي حدث في البرلمان الكويتي الأسبوع الماضي عندما انسحب أعضاء الكتلة السلفية احتجاجاً على حضور (وزيرتين!) بدون حجاب هو ممارسة ديموقراطية مضحكة فعلاً. فيبدو أن القبة البرلمانية على اتساعها ليس فيها مساحات وزوايا كافية تتيح لهؤلاء الأعضاء الطاهرين أن يلقوا بأبصارهم فيها كي لا تقع على وجهي الوزيرتين فيأثمون، ولذلك قرروا أن يتركوا المجلس تماماً، في ممارسة تعرف في القاموس السلفي بإنكار المنكر، والمنكر هنا بالطبع يمكن تعريفه بطريقتين: فهو من ناحية: (سفور الوزيرتين)، ومن ناحية أخرى فهو: (الديموقراطية نفسها بوصفها مانحة لحقوق متساوية بين كل الأطياف الآيديولوجية، وبالتالي حرمت السلفيين من نصيب الأسد الذي تعودوا عليه من الحقوق الاجتماعية، وهذا بالنسبة لهم منكر طبعاً!)

وإذا تمسك السلفيون بالتبرير الأول، وتنصلوا من الثاني فتلك حياة صعبة إذن. إذ ماذا سيبقى لهم من شوارع الكويت وأحيائها الجميلة فيما لو أصرّ السلفيون على هذا الشرط البصريّ الصعب إلا أن يعودوا إلى الصحراء مرة أخرى، ويتركوا المدينة التي لا تمنحهم مجالاً بصرياً عفيفاً يريح ضمائرهم المتزمتة؟ غريبٌ كيف اتفقت الكويت قبل نصف قرن على أسس الحياة الاجتماعية الكويتية، فاعترض عليه الأعضاء السلفيون الأسبوع الماضي، فيما يشبه الانقلاب البرلماني المرتب على هذه الأسس. غريبٌ جداً، وفي ديموقراطية السلفيين غرائب أخرى!

الرسائل التي قصد هؤلاء الأعضاء إيصالها لمنتخبيهم عن طريق هذا الانسحاب تستحق القراءة فعلاً. فهم بطبيعة الحال تمسكوا بحق ديموقراطي أصيل وهو حرية التعبير، وعبروا عن رأيهم فعلياً بالانسحاب من الجلسة. ولكنهم تجاهلوا في المقابل بُعداً ديموقراطياً أكثر أهمية، وهو أن الديموقراطية لم توجد إلا لتقرب الصفوف عن طريق إتاحة منظومة سياسية تأخذ في الحسبان اعتبارات الجميع، وتتيح للمواطن استشعار حقوق الآخرين مثلما يستشعر حقوقه الشخصية. هذه قراءة ابستمولوجية (نظرية المعرفة) للديموقراطية كمعيار اجتماعي، وليس نظام سياسي فقط. ويبدو أنها قراءة لم يلتفت إليها الأعضاء المنسحبون على الإطلاق بقدر ما التفتوا إلى أهداف مباشرة قصيرة المدى، شخصية وتيارية. هذا لا يجعل تصرفهم معاكساً للمسيرة الديموقراطية في الكويت فحسب، بل إنه يكاد يكون تصرفاً ألجركياً (حكم الأقلية) التي ترى أنه لا يوجد مكان، أيتها الوزيرتان، يمكن أن يجمعنا معاً تحت سقف واحد إلا وفق شروطنا نحن!

كم هي الهوة واسعة إذن بين الديموقراطية التي تريد الحكومة تأسيسها في الوجدان الاجتماعي الكويتي، وبين ممارسيها الفعليين من (بعض) النواب. تذكرني هذه الهوة بمشهد طفولي كان يحدث أمام بعض المدارس الحكومية في الرياض عندما تغرس الحكومة النخيل بطول الشارع حتى يستفيد الناس من منظره، وظله، وثمره، فيلتقط الأطفال حبات البلح ويقذفون بها السيارات والمارة! الديموقراطية الكويتية تتعرض لمصير مشابه، بعض الأعضاء يستخدم الديموقراطية التي وضعت لإصلاح المجتمع في تخريبه، وجرّه إلى مساحة سياسية مناقضة للديموقراطية من الأساس. السياسة التي ترى أن الكتلة السلفية هي الأصلح لتسيير الدفة الحكومية، وبدلاً من أن تجلس الكتلة مع الكتل الأخرى للحوار، تنسحب اعتراضاً على (حجاب)، في إشارة واضحة أن الحوار الديموقراطي مشروط بالخضوع الأوليّ من الطرف الآخر أولاً، والانصياع لمنهج التيار السلفي قبل أن يبدأ الموسم البرلماني الجديد! 

حجابا الوزيرتين إذن ليس أزمة برلمانية بحد ذاته، بل هو حجة سلفية يراد بها بلوغ أهداف غير ديموقراطية. العضو السلفي المنسحب حقق أهدافاً مثل: مغازلة الوجدان السلفي لأغلب من انتخبهم من المواطنين الذين لا يقلون عنهم أحاديّة، وفرد العضلات السياسية بعد فوزهم بأغلب مقاعد البرلمان، وتوجيه إهانة مباشرة للحكومة التي عيّنت الوزيرتين بأن ممثلتيكما لا تستحقان حتى أن نجلس معهما تحت سقف واحد. كل هذه الأهداف تحققت فعلياً عبر هذه الممارسة الفجّة، ولكن ما لا يعرف الأعضاء المنسحبون أنه تحقق أيضاً هو أنهم أوصلوا رسالة (ألجركية) مغلفة في في مظروف (ديموقراطي)، تفصح عن فكرة واضحة ومختصرة: حتى الديموقراطية لن تجعلنا نحترم الرأي المخالف، و(الوزيرة) المخالفة!  

إن الديموقراطية إذن هي ممارسة غير مقنعة للسلفيين منذ البداية. وودّوا لو أنهم استأثروا بالرأي، والحكم، والقرار، والمصير السياسي برمته، بدلاً من اقتسامه مع التيارات الوطنية الأخرى. إن مشاركتهم في العمل الديموقراطي أصلاً ليست إلا من باب اهتبال الفرصة الوحيدة الممكنة للتأثير على القرار السياسي، وليس من باب الإيمان بالمبدأ الديموقراطي الذي يتيح لكل الأطياف الوطنية الحق المتساوي في إبداء الرأي، إنه من باب الاحتشاد العشوائي في أنبوبة ديموقراطية تضخم الصوت والصراخ وليس من باب الإيمان بأن حكم أغلبيتهم السلفية لا ينقض حقوق الأقلية على الإطلاق، فضلاً عن حقوق تيارات كبيرة أخرى ليست بأقلية. ديموقراطية عوراء هي التي تُمارس من أجل تهريب الألجركية عبر حصان طروادة ديموقراطي إلى داخل المجلس. تذكر بممارسة شبيهة حدثت بعد انتهاء انتخابات المجالس البلدية في السعودية عندما صرح أحد الفائزين بعد الفوز لجريدة سعودية: (الديموقراطية نظام غير إسلامي أصلاً، ولكننا رشحنا أنفسنا للانتخاب حتى نحرم الليبراليين من الفرصة!). هذا يشير بوضوح أنه عندما يتعلق الأمر بالسلطة السياسية، فإن الغاية (السلفية) الكبرى تبرر الوسيلة (الديموقراطية) المحرمة. ولا عزاء للمتحمسين للعمل الديموقراطي الجاد!  

سؤال: إذا لم يكن سقف البرلمان هو الذي يمكن أن تجتمع تحته كل الأطياف، فأي سقف غيره؟ وإذا كانت إجابة هذا السؤال بالإيجاب بدهية للبعض، فكيف إذن لا يبدو انسحاب الأعضاء السلفيين أشبه بخدش متعمد لجبين الديموقراطية المتسامحة والعادلة؟ أو أنها خربشة صبيانية فعلاً على لوحة كبيرة تحاول الحكومة أن تجعل كل المواطنين يشاركون في رسمها على اختلاف أطيافهم وتعدد تياراتهم، ويصر السلفيون على على أنه إما أن يرسموا وحدهم، أو يخربشوا على اللوحة بممارساتهم (غير الديموقراطية) وإن وقعت داخل الإطار الديموقراطي؟

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي