|
كتبتُ عن
التدوين قبل ثلاثة أسابيع، مشيراً إلى خطواته الواسعة نحو تبوء
مقعده كجنس كتابي مستقل يحمل شروطاً فنية واضحة. وعطفاً على
تعليقات بعض القراء الذين خالفوني الرأي، من المدونين خاصة، وجب
عليّ أن أنوه أن المعايير الفنية للتدوين لا تعني تحديد (مجالات)
التدوين، بقدر ما تعني تحديد (أساليبه) الفنية، إذ يبدو أن بعضهم
خلط بين (المجال) و(الأسلوب)، وأعتقد أني أصادر على المدونين حقهم
في الكتابة حول موضوعات معينة، وأنتقد عليهم تناولها. بالتأكيد
بوسع التدوين أن يتناول كل شيء: من أسعار الخبز، والإضرابات
العامة، وآخر منتجات التقنية... إلخ. ولكن التركيز على المجال
وإهمال الأسلوب يفقد المدونة روح التدوين. وفي أواخر القرن التاسع
عشر وبدايات القرن العشرين، كانت الرواية متألقة فنياً، متضحة
المعالم، مكتملة النضج، وخرجت من تلك المرحلة روائع الأدب العالمي،
ورغم ذلك فإن بعض هذه الروايات تمحورت حول هموم أيديولوجية
وميثولوجية بعضها ممعن في محليته، ولم تتخارج تماماً من التعاطي مع
المجتمع والناس، إلا أن الروائيين كانوا على مستوى من الحذق السردي
والفني بحيث تجنبوا المباشرة، وتمسكوا بمعايير الفن التي أهّلتهم
لتعظيم أثر رواياتهم، وتخليدها. وفي الثمانينات الميلادية، عندما
تألقت القصة القصيرة في السعودية، وبلغت أوجها الفني، كانت تُكتَب
وسط أتون الحداثة وما تثيره من جدليات ثقافية كبرى شغلت المشهدين
المحلي والعربي، ولو أن كتّاب القصة انجرفوا وراء المعركة الفكرية
وتناسوا فنّهم ومعاييره لما بقي لهم صوت يُسمع، واندثروا جميعاً مع
الغبار والضجيج.
التدوين جديرٌ بهذا أيضاً لأنه يحمل كل المؤهلات الفنية والإنسانية
لأن يكون جنساً كتابياً مستقلاً، وليس مجرد صهوة إلكترونية مبتذلة
تمتطيها أي فكرة، ويعسفها أي كاتب. بالتأكيد أن ذلك أيضاً لا يحجر
على كل مدوّن أن يكتب ما يراه جديراً بالكتابة، فمن الأصل، كل من
يريد كتابة الشعر والقصة والرواية منوط برغبته، ولم يشترط عليه
أحدٌ معايير معينة للدخول في نادي الكتابة، ولكن الذائقة الجمعية
تتشكل تدريجياً، وتجبر الكاتب على الانصياع الفني للمعيار وإلا
انصرف عنه القراء. وهذا هو ما يفعله كتاب القصة والرواية والشعر،
وممارسو الفنون الأخرى، إنهم ينصاعون للقانون الفني الكبير الذي لم
يكتبه أحد، ولم يصدر به قانون، ولكنه أشد إلزاماً من القوانين
المكتوبة. ولأن التدوين فنٌ مبتكر وجديد، ولم تتبلور له ذائقة
جمعية بعد، فإن بعض المدونين يحاول تجنيب التدوين الوقوع تحت طائلة
هذا القانون، في محاولة لإبقائه ممارسة شعبية وتلقائية. برأيي أن
ذلك غير ممكن لأن قدر الذائقة الجمعية أن تتشكل في النهاية، وتخترع
معاييرها الفنية. ولكن من المهم ملاحظة أن تشكل الذائقة والمعايير
لا يعني نفي غير القادرين على استيفائها خارج الكتابة، ولكنها تخلق
جواً من العدالة الإبداعية التي تكافئ المبدع المجتهد، وتمنح
دافعاً فنياً للآخرين لتكريس الإجادة والإتقان. وسيبقى رغم ذلك من
يختار الطريق السهل للانتشار، بدلاً من الطريق الجاد. وهذا حقهم
المشروع في جميع أجناس الكتابة، وليس التدوين فقط. وأعني بالطريق
السهل هنا تركيز الجهد على معايير غير فنية للتدوين مثل: طرق
الهاجس الاجتماعي، وصناعة المادة الإعلامية المستعجلة، (لاسيما تلك
المادة الإعلامية القابلة للاستهلاك غربياً). والتي يسهل بها تحصيل
قاعدة جماهيرية بسرعة، بدلاً من العمل بجدية أكبر على إيصال معطى
فنيّ وإنساني واجتماعي وحقوقي مشغولٍ بعناية وتدبر، يستحق معه
البقاء والخلود، ويحدث أثراً عميقاً باقياً، بدلاً من الأثر السطحي
سريع الزوال.
والحقيقة أن هذا التهرب من (بعض) المدونين من الالتزام بالفن متوقع
في هذه المرحلة المبكرة من عمر التدوين، فلا أحد يرغب في إلزام
نفسه بما لم يلزمه به أحد، ولا أحد يسعى لتنكّب الطريق الصعب في
ظلّ وجود الطريق السهل. ولذلك فلن يقوم بذلك إلا مدوّن رؤيوي واسع
الأفق يعوّل عليه في تثبيت الأسس التدوينية، والتحول تدريجياً إلى
مثال رائد يُحتذى. الريادة ليست أسبقية في الفعل، وأكثرية في
الجمهور، بقدر ما هي تحمل عبء التأسيس بالنيابة عن الأغلبية. إنه
نفس الهم الثقيل الذي حمله رواد الشعر الحديث مثلاً، وتحملوا معه
ضعف الإقبال، وقلة العائد المعنوي، وبطء استجابة الجمهور، ولكنهم
تحولوا بعد ذلك إلى أيقونات من الريادة لا يمكن نسيانها بسهولة.
وفي بدايات فن السينما لم يكن هناك تصور واضح للسينما كفنّ مستقل
عن المسرح سوى أنه مسجل على الكاميرا، مما أدى إلى أن تجيء أغلب
الأفلام التي صورت في البدايات مسرحيّة الطابع، وذلك إثر قرون
طويلة من تغلغل الفن المسرحي في الثقافة الإنسانية مما حدا
بالمبتدئين في السينما إلى وراثة المسرح، حتى قُيِّضَ للسينما رواد
استطاعوا بشجاعة أن يتحدّوا السائد، ويحولوا السينما إلى فن مستقل.
التدوين، عالمياً قبل أن يكون محلياً، متهم بتهم نمطية stereotype،
مما يعني أن الخطأ يتكرر بشكل آلي، وهو شأن طبيعي في بدايات أي فن
جديد. فالمدون، عالمياً، اكتسب سمعة سيئة مثل: الاعتراض الدائم.
ولربما كانت سمعة ألصقها بهم المتضررون من التدوين، كالأنظمة
السياسية أو الشركات الكبرى. إلا أنها، بغضّ النظر عمّن أحدثها،
أصبحت سمعة رائجة تتطلب جهداً تدوينياً لدحضها. وقد رسم رسام
الكاريكاتير الشهير (جيف دانزيجر) في صحيفة (نيويورك تايمز) هائلة
الانتشار رسماً كاريكاتيرياً يمثل رجلاً يسرّ لصاحبه القول: هل
تذكر ذلك الرجل الممل الذي كان يجلس معنا ويقتلنا ضجراً بنظرياته
السخيفة وآرائه المجنونة؟ الحمد لله، لقد افتتح (مدونة) وارتحنا!
إنها دخانٌ لم يأتِ بدون نار. فالمدونة التي رآها البعض منبراً
إنسانياً سامياً للفن والحياة والتواصل الاجتماعي والحقوقي، رآها
آخرون مساحة للرقص الأيديولوجي والزعيق الذي لا يجد له جمهوراً في
الواقع. والصنف الثاني أساء للأول بطبيعة الحال، إلى الحد الذي دفع
بناقد له ثقله مثل محمد العباس ليطلق رأياً قاسياً على التدوين في
السعودية عندما وصفه بأنه ((ضجيج أكثر من كونه مطالب حقيقية، حتى
وإن كانت تسهم بشكل أو بآخر في تحريك الأجواء ولفت النظر إلى بعض
القضايا الاجتماعية، إلا أنها ليست البديل عن إشاعة الثقافة
الحقوقية))، وقد رأى العباس في تحقيق أجرته جريدة الشرق الأوسط أن
المدوّن العالمي احترافي، بينما المدوّن المحلي ما زال ذاتاً تحاول
الحضور فقط. ورغم قسوة رأي الناقد محمد العباس على التدوين المحلي
الذي أختلف جزئياً معه إلا أنه يحمل مبرراته أيضاً. ولا سيما أن
العباس يتحدث عن (الاحترافية) كمعيار. والحقيقة أن الفارق بين
احترافية التدوين العالمي والمحلي ما زال كبيراً، ففي الحين أن بعض
المدونات الأمريكية قد تحولت إلى كتب تحقق أرقام مبيعات عالية
جداً، وما كانت لتحقق ذلك لولا هذه (الاحترافية) التي لا ننفي أن
بعض المدونين السعوديين يتصفون بها فعلاً، ولكنهم أقل من العدد
المطلوب لتعميمها على المشهد التدويني المحلي بأكمله. |