والبقاء للأنثى!

جريدة الوطن السعودية، 1 فبراير 2007


 

عندما كان الرجل يخرج للصيد برمحه مثل الوحوش البرية، كانت المرأة تخترع الزراعة!

كان هذا في أول الخلق، في وقتٍ مبكر جداً إلى الحد الذي كان فيه قطبا الحياة، الرجل والمرأة، سواسية في كل شيء. قبل أن يبدأ أي منهما في التعدي على الآخر، ويشرع في (تذكير) الحياة أو (تأنيثها). وتلك المرحلة البائدة من العدالة المؤقتة كانت الفرصة الوحيدة للمقارنة بين المخلوقين، الرجل والمرأة، ومعرفة أي منهما هو أقدر على تولي زمام القيادة. قبل أن تفقد المعايير حيادها.

وبناء على سلوك كل منهما في تلك الفترة العادلة جداً، لا يمكن الجدل في أن المرأة كانت أرقى فكراً، وأكبر عقلاً، وأكثر أهلية لفهم الطبيعة، وكان من الواجب، لولا خيانة الظروف البدائية، أن تكون هي قائدة الحياة. فشتان بين المرأة وهي تنتبه إلى علاقة الحبوب بالأرض، وتراقب النبات وهو يعلو ويطرح ثمراً، ويؤتي أكلاً، وتفهم بأدواتها البدائية، وخبرتها المحدودة كأول البشر، ديناميكية من أهم ديناميكيات الحياة بأسرها، مثل الزراعة، وبين الرجل الذي قرر أن يتخذ الطريق الأقصر، والخيار البدائي الهمجي، ويلتهم شركاءه على الكوكب، الحيوانات!

كان هذا والحياة بعد محايدة، قبل أن يتم تأميمها لصالح قوى ذكورية متعاقبة عبر التاريخ، حضارة بعد حضارة، ومجتمعاً بعد مجتمع، وقبل أن يعتسف الرجل القيادة بقدرات عضلية، وليست عقلية. ثم يشرع في تصميم القيم الأخلاقية بما يناسب طبيعته، وحاجته، وبما يدعم تفوقه وتميزه وراحته. ووفقاً لذلك تمكن الرجل من أن يحتل كل الخطوط الأمامية للمواجهة مع الحياة وتجاربها، فتسنى له بذلك أن يكون أول المكتشفين، وأول المخترعين، وأول الفلاسفة، لأن الفرص لم تكن عادلة في توزيعها، والقوانين غير منصفة، والدوافع لرحلة الاكتشاف كانت منحازة بشكل أو بآخر إلى أركان ذكورية.

لم تنل المرأة فرصة لإثبات نفسها في واقع حر إلا في الحقبة الأولى من البشرية، وقد أبدعت إبداعاً عظيماً آنذاك، وأطعمت كل النسل البشري بعدها عندما استطاعت أن تروض الأرض نفسها بالزراعة. وأما ما بعد تلك الحقبة، فقد فرض الرجل مكياله وميزانه ومقاييسه ومواصفاته، ثم راح يحاكم بها الأنثى، ويحاول أن يقيس قدراتها على مضض، باستخدام نظام تقويمي ذكوري غير مصمم لاستيعاب الأنثى، ولا يتكلم لغة الأنثى، ولا يخاطب مكنونها العبقري الفطري بطلاقة، فوقع الرجل بذلك في أخطاء بالغة، وعاد بنتائج مضللة، ظلت البشرية تعمه فيها منذ الأزل. لأن المسافة لا تقاس بالرطل، والوزن لا يقاس بالكيلومتر، والأنثى لا يمكن قياس قدرها الأنثوي، بمكاييل الرجل وموازينه!

مشكلة الرجال، عندما (يسفسطون) في تقويم المرأة عقلياً وإبداعياً، أنهم إذا اكتالوا على الناس يستوفون، وإذا كالوهم أو وزنوهم يخسرون، وهذه قضية بشرية هائلة من الغش الإنساني، والاختلاس الحضاري، والتطفيف الذي عانى منه سوق البشر منذ خليقتهم. وهو بدون شك، أطول حالة غش مستمرة لم تتم إدانتها وإيقافها منذ بدأت الحياة، وسط حالة هائلة من التواطؤ الموروث، والتآمر الحضاري، والغبن الاجتماعي، حضارة بعد حضارة، ودولة بعد دولة، ما عدا فرجات بسيطة من التاريخ النبيل أعادت فيه بعض الحضارات شيئاً من حق المرأة المسلوب، فقُدّست، واحترمت، ومنحت صلاحيات كبرى في مصائر أمم عظيمة، ولكنها حالات نادرة، لم تكتمل فيها عناصر أنثروبولوجية كافية لإعادة مساءلة بدايات الخليقة، والتحقيق في المسببات الجذرية التي جعلت المرأة تحل ثانياً، والرجل أولاً، رغم أهليتها الكاملة، عقلياً، فسيولوجياً، وسيكولوجياً، وجينياً، لأن تشاركه الصف الأول، إن لم تتفرد به هي. وربما أن صحوات التاريخ كانت قليلة بسبب كون كل قضاة الحضارات، ومحاميها، وحكامها، وعسكرها، وكهانها، وأتباعها، عبر التاريخ هم من الرجال أيضاً، والمطففين غالباً، وويلٌ للمطففين!

من الجهل قياس أهلية الأنثى اعتماداً على عدد الاختراعات، والاكتشافات، والبحوث، والمناصب القيادية، في التاريخ. وذلك لأن التاريخ لم يمنحها فرصاً طويلة المدى، ولا وقتاً كافياً يمكن للمرأة فيه أن تعيد قلب النظام العقلي الذكوري نفسه، وتحرث الأرض حتى تعود إلى استوائها الفطري، ثم تعيد بناء كل شيء وفقاً لمعايير أنثوية. وهذا النظام الجديد، الموازي للنظام الذكوري القائم باتساع البسيطة، وعمق التاريخ، هو نظامٌ شامل، تعيد المرأة وحدها فيه صياغة كل شيء، عقلياً، وأخلاقياً، واجتماعياً، ودينياً، وفق ما يناسب شأنها الجندري الخاص. بعد ذلك، يمكن أن تنجز المرأة منجزاتها الحضارية الظرفية، ويتاح للبشر الذين يحبون الأرقام والشواهد التاريخية، أن يروا على بصيرة ما لم يروه من قبل. وبالطبع، فإن إعادة حرث الحياة، وتسويتها، هي فكرة فانتازية تليق بفيلم ما، وتحتاج إلى خمسمائة سنة على الأقل حتى نخرج بأجيال عرقية أنثوية متخلصة من شوائب النظام الذكوري (البائد رمزياً)!، ولتطبيقها على واقع علمي، إلا أنه من الممكن استحضار الفكرة في السياق الفلسفي فقط، لفهم واحدة من أقدم صراعات الحياة الاجتماعية، الرجل والمرأة.

ورغم أن المرأة تعيش في مستعمرة رجالية كبيرة، وتنصاع لقوانين لا تساعدها أبداً على المنافسة بشكل عادل وشريف، إلا أنها تجاوزت تلك المعوقات الاستنزافية الهائلة لمسيرتها، واستطاعت أن تنافس الرجل منافسة مخيفة. وهذا يدل على أن جينات المرأة إنما تحمل صفات من الكفاح العبقري المتراكم عبر أجيالها المتسلسلة منذ حواء، وهي صفات بيولوجية عصامية لا يحلم بها الجين الذكري الكسول الذي أثبتت الدراسات مؤخراً أنه فقد أكثر من ثلثي حجمه عبر التاريخ، بينما ظل الجين الأنثوي ثابتاً على نفس الحجم رغم أنهما بدآ رحلة الحياة معاً، وعلى هذا المنوال من النقص المتدرج، يفترض العلماء أنه لم يبق أمام الذكور قبل أن ينقرضوا مثل الديناصورات إلا ما يقارب الخمسة آلاف جيل فقط، ثم.. لا ذكور، على الإطلاق!، كل ذلك جاء في دراسة لأكثر من 250 عالم جينات، وضحها مقال للدكتور خالص جلبي، ولكن قبل أن يتحقق هذا الأمر المهول، وفي مراحل الضعف الذكوري المتدرج، وشيخوخة الجين الذكري، ستنقلب موازين القوى، وستتولى المرأة سيادة الحياة، وهي المهمة التي كان يجدر بها توليها منذ الأزل، لولا خداع الطبيعة!

والحقيقة، أن المرأة بدأت منذ الآن تنازع الرجل هذه السيادة، وبقوة لا يمكن أن يقف في وجهها أي شيء. ففي الوقت الحالي، تعتبر المرأة أفضل من الرجل في كل شيء تقريباً! فهي الأقوى مناعة، والأطول عمراً، والأنجح في التحصيل العلمي، والأحد ذكاء، والأقل نزعة نحو الإجرام والعدوانية، وليس أجمل من الاختصار الجميل الذي ذكره خبير الجينات من جامعة لندن العالم (ستيف جونز) عندما قال في خلاصة دراسته المتعمقة للجين الأنثوي والذكري: الذكر طفيلي على الأنثى!

وفي مدارس وجامعات العالم، بدأت أعداد النساء تفوق الرجال، حتى إن بعض الجامعات الأمريكية صارت تمنح أولوية القبول للطالب الذكر في حالة تساوي مؤهلاته مع متقدمة أنثى، وذلك في سعي يائس لصناعة توازن جنسي داخل الجامعة، وإلا فإن الجامعات الأمريكية، ومن ورائها جامعات ومدارس العالم، تتحول تدريجياً إلى معسكرات تدريب أنثوية استعداداً لغزو الحياة العملية، والسياسية، والعلمية، والاجتماعية، وإحداث الانقلاب السلمي على الحكم الذكوري الطويل. ووقتها سيكون، كما يقول الدكتور خالص جلبي، إعلان مشرف لنهاية سيطرة الذكور المشينة، ودخول الديموقراطية (الفعلية) إلى العالم.

أيها الرجال.. البقاء للأنثى!

 

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي