|
في متابعة
السباق الرئاسي الأمريكي رياضة ديموقراطية رائعة للمبتعثين
السعوديين. فلأول مرة منذ السبعينات تحين الانتخابات الأمريكية وفي
أمريكا هذا العدد من الطلاب السعوديين (حوالي 18 ألف طالب). وإذا
اعتمدنا عاملي السخونة غير المسبوقة لهذه الانتخابات بالذات،
بالإضافة إلى ثورة الاتصالات والمعلومات، فبإمكاننا التصديق بأنها
أكبر جرعة ديموقراطية يتلقاها السعوديون منذ زمن طويل (طبعاً، إذا
استثنينا انتخابات المجالس البلدية عام 2005!)
وجود الطلاب السعوديين في أمريكا أثناء الانتخابات يجعلهم معرضين
لسيل عرم من الضخ الإعلامي والجدل الاجتماعي في كل لحظة حول
الانتخابات وشؤونها إلى الحد الذي يجعل من تجاهلها تحدياً بالغ
الصعوبة. وكردة فعل متوقعة، تفاعل السعوديون مع الانتخابات وكأنهم
مؤهلون قانونياً للانتخاب، وسجلوا بالمئات في قائمة المعجبين بهذا
المرشح أو ذاك والتي تتيحها بعض مواقع الإنترنت، وتسابقوا لحضور
المناسبات الانتخابية الخطابية للمرشحين، وعلق بعضهم لوحات ترويجية
للمرشحين على سياراتهم، وأصبح لكل طالب وطالبة سعودية مرشح مفضل
يستطيع أن يبرر إعجابه به بخطبة انتخابية صغيرة إذا تطلب الأمر!
الجميل في هذه الانغماس السعودي مع الانتخابات الأمريكية أنها لا
تكشف لهم محاسن العملية الديموقراطية الأمريكية فحسب، بل ومساوئها
البيّنة أيضاً. فمن الواضح جداً أن الأمريكيين لا يختارون الرئيس
(الأفضل) لقيادة بلادهم، بل (الأشهر). وهذه إشكالية ثقافية يعاني
منها الأمريكيون المفتونون بالمشاهير إلى حدود لم يسبقهم إليها أي
شعب آخر. (الإسكندنافيون مثلاً من أقل الشعوب اهتماماً بالمشاهير،
حتى إن ملكة الدنمارك قد تتجول في الشارع أحياناً دون أن يسلم
عليها أحد!). ولعل سطوة الإعلام الأمريكي قد أدّت تدريجياً إلى غرس
هذه الافتتان اللاإرادي في قلب الثقافة الأمريكية، كما جعلت الشهرة
عملية آلية جداً. بالأمس القريب، لم يكن أحد يعرف (باراك أوباما)
إلا في حدود شيكاغو، وفي ظرف أشهر قليلة أصبح احتشاد الجماهير في
خطبه تاريخياً، قلما تكرر مع مرشحي الانتخابات السابقة. وفي عام
1976، عندما قرر جيمي كارتر الترشح لانتخابات الحزب الديموقراطي
كان أقل من 2% فقط من أعضاء الحزب يعرفون اسمه، مما دفعهم للسخرية
من طموحه، وعلى رأسهم والدته التي صاحت به عندما أبلغها بنيته
ترشيح نفسه رئيساً ((رئيس ماذا؟))، وخلال الأشهر القليلة تحول إلى
نجم أمريكي، وانتصر على منافسه (فورد)، وأصبح أول رئيس أمريكي من
ولايات الجنوب!
والطلاب السعوديون يلاحظون أيضاً، وربما كانوا يعرفون ذلك من قبل،
أن الأمريكيين ينتخبون الشخص الذي يحلو لهم تسميته (قائد العالم
الحر)، ويحلو لي شخصياً تسميته (مدير عام الكرة الأرضية)، بناءً
على معطيات محلّية جداً، ولا علاقة لها بما هو خارج أمريكا مثل
رأيه في الإجهاض مثلاً، أو حيازة الأسلحة الشخصية، أو زواج
المثليين. وبالطبع من حق المواطن الأمريكي انتخاب الرئيس الذي
يوافق قيمه الأخلاقية، وعلى العالم أن (يؤقلم) نفسه مع أخلاق
الأمريكيين، والتي قد لا تؤدي بالضرورة إلى انتخاب رؤساء
(أخلاقيين)! وفي الواقع أن منهم من تشدق بالأخلاق الأمريكية كسلاح
انتخابي ثم ارتكب فضائح بديعة أثناء رئاسته، مثل نيكسون، وريجان،
وبوش الابن. هذا يدل بوضوح على أن المغامرة الانتخابية الأمريكية
التي يخوضها أي مرشح للرئاسة ليست إلا مجموعة من الجهود المنسقة
جداً لقراءة الجو الانتخابي، وتحديد ما يريده الناس، وعددهم (وهذا
الأهم!)، ثم التلبس بهذا اللبوس الذي فصّلته رغبات الناس، مع
برنامج علاقات عامة مكثف حسب ميزانية حملته، وانتهى الأمر. هذا
الثقب الديموقراطي واسع جداً.
والطلاب السعوديون مهتمون أيضاً بتتبع عدد المرات التي ترد فيها
كلمة (السعودية) في خطابات المرشحين الانتخابيين، أو مرادفها
الشعبي في الذهنية الأمريكية وهو (النفط). ومؤخراً، تكاد السعودية
التي كان أغلب الأمريكيين لا يعرفون عنها إلا القليل تتحول إلى
(محور) انتخابي! ففي الانتخابات السابقة كانت كذلك بسبب تداعيات
سبتمبر البغيضة، والوقيعة التي هندستها القاعدة للإيقاع بين
البلدين عندما اختارت السعوديين بالذات من بين مرتزقتها متنوعي
الجنسيات لتنفيذ العملية، وفي الانتخابات الحالية تحضر السعودية
كأحد الأسباب المحتملة لإثقال كاهل المواطن الأمريكي بسعر النفط
المرتفع، رغم أنه بات من المسلّم به اقتصادياً أن ارتفاع أسعار
النفط لم يعد له علاقة بالعرض Supply الذي تتُهم به السعودية خاصة،
وأوبك عامة، بالحدّ منه للحفاظ على السعر المرتفع، ولكن كم من
الناخبين الأمريكيين يستطيع استيعاب هذه العلاقة المعقدة؟ في
المقابل، فإنه من السهل عليه أن يجري في ذهنه الانتخابي حسبة
بسيطة: سعر النفط مرتفع، إذن دول النفط جشعة! وبالطبع، لن يغيب ذلك
عن المرشحين الانتخابيين، ولاسيما (هيلاري كلنتون) التي هاجمت
سياسة السعودية النفطية أكثر من مرة، ووعدت بتخليص أمريكا من قبضة
دول (الأوبك)! هذا يعني أن (المحاور الانتخابية) يتم اختيارها حسب
تأثيرها على الرأي العام، وليس حسب تأثيرها على مصالح البلاد.
فالسياسة النفطية السعودية واضحة وثابتة منذ عقود، والقوانين
الاقتصادية أكثر وضوحاً وثباتاً، فلماذا تلجأ هيلاري كلنتون إلى
هذه المغالطة المقصودة؟ الإجابة بسيطة في لعبة الانتخابات: الخطأ
الذي يجلب أصوات أكثر، أفضل من الصواب الذي لا يجلب صوتاً! |