ما رأيك في المصطلح الأجنبي؟

جريدة الوطن السعودية


دار نقاشٌ بيني وإحدى زميلات الكتابة في "الوطن" حول مدى تقبّل القارئ للمصطلح الأجنبي في مقالة الرأي، وبما أن هذا الجدل ليس جديداً على المشهد الثقافي منذ عاد طه حسين من باريس، ومنذ نشر السياب دواوينه المتأخرة، ومنذ دُقَّ الإسفين الكبير بين الحداثيين وخصومهم محلياً وعربياً، قررتُ ألا أطيل مع الزميلة هذا النقاش العتيق الذي استنزف عدة رسائل إلكترونية لأنها ليس قضية كتّاب في النهاية، وإنما قضية قراء! ولهذا رأيت أن أحسمه بوسيلة علمية، فأنشأتُ استبياناً قصيراً على الإنترنت، سألتُ فيه القراء عن آرائهم حول هذه الأمر، وظلّت إجاباتهم تتراكم على مدى الأسبوعين الماضيين حتى بلغ عدد المشاركين في الاستبيان 224 قارئاً تم الوصول إليهم بشكل عشوائي، كما هو مطلوب إحصائياً.
أوضحت النتائج أن غالبية القراء (60%) لا تعارض استخدام المصطلح الأجنبي في المقالة إطلاقاً، وإن كانوا يرون أن الأمر يعتمد على طريقة (توظيف) المصطلح. وهذا شرط بدهيّ. فكل ما لا (وظيفة) له داخل المقالة غير مقبول أساساً، سواء كان أجنبياً أو عربياً. ومع اتفاق الأغلبية على ذلك، إلا أنها اختلفت على هذا (التوظيف)، وانقسمت بالتساوي إلى ثلاث فئات: الأولى ترى أنه يكون مناسباً في حالة عدم توفر مقابل عربي، رغم أن70% منهم رأوا أنه لا يوجد مقابِلات عربية لكل مصطلح أجنبي، والثانية ترى أن يكون مصطلحاً شائع الاستخدام أصلاً مثل (تكنولوجيا)، والثالثة ترى أن يرفق الكاتب تفسير المصطلح في نفس المقالة، وقالت الغالبية منهم إنهم يفضلون أن يقرأوا المصطلحين العربي والأجنبي معاً في نفس السطر. فيما أصرت فئة ضئيلة تقدر ب 3% أنه لا يوجد أي مبرر لاستخدام المصطلح الأجنبي مهما كان.
في الحقيقة، فاجأني هذا القبول المنفتح في الوقت الذي توقعتُ فيه تحفظاً كبيراً. وما زاد من استغرابي هو أن القراء لم يعلنوا تقبّلهم للمصطلح الأجنبي بأريحية فقط، بل تجاوزوا ذلك إلى النظر بإيجابية إلى الكاتب الذي يستخدم المصطلح الأجنبي بتوظيفاته المقبولة، إذ ذكر 40% منهم أن ذلك انعكاسٌ تلقائي لثقافة الكاتب، وليس افتعالاً ولا تصنعاً، بينما تجاوز 30% منهم ذلك إلى إحسان الظن به والاعتقاد أنه إنما يسعى لإفادة القارئ ورفع ثقافته، بينما كان لقلة من القراء (12%) رأي سلبي في الكاتب، إذ رأوا في أنه يفعل ذلك استعلاءً على القارئ، وادعاءً للثقافة.
يبدو لي أن أزماتنا القديمة مع المصطلح بدأت في الاختفاء تدريجياً، وأن الجيل الحالي من القراء صار أكثر تصالحاً مع قضية المصطلح، وأقل تشنجاً من سابقيه في تأويل هذه القضية وتضخيمها. حاولتُ أن أجد تفسيراً للفارق الشاسع بين ما توقعته وما وجدته مختلفاً في آراء القراء، فاكتشفتُ أن أولئك الذين يعانون من حساسية مزمنة من المصطلح الأجنبي يبالغون في حدة انتقادهم ورفضهم لها بصوت مرتفع حتى يخيّل لنا أنهم كُثر، وهم قلة. (وقلّتهم هذه لا تسيء إلى وجهة نظرهم أو تقلل من شأنها إطلاقاً). وهذا يؤكد أن وسائل القياس العلمية أدقّ كثيراً من الاعتماد على النقد الانتقائي الذي يصل من القارئ. لاسيما أن القارئ المعترض على المصطلح الأجنبي غالباً ما يطلق تعليقه بسبب توفر الحافز المستفز لإبداء الرأي، بينما القارئ الذي لا يعارض المصطلح الأجنبي لا يملك دافعاً لإبداء رأيه إلا إذا وجّه السؤال له بشكل مباشر، كما حدث في الاستبيان.
تعلمنا من تلك الجدليات الكلاسيكية أن الخطوط المشتركة بين اللغة والثقافة والهوية والأيديولوجيا مكهربة جداً. فليس بإمكانك التعامل مع اللغة دون أن تحتك بالثقافة، ولا يمكن أن تنغمس في الثقافة دون أن تطرح سؤال الهوية، ولا يمكن (في العالم العربي على الأقل) أن تجيب على هذا السؤال دون أن تخوض في الرمال الأيديولوجية المتحركة. ذلك هو (الاتجاه الإجباري) لأي حوار عربي/عربي تعودنا عليه في السنوات السابقة حول المصطلحات الأجنبية وغيرها من الشؤون اللغوية، مهما كان مستوى الطرح. ولأنه جدلٌ قديم، صار لدينا أرشيف كامل من ردود الطرفين واشتباكاتهما وحججهما، حفظته لنا صفحات الجرائد، وأبحاث الأكاديميا، وخطب الجمعة، ونتاج الأدباء عبر عقود طويلة من عمر الثقافة العربية المعاصرة، لاسيما تلك التي تتجاوز الجدل اللغوي الثقافي، وتنحو إلى الترافع عن اللغة بميكانيكيات دفاعية متوترة تستند إلى قيم قومية وأيديولوجية وتاريخية في غير موقعها. وهو الأمر الذي اعتدنا عليه في المشهد الثقافي العربي عبر طروحات متداولة، ومعارك صحفية، تتوالى بنفس النسق كاستمرارية متوقعة لحالة القلق القومي والثقافي الذي يعيشه العالم العربي منذ عقود.
في محاضرة للدكتور ناصر الدين الأسد، وزير التعليم العالي الأردني سابقاً، قبل سنوات، تحدث بإسهاب عن المصطلح الأجنبي، وبدأ محاضرته بثراء في الطرح، واتساع في الرؤية حول اللغة ككائن ثقافي حي، إلا أنه أنهى محاضرته بالانزلاق في نفس المأزق الأيديولوجي المغموس في نظرية المؤامرة. ففي بداية المحاضرة كان يقول: (اللغة لا تستمر في الحياة والتطور والقيام برسالتها الفكرية والثقافية إذا انغلقت على نفسها ولم تتفاعل مع اللغات من حولها أخذاً وعطاءً، ولم تستعر منها ألفاظاً لمعانٍ وأفكار ليس عندها ما يقابلها، لتزداد بذلك غنىً لغوياً وثقافياً وعلمياً باكتساب مفاهيم جديدة توسع من آفاقها الفكرية وتكسبها رحابة في التعبير. وهي إذا انكفأت على نفسها وانعزلت فإنها حينئذ تدور على ذاتها وتجتر ما في داخلها، وتنقطع عن التواصل اللغوي والعلمي من حولها، وتغترب عن مسيرة الثقافة الإنسانية في عصرها، فتصاب بالجدب وتتدنى منزلتها بين اللغات الحية، إلى أن تموت. وكم من لغة في تاريخ البشرية تقلص أثرها ودورها حتى أصبحت رهينة محابس الجمود، لا يعرفها إلا نفر ممن لا يزالون يتحدثون بها، أو يكتبونها، لأسباب أكثرها دينية تعبدية! وكم من لغة ماتت فلم يبق لها أثر إلا اسمها أو بقايا في بعض النقوش!). وفي أجزاء أخرى من محاضرته ذكر الدكتور كيف أن اللغة العربية القديمة استعارت كلمات فارسية وهندية ويونانية ولاتينية وحبشية، كثيرة، ذُكر بعضها في القرآن. وهو يرى كذلك أن المرادفات العربية للمصطلحات الأجنبية لا تحمل نفس الامتلاء الثقافي والفكري، وبالتالي فهو ضد استخدام كلمة (تقنية) بدلاً من (تكنولوجيا) أو كلمة (علم السكان) بدلاً من (ديموغرافيا) لقصور المرادف العربي عن حمل الإيحاء الفكري الكامل للمصطلح الأجنبي. ولكنه في آخر المحاضرة يعود إلى نفس الخطاب التقليدي المتحفظ عندما يقول: (إن موضوعات المصطلح، وتحريره، والتنبه على مدلولاته، هي من أهم موضوعاتنا الثقافية التي تحتاج منا إلى يقظة، لأنها سلاح نفسي فكري من أسلحة المعركة التي تشن علينا)، وتطرق الدكتور إلى مخاوف قومية عريقة جداً في الوجدان العربي المهزوم مثل: طمس الهوية، تمييع الشخصية، تغريب الفكر، تسييس الولاء، إلى آخره!!
السؤال الأخير في الاستبيان أشار بوضوح إلى أن (أدلجة المصطلح) التي انتهى إليها الدكتور ناصر الدين الأسد في محاضرته لم تعد شائعة كما كانت عليه في السنوات السابقة. السؤال كان حول ما يشعر به القارئ عندما يقرأ مصطلحاً أجنبياً لا يعرف معناه في مقال عربي، وقد أجاب 71% من القراء بأن ذلك يشعرهم بالتحمس لمعرفة معنى المصطلح، وهذه ردة فعل إيجابية جداً من القارئ، لم أتوقعها أيضاً. أما بقية ردود الأفعال السلبية فكانت قليلة جداً، توزعت بين الشعور بالملل والاستياء، ولوم النفس على جهلها، بينما رأى 3% فقط أن قراءتهم لمصطلح أجنبي لا يعرفون معناه تدفعهم إلى (احتقار الكاتب!)

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي