|
قصور التكامل بين الشورى
والجهات التنفيذية أمر صرنا نعتبره من مسلمات الرأي العام السعودي
أو نكاد نفعل. إلا أنها مسلمة تسيء لمجلس الشورى أكثر مما تسيء
للجهة التنفيذية، رغم اشتراكهما معاً في المسؤولية أمام الملك
والشعب. ولطالما اشتكى أعضاء مجلس الشورى من التهميش الوزاري. ولم
تكن هذه شكوى مستغربة ولا تصعيداً خطيراً في العلاقة بين الجهتين،
لأن النزاع بين التشريعي والتنفيذي قائم في أغلب دول العالم، وهو
ممارسة حكومية نتمنى ألا تتوقف يوماً لأن في توقفها مؤشر على
الكساد والخمول الوطني.
ولكننا لا يجب أن ننزع إلى الطمأنينة كلما تشابهنا مع العالم،
لاسيما وأن الوضع في السعودية مختلف (كالعادة!). فبخلاف دول العالم
الأخرى ما زالت مهام مجلس الشورى والوزارات غير مفصّلة بوضوح، وإذا
كانت مفصّلة وواضحة في نظام الحكم فإنها بالتأكيد غير واضحة في
آلية التكامل بين الجهازين، ولا في خلفية الرأي العام السعودي.
وعدم وضوحها في الأولى يؤدي إلى عرقلة مستمرة لقرارات كثيرة، مثلما
أن عدم وضوحها في الثانية يؤدي إلى فقدان تدريجي لثقة المواطن،
لاسيما في مجلس الشورى الذي وُضِعَ في الأساس ليرعى شؤون المواطن
بشكل أقرب وأنفع من ماكينة الوزارات الصاخبة التي لا تسمع صوته.
لنبدأ أولاً بآلية التكامل التي تبدو قاصرة إلى حد ما، والسبب في
رأيي الشخصي هو أن المسافة بين طاولة القرار الشوريِّ وطاولة
القرار التنفيذي مزروعة بالافتراضات المتعاكسة. فعضو مجلس الشورى
يفترض (أو يتمنى) أن يكون لقرارات المجلس صفة برلمانية مُلزِمة،
بينما عضو الجهاز التنفيذي يفترض أو (يناضل) لتظل لقرارات المجلس
صفة شورية غير مُلزِمة. وبغض النظر عن كون نظام الحكم يوضّح مستوى
الإلزامية بدقة، وبغض النظر عن كون مسمى المجلس وآلية تعيين أعضائه
تحسم شوريته لا برلمانيّته، فإن هذا الوضوح لا معنى له إذا ظلّ كلا
الطرفين يتصرف وفق افتراضاته الشخصية لدوره في عملية صناعة القرار
الوطني. وهذا ما جعل عضو الشورى غير راض عن تفاعل الجهات
التنفيذية، لأن افتراضاته كعضو في مجلس الشورى تقول إن القرارات
التي تصدر من المجلس يجب أن تأخذ طريقها إلى التنفيذ بشكل آلي، وفي
الجهة المقابلة، فإن المسؤول في الجهة التنفيذية، وزيراً كان أو
غيره، يصله القانون الذي (صدر) من الشورى بوصفه (قراراً)، ولكنه
(وَرَدَ) إلى الوزارة بوصفه (اقتراحاً). ولذلك فإنه يظلّ مركوماً
في صندوق الاقتراحات حتى تتوفر له موارد تنفيذية كافية، وقناعة
إدارية معينة، تمهره بشرف التنفيذ، بعد أن يكون أعضاء الشورى قد
ملّوا من التعقيب، والمواطن ملّ من الانتظار.
وإذا سلّمنا أن كلا الطرفين لن يتخلى عن افتراضاته حول طبيعة منصبه
ودوره الحكومي، فإن آلية التكامل بين الجهازين ستظل دون المطلوب،
وسيبقى الجهازان في صراعٍ غير منتج إلى الأبد حتى يقيّض الله لهما
واحدة من ثلاث: إما ذراعاً عدلياً Judicial يفصل بينهما فيما
اختلفا فيه، أو تفعيل المشاركة الشعبية ليكون للمواطن القرار
النهائي صواباً كان أم خطأ ً، أو مساواة العضلات الحكومية للجهازين
حتى يصبح صراعهما متكافئاً على الأقل، وتنافسهما مثمراً. وهذه
الخيارات الثلاثة لا تحتاج إلى إعادة اختراع العجلة، فهذه هي
معايير الصناعة الحكومية في أغلب دول العالم، وهي طريقنا الحتمي في
النهاية مهما تأخرنا وتلكأنا.
ثانياً، خلفية الرأي العام السعودي التي لا تبالي في الحقيقة إذا
ما تكامل الجهازان أو لم يتكاملا بقدر ما تحاسبهما معاً بقدر ما
تراه من قرارات مفعّلة في واقعها اليومي. ولمّا كانت القرارات
المفعّلة واقعياً سلعة نادرة في السوق الحكومي فقد فَقَدَ الرأي
العام ثقته في (جدوى) مجلس الشورى، مثلما فقد ثقته في (فعالية)
الجهات التنفيذية. وفرق شاسع بين فقدان الثقة في الجدوى و فقدان
الثقة في الفعالية. ففي الأولى ينظر المواطن إلى مجلس الشورى بوصفه
جهازاً حكومياً مترفاً، منفصماً عن الواقع، ومشغولاً بالتنظير
والجدل، إلى بقية اتهامات كاريكاتورية أخرى لا أحبذ ذكرها هنا
تجنباً لقانون (محاسبة الإعلام) الشهير! وبالتالي فإن الحل
التلقائي الذي يتوارد لذهن المواطن هو (إزالة) هذا الجهاز تماماً.
أما الثانية فإن المواطن ربما ينظر إلى الأجهزة التنفيذية على أنها
أجهزة شبه معطّلة، وبالتالي فإن الحل التلقائي هو (إصلاح) هذا
الجهاز بتوليته المسؤول المناسب. وفرق بين المطالبة بالإزالة
والمطالبة بالإصلاح. فرقٌ غير عادل أبداً.
ولكن ما الذي يجعل هذه المحاكمة الوطنية غير عادلة بين الجهازين،
رغم أنها تدينهما معاً، ولكن بنسب متفاوتة من اللوم؟ أعتقد أن
السبب هو سيناريو شبيه بهذا: يقوم مجلس الشورى ببحث قرار ما،
ودراسته، والتصويت عليه، ثم تمريره بعد ذلك إلى كينونتين
متنافرتين: الإعلام، والجهة التنفيذية المختصة. من جهته يقوم
الإعلام بتحويل القرار إلى مادة إعلامية، بينما تقوم الجهة المختصة
بتحويله إلى مادة أرشيفية. وبين هاتين الصناعتين التحويليتين
الرائعتين يتضخم إحباط المواطن الذي (سمع) عن القرار إعلامياً ولم
(يره) تنفيذياً. ولذلك ينتقم المواطن لإحباطاته باستصغار مجلس
الشورى، وتهميش دوره الحكومي، لأنه نفخ أحلامه عن طريق الإعلام، ثم
فقأها عندما طال الانتظار ولم تتحقق. ولكن من يقنع المواطن بذلك؟
هذا إذا كان المواطن مهتماً أصلاً بتقسيمات الذنوب، وتوزيع اللوم. |