أحد عشر كوكباً.. للمواطن!

جريدة الوطن السعودية


توجد حقيقة رياضية بسيطة ومخيفة: لو عاش جميع سكان الأرض على نفس النمط الاستهلاكي الذي يعيشه المواطن الأمريكي العادي اليوم فهذا يعني أن البشر في حاجة إلى سبعة كواكب إضافية لها نفس موارد وثروات كوكب الأرض حتى تكفيهم جميعاً. هذه ليست صورة مجازية، بل واقع واضح المعالم. فموارد الأرض محدودة، ونستطيع حسابها بالأرقام، وكذلك معدل استهلاك الفرد الأمريكي من الطاقة والغذاء والبضائع. والأولى تقسيم الأخيرة يساوي سبعة كواكب!
التفسيرات الأخلاقية والبيئية والعملية لهذه الحقيقة الرياضية كثيرة جداً، ويمكن صياغتها بعدة طرق. منها أنه لكي يستمر سكان الأرض المرفهون (دول الخليج، وأمريكا، وغرب أوروبا، وغيرها) على نفس مستوى الرفاهية الذي يعيشونه اليوم فلا بد أن يظل سكان الأرض المحرومون على نفس مستوى الحرمان الذي يعيشونه اليوم أيضاً. هذا يعني أن أي تحسّن في وضع الطبقة المحرومة سوف يؤدي بالضرورة إلى (مضايقة) الطبقة المرفهة في رغدها اليومي، والعلاقة العكسية أصبحت بهذه الحدة التي لا تقبل احتمالات أخرى. وهذا ما لمسناه مؤخراً من ارتفاع أسعار الغذاء في العالم كله بسبب تحسن الوضع المعيشي لنسبة بسيطة جداً من الصينيين والهنود!
وبما أننا لا نستطيع حتى الآن استعمار الكواكب الأخرى، ولا نملك إلا كوكباً واحداً نتقاسمه جميعاً، فمن الضروري الاعتراف بأن النمط الاستهلاكي للبشر المرفهين غير واقعي، وغير منطقي، وربما كان غير أخلاقي أيضاً. وإذا اعترفنا بحق البشر المحرومين في حياة أفضل، فيجب أن نتوقع أن الحياة الأفضل هذه ستكون على حساب ما سنفقده من رفاهية اليوم والليلة، مثل أصناف الغذاء التي تُشحن من آخر محيط في الدنيا إلى موائدنا مباشرة، وأجهزة التكييف التي تعمل بشكل فائض عن الحاجة، ووسائل النقل المعتمدة على الوقود النفطي والاحتراق الداخلي، وتعدد الملابس والبضائع والآلات الكهربائية والإلكترونية التي يملكها كل فرد، واتساع مساحة المسكن عموماً بالنسبة لعدد الأفراد المقيمين فيه، ومئات الكماليات الأخرى التي أصبحت (ضروريات) في المفهوم الحضاري للبشر المرفهين.
أي زيادة في كفة الفئة المحرومة من العالم لابد أن يقابلها نقصٌ في كفة الفئة الغنية، والنقص يُترجم هنا بارتفاع الأسعار طبعاً. لا يوجد طريقة أخرى للأسف، ولو نفضنا التكنولوجيا والعلم نفضاً لما استطاعا أن يخرجا لنا حلولاً عاجلة يمكنها أن تحسن وضع العالم المحروم، دون أن تنقص رفاهية العالم المرفّه. باختصار، البشر يستهلكون بشكل غير محدود، من موارد طبيعية محدودة. وأكثرهم غنى وقوة هم أكثرهم استهلاكاً واستنزافاً. وبالتالي، كلما زاد الأغنياء والأقوياء، تسارع معدل نفاد موارد الأرض، وكلما زاد عدد الفقراء والضعفاء، تباطأ نمو الاقتصاد العالمي، وعانى بشر أكثر، معاناة أكبر. هذا يعكس حجم الورطة التي يمر بها البشر على كوكبهم، والتي لم يمرّوا بمثلها من قبل منذ دبّوا عليه قبل ملايين السنين.
الحقيقة الرياضية أعلاه وضعت المواطن الأمريكي كمقياس، على افتراض أن أمريكا هي أكثر دولة على وجه الأرض استهلاكاً لثروات الكوكب، ولكن هذا لا يعني بالضرورة أن المواطن الأمريكي كفرد هو أكثر الأفراد استهلاكاً، فهذه المرتبة المتقدمة ما زالت حتى الآن محجوزة لمواطني دول الخليج بكل جدارة. وهذا المواطن الخليجي يستأثر لنفسه، كفرد، بأكثر من نصيبه العادل من ثروات الأرض أضعافاً مضاعفة، ويتفوق على نظيره الأمريكي بأرقام استهلاكية مخيفة. فالمواطن الخليجي المتوسط يشتري بضائع أكثر بسبب ارتفاع القوة الشرائية لعملته محلياً، ويستهلك طعاماً أكثر بسبب نمط المعيشة الاجتماعي، ويستهلك وقوداً نفطياً أكثر بسبب رخص ثمنه مقارنة ببقية دول العالم، ويستهلك طاقة أعلى في التكييف على مدار السنة بسبب حرارة الطقس الدائمة تقريباً، ويسافر جواً في أغلب الأحوال بسبب عدم توفر وسائل مواصلات أرضية بديلة كالقطارات وغيرها، وتستخدم الأسرة الواحدة أكثر من سيارة بسبب انعدام وسائل النقل العمومية تقريباً، ويسكن في بيوت أوسع بكثير من بيوت الغربيين مما يستهلك طاقة أكثر في إضاءتها، ويستهلك ماءً أكثر مما هو متوفر في بلاده مما يجعل الدولة تضطر إلى استهلاك كميات هائلة من الطاقة لاستخراج المياه الجوفية أو تحلية مياه البحر، وينجب أطفالاً أكثر لا يقلون عن آبائهم في معدلات الاستهلاك الخرافية. وفي الجانب الآخر، فالمواطن الخليجي (غير مجتهد) بيئياً في ممارسات مثل إعادة التدوير، وزراعة الأشجار، وترشيد المياه، وتنقية الجو، وقيادة السيارات الهجينة، واستخدام الطاقة البديلة، والبحث العلمي في مجالات البيئة.
كل ما هو أعلاه يضع المواطن الخليجي في رأس هرم مستنزفي ثروات الأرض. وإذا طبقنا الحقيقة الرياضية أعلاه على المواطن الخليجي بدلاً من الأمريكي، باستخدام المعادلات الموجودة في موقع (الإعلام الأمريكي العام) فإن البشر بحاجة إلى أحد عشر كوكباً إضافياً حتى يستطيع كل فرد منهم أن يعيش مثل المواطن الخليجي!
الآن، ما دامت دول الخليج غير قادرة على التبرع بأحد عشر كوكباً لبقية البشر، فهل المواطن الخليجي مستعد للتنازل عن رفاهيته قليلاً من أجل عدالة أوسع في الأرض؟ ما هو مدى هذا الاستعداد وطبيعته؟ هل تكفي التبرعات العشوائية للدول الفقيرة مثلاً للتنفيس عن مآزق الضمير الخليجي البيئي؟ هل يكفي التعويل على دور المؤسسات في تمويل البحوث البيئية والرقابة على المصانع؟ هل تكفي حملات التوعية والترشيد العامة التي تنطلق في وسائل الإعلام من حين لآخر؟ كل هذه ضرورات بيئية حتمية، ولكن ماذا عن سلوك الفرد قبل سلوك المؤسسة؟
هل سيتنازل المواطن الخليجي عن السيارة الإضافية؟ عن التكييف الدائم؟ هل سيتوقف عن شراء الطعام المستورد الذي يقطع آلاف الأميال حتى يصل إلى مائدته، مستهلكاً في طريقه وقوداً وطاقة وكربوناً على حساب البيئة من أجل اكتمال الرضا في المائدة الخليجية؟ هل سيركّب أدوات ترشيد المياه، وصناديق تدوير الورق والبلاستيك والزجاج، في منزله؟ هل سيتوقف عن السفر السياحي للتقليل من أثر وقود الطائرات على البيئة؟ هل سيشتري بضائع أقل، ويسكن في منازل أصغر؟ ماذا يمكن أن يفعله المواطن الخليجي ليعود معدل استهلاك الفرد من موارد الأرض إلى الخانة المنطقية العادلة قياساً ببقية البشر؟
الإجابة تختلط فيها عوامل اقتصادية واجتماعية وقانونية وأخلاقية كثيرة، مما يجعلها بعيدة عن متناول التطبيق الفعّال. اقتصادياً، من الصعب أن يرتفع دخل الفرد وينخفض معدل استهلاكه في نفس الوقت. واجتماعياً، من الصعب أن نطالب الفرد بالتنازل الطوعي عن نصيبه من كعكة الأرض المتاحة ليلتهمها بشر آخرون، وقانونياً، لا يمكن منع الفرد بالقانون من استهلاك ما يريد استهلاكه ما دام يشتريه بدرهمه وديناره ورياله، وأخلاقياً، ما زال مشروع زراعة الوعي البيئي داخل الضمير الأخلاقي الخليجي المشغول بالتقاليد والأيديولوجيا متأخراً جداً.
الإجابة العملية تقول: إما أن يبدأ الخليجيون مشروعاً جاداً لتقليل آثارهم السلبية على الكوكب، أو أن يبدؤوا في شراء كواكب إضافية من الآن!

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي