|
الكائن الرقابي
(مؤجند) بطبيعته. فلو لم تكن هناك أجندة لما كانت هناك رقابة. بغض
النظر عن بقية الأسماء الأخرى التي يمكن أن تتنكر بها كلمة الأجندة
مثل: الرسالة، والمصلحة، والاستراتيجية وغيرها. ووجود الأجندة، بغض
النظر عن نبلها ولؤمها، يزيد من تعقيد الرقابة، ويصعب عملية تتبعها
وفهم سلوكها، لأن الأجندات دائماً مؤقتة ومتغيرة حسب الظروف. وهذه
صعوبة إضافية أمام مشروع (تقنين الرقابة)، لأن في تقنينها إضعافٌ
كبير لها (كأداة) لتحقيق الأجندات.
مقالٌ سابق (كائن رقابي، الوطن 20 مارس 2008) سعى إلى استكناه
طبيعة الكائن الرقابي، إلا أن فهم طبيعته لا يكفي للتنبؤ بسلوكه.
ولو كان الأمر بهذه السهولة لحُسم أمر الرقابة منذ عقود، ولم يحرز
وجودها كل هذا الجدل الثقافي في العالم، ولما عانت السلطة والمثقف
من حالة الصداع المنقسم بين جبينيهما معاً. فبما أن الرقابة عضو
ناتئ من جسد الأجندة، فمن الضروري أن يظلّ سرّياً مثلها. وإذا
استحضرنا من المقال السابق هذين المفهومين: (المرجعية الفضفاضة)
و(استحالة تقنين الرقابة)، فمن الممكن أن نضيف إليهما مفهوم
(الارتباط بالأجندات المؤقتة)، لنصل إلى حالة الغموض الثلاثي هذه
التي تجعل التنبؤ بسلوك الرقيب، على المدى البعيد، أمراً يشبه
التنبؤ بحالة الطقس!
كل هذا الكلام يبدو مسلّماً به، بل إنه من الأركان الأساسية
للإعلام، سواءً كان غربياً أو شرقياً. فلا يوجد إعلام بدون أجندة،
والرقابة ليست إلا وسيلة متاحة من وسائل تطبيق هذه الأجندة،
وتفعيلها. وهذه العلاقة الأزلية بين الإعلام والأجندة هي ما شاب
لها شعر المثقفين الموضوعيين مثل نعوم تشومسكي، وتفانى كتابةً
وكلاماً في محاولة رفع الوعي الإعلامي لدى المتلقي، ومساعدته على
مساءلة الأجندة الخفية وراء كل خبر نشر، وكل خبر لم ينشر أيضاً.
في الصحافة مثلاً، كل مقال تنشره صحيفة ما يتوازى بشكل آخر مع
أجندتها الإعلامية، وإلا فثمة خطأ، مهنياً كان أو تكتيكياً.
والسؤال الذي ينبغي للقارئ أن يطرحه على نفسه هو: كم مقالاً لم
تنشره الصحيفة مقابل كل مقال نشرته؟ وأهمية هذا السؤال تكمن في أن
المقالات غير المنشورة تعكس بطبيعتها صورة أوضح عن الأجندة
الداخلية للصحيفة، بعكس المقالات المنشورة التي قد تكون أوسع من أن
تعكسها للقارئ، بل ربما كان في نشرها محاولة لدحض الأجندة، وتشتيت
محاولات القارئ لسبر أغوار الأجندة الداخلية للصحيفة.
هل الالتزام بأجندة معينة هو فعلٌ أخلاقي مسؤول من قبل الصحف؟ هناك
إجابتان ينقسم حولهما الناس، الإجابة المحافظة تقول: حسب طبيعة هذه
الأجندة، فإذا كانت أجندة أخلاقية فالرقابة التابعة لها أخلاقية
كذلك. والإجابة الحرة تقول: إن الأجندة (أياً كانت) هي فعل غير
أخلاقي لأنها تفرض الوصاية على الناس، وتصادر حقهم الإنساني
المشروع في التفريق بين الخير والشر وحدهم. وبالطبع، لن تقوم
السلطات النافذة، ولا القنوات الإعلامية بإجراء استفتاء شعبي لتبني
أحد الإجابتين، بل ستسعى لتحقيق مصالحها /رسالتها/ أجندتها على كل
حال.
كلاسيكياً، تتخذ الأجندة طابعاً سياسياً وفكرياً في غالب الأحيان.
وهو ما اعتاد عليه القارئ المحلي غالباً، وأصبح يسلّم مسبقاً أن
وراء كل فعل رقابي مبرر سياسي، أو ديني/ فكري بالضرورة. ولكن
للأجندة طابع تجاري أيضاً، تبرزه القصة التي حدثت في محطة
تلفزيونية أمريكية كبرى قام فريق من مذيعيها بإعداد برنامج وثائقي
يفضح فيه ممارسات غير صحية وغير إنسانية تقوم بها شركة ألبان كبرى
تنتج ألباناً مسرطنة، وحالما علمت الشركة بأن برنامجاً كهذا على
وشك أن يذاع، هددت بإلغاء عقدها الإعلاني مع المحطة، والذي يبلغ
ملايين الدولارات. وعندما حاول مدير المحطة إلغاء البرنامج، رفض
فريق البرنامج ذلك، وتمسّكوا برسالتهم الإعلامية النزيهة في إيصال
الحقيقة للمشاهدين، فقال لهم مدير المحطة (لقد أنفقنا مليارات
الدولارات لننشيء هذه المحطة، ولذلك فإن على الناس أن يسمعوا ما
نريده نحن أن يسمعوه!)
وفق معايير تجارية بحتة، فإن إنفاق المحطة لمليارات الدولارات
يخوّلها الحق في أن تبثّ ما تريد، لاسيما وأنها محطة مستقلة في بلد
ذي إعلام حرّ، يستطيع أي شخص فيه أن ينشئ محطة تلفزيونية من بيته
إذا أراد. وهذه المحطة لم تدلّس برامجها، ولكنها اختارت فقط (عدم
بث البرنامج) لأنه يتعارض مع مصالحها الاقتصادية التي أُنشئت
المحطة من أجلها أصلاً. ورغم البعد اللا أخلاقي في الامتناع عن فضح
شركة تبيع ألباناً مسرطنة، إلا أنه لا يوجد في القانون ما يجبر
محطة تجارية على القيام بدور توعوي/ تطوعي كهذا. وهذا ما ظهر
واضحاً عندما قام فريق البرنامج بمقاضاة المحطة على منعها إذاعة
البرنامج، فكسبت المحطة القضية بسهولة. ولكن.. قام فريق البرنامج
بعرض برنامجهم في قناة أخرى، والسلام!
الصحف المحلية قد تجد نفسها محصورة في نفس الزاوية، ما بين وعي
القائمين عليها بالقيمة الإعلامية لمقال أو خبر ما، وما بين الحدود
الرقابية المسلطة على الصحيفة ككل. ولهذا فهم يغسلون ضمائرهم
الرقابية بقناعات الإصلاح التدريجي، وربطه باعتبارات الممكن. فمدير
المحطة الأمريكية يعرف الأثر المدمر على المحطة جراء خسارة العقود
الإعلانية، ومدير التحرير السعودي يعرف العواقب التي قد يجرها
استفزاز الرأي العام (أو الرأي الخاص!) على الصحيفة، والتي قد
تجبرها على تبني حدود رقابية أضيق. وكلاهما يسعى إلى إنقاذ المحطة
والصحيفة من (الأسوأ) عن طريق القبول (بالسيء).
إذن، ما دمنا قد قبلنا وجود الإعلام، كمهنة، في نشاطنا الإنساني
والحضاري، فمن الضروري ألا نندهش من تخلّق الرقابة إلى جواره،
كملازم أزلي للإعلام، لا يمكن التخلص منه. وحتى الحلم بيوم نمارس
فيه إعلاماً بلا رقابة لا يبدو حلماً مضيئاً وجميلاً، لأن التخلص
من الرقابة/المهنة والرقابة/ الأداة لا يعني التخلص من الرقابة
كحالة فكرية لا تموت. وحالياً، توجد قنوات إذاعية ومجلات صغيرة في
الغرب تزعم أنها موضوعية جداً، ومتحررة من كل القيود والمرجعيات
والأجندات. وهي تزفّ الفكر والثقافة والخبر دون أي مساس بهم، إلا
أنه، بخلاف المتحمسين لمثل هذا الإعلام الحر، يصعب أن يتفق الجميع
على جدوى إعلام كهذا. أليس السعي إلى حرية الثقافة بحد ذاته..
أجندة؟ |