محاماة بلا جدوى

مجلة الإعلام والاتصال


عن الشعر يقول ديورانت أن مداره الزمني عادة هو بدايات الأمم. عندما يكون الخيال أكبر من المعرفة. ولهذا الرأي شواهده التاريخية التي لا يمكن دحضها بسهولة، ولكن الجدل يدور حول نقطتين: علاقة المعرفة بالنثر بوصفه امتداداً مدنياً لحضارة الشعب. وعلاقة الشعر بالخيال ومصيريّة هذا الارتباط الأبدي. ولتلك الجدليات حضورها المحلّي. فلا يملّ المحررون في الملاحق الثقافية السعودية من طرح السؤال نفسه بصيغ متعددة حول الشعر والرواية، وأيهما ديوان العرب، وأيهما سحب البساط، إلى آخر الصيغ الصحفية الشائعة حول القضية.  

والأدب عموماً من أكثر الكينونات المعرفية استغناءً عن المحاماة. ولا أعتقد أن الرواية تحتاج إلى تبرير لوجيستي لتعبر حدود التلقي، مثلما أن الشعر لم يحمل أبداً جواز سفر. لا يعني هذا رفض الطروحات التي تحاول نقد الحراك الثقافي ومساءلته. ولكن الانبراء للدفاع عن مكانة الشعر لا يعني شيئاً، ولا ينتج أكثر من منبريات نوستالجية، وتراكيب بيانية تمجّد الشعر وكأنه قائدٌ تاريخي. ويتجاوز البعض حدود النقد ليربط الشعر بقيم آيديولوجية وقومية يصبح بموجبها كل تعد على الشعر هو تعد على ضمير الأمة بالضرورة. وهذا اختلاط فاضح في الأوراق، لا يحتاجه الأدب أبداً.

حركة الأجناس الأدبية في مشهد ما لا يرهنها شيء. ففي أي اتجاه تحركت لواقط التلقي، فثمّة أدب ما سيجد طريقه إليه. فإذا تاق الناس إلى الرواية استجابت لهم وفق ديناميكية تلقائية لا تلتفت في آليتها العفوية إلى من يحاول وضع أحجام محددة لكل جنس أدبي لا ينبغي أن يتجاوزها حتى لا يختلّ الميزان التاريخي الجامد. وإذا ظلّ للشعر مريدوه، فلن يؤثر في إرادتهم منبريات الدفاع عن الشعر، ولا طوفان الرواية المزعوم. ما الفائدة من المحاماة إذن إذا لم تكن مؤثرة في ذائقة التلقي العام؟

المساحة التي شغلتها الرواية كانت معدّة لها مسبقاً، وفق الجدول الزمني لاحتياجات الشعوب الحضارية والأدبية. ولم تأت لتسحب البسط، ولا لتعلن الحروب التي لا مكان لها إلا في أخيلة الملتهبين بالشعر، ومدمني المعارك الثقافية المصطنعة في الصحافة. وحتى ديورانت الذي قال أن النثر شاهد نضج الأمة وانقضاء عهد شبابها لم يربط الشعر بالسذاجة والبساطة. فمعلّم المرحلة الابتدائية يحمل نفس مؤهل معلّم المرحلة الثانوية. وكلاهما مستمرٌ على الخارطة الثقافية، ومستعدٌ لاستقبال أجناس وفنون أخرى تزيدها تعقيداً ونضجاً.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي