|
..
لعلها مجرد فكرة لاقتناص فتوى خضراء تزيد من نسبة المساهمة الشعبية
السعودية في إنقاذ البيئة، وترفع أسهمنا البيئية المنخفضة جداً في
العالم. لا نبحث هنا عن فتاوى عامة من نوع (الإضرار بالبيئة حرام)،
فهذه الفتاوى للأسف لا تنتشر بنفس سرعة انتشار الفتاوى المحددة من
نوع (قيادة سيارة تبعث نسبة كذا من ثاني أكسيد الكربون حرام)، كما
أن الأولى لا تثبت في الضمير السلوكي/الديني للفرد كما تفعل
الثانية. ولكن كيف نحصل على فتوى خضراء عمليّة كهذه؟
يزعم كثيرون أن المتصلين على برامج الإفتاء يستطيعون (لي عنق)
السؤال، وصياغته بشكل يجبر المفتي على أن يدلي بالفتوى التي
يريدون. ولو أننا سلّمنا (جدلاً) بإمكانية حدوث ذلك فمن الممكن
جداً أن نستغلّ ذلك لأغراض بيئية نبيلة، ولنفترض السيناريو التالي:
أن يتصل أحد المهتمين بالبيئة على برنامج الإفتاء ويطرح السؤال
التالي: هل الإضرار بالبيئة عمداً حرام؟ وسيجيب المفتي: طبعاً
حرام. فيستطرد السائل: لقد أوضحت دراسة علمية مدققة أن قيادة أي
سيارة (جيب) تلوّث هواء الكوكب خمسة أضعاف السيارات الصغيرة، ولا
يخفى على فضيلتكم أن تلوث الهواء يؤدي إلى أخطار صحية هائلة،
بالإضافة إلى أنه يرفع درجة حرارة الأرض مما يؤدي إلى كوارث طبيعية
بدأنا نشهد بعضها في أماكن متفرقة من العالم. فما حكم قيادة سيارات
(الجيب) التي تلوث الهواء، وتهدد حياة الإنسان، وتفسد البيئة؟
هنا سيقف المفتي أمام مفترق طرق إفتائي، فإما أن يندفع ويفتي
بتحريم قيادة سيارات الجيب بشكل عفوي، مفجراً جدلاً لانهائياً في
الأوساط الشرعية والاقتصادية، وإما أن يمتنع عن الإفتاء بحجة أنها
مسألة تستدعي الدراسة والتدقيق، (وبالطبع لن يحدث لا تدقيق ولا
دراسة)، وإما أنه سيبيح ذلك من باب أنه (مما عمّت به البلوى)، رغم
أن البلوى لم تعم، وثمة بدائل كثيرة لسيارات الجيب، مثل السيارات
الصغيرة، والسيارات (الهجينة) التي صارت تنتجها كل شركات السيارات
في العالم تقريباً. وبغض النظر عن الطريق الذي ستسلكه إجابة المفتي
فالأمر يستحق التجربة على أية حال، ومع أكثر من عالم دين، وبأكثر
من صيغة!
لا أعتقد شخصياً أن هذا السيناريو ساخر، بل جاد جداً. فإذا كان
هناك من استصدر فتوى تحرم الليبرالية، وعلقها في المنتديات، وحشد
بها الحشود، وسعّر بها الحروب، فمن الأجدر إذن أن نصدر فتوى تساهم
في إنقاذ الكوكب، وتخفيف نسبة انبعاثات الكربون وغيرها. أعتقد أن
إنقاذ الإنسانية جمعاء من الفناء التدريجي يستحق هذا الفتوى أكثر
من إنقاذ مجتمع ما من الليبرالية! أليست
هناك لجان شرعية من علماء كبار تعمل ليل نهار من أجل إضفاء صبغة
شرعية على معاملات بنك ما، وتصدر يومياً فتاوى للمصرفية الإسلامية
مثل (التورق)، و(القرض الحسن)، و(الائتمان الشرعي). فلماذا لا يوجد
لجنة مماثلة تعمل من أجل إصدار فتاوى مخصصة لكل شأن من شؤون
البيئة، مثل (انبعاثات الكربون)، (تدوير البلاستيك)، (بدائل
الطاقة)، إلخ؟
السعودية تحتل المرتبة (19) في قائمة الدول الباعثة للكربون القاتل
في البيئة، والمرتبة (12) في قائمة الدول الباعثة لغازات CFC التي
تهتك طبقة الأوزون، والمرتبة الأولى في العالم في (استنضاب) المياه
الجوفية غير المتجددة، والمرتبة الثامنة في معدل الجسيمات
المتطايرة التي تخترق الجهاز التنفسي PM10، والمرتبة السابعة في
العالم في تركيز ثاني أكسيد النتروجين السام. أليس من المخيف أن
تحتل دولة صغيرة الحجم نسبياً، قليلة السكان نسبياً، مثل السعودية،
كل هذه المراتب المتقدمة في تلويث الأرض؟ إن إحراز السعودية لهذه
المراتب المتقدمة في التخريب البيئي، مع صغر حجمها وقلة عدد سكانها
يوصلنا إلى نتيجة مؤلمة أخلاقياً، وهي أن السلوك البيئي للإنسان
السعودي من الأسوأ عالمياً، والسلوك الصناعي للمنشأة السعودية لا
يقل عنه سوءاً!
مع ذلك لم نلحظ أي نشاط إفتائي مكثف ومنظم لضبط هذا السلوكيات
المفسدة في الأرض، كما لم نشهد أي تفعيل لمبدأ الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر في الساحة البيئية. رغم أن هناك عدة بحوث
أكاديمية محكمة، وتجارب ميدانية اجتماعية، أكّدت أن الأديان قادرة
على رفع الوعي البيئي، وضبط السلوك الاستهلاكي أكثر مما تفعله
المليارات التي تنفق على الإعلانات والقوانين والدراسات الاجتماعية
الهادفة التي تصبّ كلها في حلم تحقيق هدف واحد، وهو حضّ عدد أكبر
من الناس على الانتباه لتدهور البيئة.
والإسلام دين بيئي من الطراز الأول، وكل أحكامه البيئية الأولى
التي صيغت في عهد النبوة تختصر كل ما انتهت إليه علوم البيئة
والاستدامة والإيكولوجيا الحضارية الجديدة. فلماذا كل هذه الأحكام
الشرعية معطّلة في السلوك اليومي للمسلم؟ ولماذا نحن، البلد الذي
يحتل قلب العالم الإسلامي، والبلد الوحيد تقريباً الذي يلتزم
الشريعة الإسلامية دستوراً، لماذا نحن نحتل كل هذه المراتب البيئية
الفظيعة المذكورة سلفاً؟ هل ثمة أطراف معنية تستحق اللوم؟ هل
المعاملات المصرفية أهم من المعاملات البيئية؟ هل طغيان الهم
الآيديولوجي أعمى الأبصار عن تدهور أخلاقنا البيئية إلى هذا الحد
المؤسف؟ أسئلة تحمل إجاباتها داخلها. |