مدنٌ عصبية!

جريدة الوطن السعودية، 25 يناير 2007


 

كان سفيرنا في الولايات المتحدة الأمير تركي الفيصل يخاطب الشعب الأمريكي قبل أسابيع في حفل أصدقاء السعودية قائلاً: "أعرف أن بعضكم يرى السعودية بلداً غامضاً، وأنا أدعوكم جميعاً لزيارة بلدنا الغامض". هذه حقيقة لا يمكن الجدل فيها، بغض النظر عن إيجابية صفة الغموض أو سلبيتها، فالسعودية اليوم هي أكثر بلد محافظ في العالم بأسره، والبلد الوحيد الذي لا يمكن وصفه بسهولة لمن لم يزره، ولا يمكن توضيح طبيعة العيش هناك بمقارنته بأي بلد آخر، وهو يغص بالكثير من الجدليات التي ينقسم حولها العالم، وما زال ملتزماً بنهج حضاري ذي عمق ثيولوجي يستعصي على فهم العابرين، والسائحين، والقارئين عن بعد، وربما بعض القاطنين. وليلاحظ القارئ محاولاتي الجادة وأنا أصوغ هذه الفكرة في تجنب مفردة (الخصوصية) خوفاً من أن يمل مني لفرط تكرر الكلمة، ويخرج من المقال كله، قبل أن أبدأ!


ثمة أشياء جميلة وخفية قد لا يراها إلا الغائبون عنها. وربما أن سنة من الغياب تكفي لرؤية ما يخفى أحياناً على الآخرين. فللغائب حواسٌ دقيقة من الحنين الموارب، تتلمسُ الوطن بشكل أعمق. صحيح أن الجولة الأولى في شوارع الرياض مثلاً لا تزال تخبرنا بما نعرفه من قبل، وتزيدنا يقيناً أن أعرافنا المرورية مثل أعرافنا القبلية، لا يمكن أن تتغير بسهولة. ففي الرياض، يعرف الجميع أنه من خوارق المروءة أن تسمح لسيارة أخرى أن تتجاوزك مهما بدا جلياً مدى اضطرارها أو إلحاحها أو أدبها في الاستئذان. وما زال سائقو السيارات في الرياض يقودون سياراتهم بروح الفارس الوثاب، يثيرون نقعاً، ويغيرون صبحاً، ويتوسطون جمعا، ورغم ذلك، اجتهدتُ بنية طيبة لألتمس العذر للسائقين العصبيين في مدينة عصبية، حتى إني بالغتُ في تلمس الأعذار إلى حدود الخيال، وحاولتُ قدر استطاعتي أن أستبعد الأسباب الحضارية أو الأخلاقية حتى لا أكون قاسياً على المدينة وسائقيها، قلتُ: ربما كثرة الأجانب، وربما حالة الشوارع، وربما انحدار الأسهم، وربما أنه غياب اللطف النسائي عن مقود السيارة، وربما في آخر المطاف أنها مجرد بدعة سيئة لا أحد يعرف من بدأها، ولا كيف ينهيها!


وصحيحٌ أيضاً أنه في مراجعتي الأولى للدائرة الحكومية إياها المعنية بهويات المواطنين، وجدتُ أن العبارة الموسيقية الجميلة (راجعنا بكرة) ما زالت مستوطنة في ألسنة الموظفين وكأنها جزء فسيولوجي من الفم، فقلتُ للحاديين ردّا المطيّا، ورغم ذلك، رحتُ أيضاً ألتمسُ أعذاراً عديدة، مستبعداً أيضاً الأسباب الإدارية، والوطنية، حتى لا أكون قاسياً على الدائرة وموظفيها، وقلتُ ربما جهل المراجعين، وربما ضعف الحوافز، وربما مركزية الإجراءات، وربما أنه غياب اللطف النسائي عن أجواء العمل، وربما في آخر المطاف أنها سمة لا تتغير من سمات العمل الحكومي، في كل بلاد الله!


من إيجابيات إعادة قراءة الوطن بعد غياب، أننا نقع على حالة مقارنة حضارية أكثر اتزاناً، وفيها مراوحة جميلة بين الجيد والسيئ، وفيها تمالك للنفس من الانسياق وراء جلد سلبي للذات المجلودة سلفاً حتى تسلخت. السعودية بلدٌ فاضل رغم بعض الحزن الطافر هنا أو هناك، وفيه وفرة من الخير الذي لم يقيض له نظامٌ إداري وقانوني محكم يجيد تنميته، وحصده، وتوزيعه، بعدالة، واقتدار. والسعودية بلدٌ يافع، نصف سكانه على مقاعد الدراسة هنا وهناك، أي أن عقولاً كثيرة قيد الصناعة الآن، ويمكن تأهيلها بما ينفع إذا اتفقنا معاً على تعريف النافع من غيره. والسعودية أيضاً بلدٌ يشبُّ عن الطوق الحضاري حثيثاً، ويعاني من عوارض المراهقة في حضارته، وبثور المواجهة والاكتشاف في مجتمعه، وعنفوان الانطلاق باتجاه العالم، ويحاول أن يتهجى جيداً كلماتٍ مهمة عن الآخر، والمختلف، والبعيد.


إن المراقب بعين حياد يجب أن يرى بوضوح أن البلد ناشئ، ولكنه نجيب. متأخر قليلاً، ولكنه مجدّ. مترهل بعض الشيء في جوانب إدارية، وإنسانية، وأخلاقية، ولكنه يعرف مكانه المرتقب على الخريطة القادمة للعالم. السعودية "الجديدة" صارت تؤمن ضعْفَيْ إيمانها من قبل بضرورة التثاقف، ليس كنمط ترفيّ من التواصل مع الآخر، ولا كعلاقة افتراضية سياسية لا بد منها، بل في الحقيقة، أحد الحلول القليلة الباقية أمام البشرية، عادةً ما تقع في الطرف الأضعف منه الدول ذات الثقافات الملتهبة، المتوجسة، والمستفزَّة. والسعودية بلا شك، في مقدمتها.


أيضاً، من الجمال الذي تلتقطه أعين الغائبين فقط، نزعة هذا الجيل الشاب نحو المزايدة في التميز بشكل خلاق لم يكن معهوداً من قبل. ويبدو أن المجالات المحدودة التي اعتاد أن يتنافس فيها المتنافسون قد ضاقت بالآفاق التي بدأت تتراءى لهم. تذكرتُ في السنوات السابقة عندما كانت الاهتمامات التي تصنع الاختلاف البيني المنشود بين الأقران تقتصر على قرض الشعر الشعبي، واعتساف التفوق الطبقي، والمفاخرة القبلية، والمباهاة المادية، واللهاث وراء شهادة دكتوراه نصف مستحقة، أو غير مستحقة على الإطلاق. لم يكن ثمة من ينشد التميز والتنافس في مجالات حالمة أخرى، بل إنها كانت بعيدة كل البعد عن الذهن الشبابي الجمعي. الآن أصبح منا من يصنع اختلافه على مستويات أرحب: الإنترنت، الإعلام، الرواية، السينما، التصوير، اللغات، التدوين، الفكر. وبغض النظر عن مدى استيعاب الجيل لكيفية المزايدة الإيجابية في هذه المجالات، تظل حقيقة تنوعها، وتعددها مؤشراً إيجابياً يبعث على الراحة، ويبشر بخلق قيم اجتماعية مبنية على الجهد المنتج، لا الجهد الموروث. كما أن هذا المتعدد والمتنوع إنما يمنح زوايا أخرى، جديدة، ينظر منها الجيل إلى ثقافته، ويعيد مساءلتها مستخدماً أدواتٍ جديدة هذه المرة، منقذاً نفسه من البقاء محبوساً في مساحة ضيقة من القيم الأخلاقية المفروضة، والمبررة، والمقولبة، والمعلبة سلفاً في عبوات غير قابلة للفتح، ولا إعادة التدوير!


جيلي الذي أنا فخورٌ به هنا، أصبح يتخلص تدريجياً من الجلد السلبي للذات، مهما ضاقت به السبل. أو لنقل إن جلد الذات ظل معلقاً في لسانه، ولم ينتشر في جسد طموحه كما قد فعل مع جيل سابق. صحيح أن الجيل الشاب جيلٌ ممتعض، بطبيعة الحال، ولكنه في مقابل امتعاضه الصوتي هذا، جيلٌ متحرك، ومنتج، وخلاق. أصبحت عنده قدرة فذة على اكتشاف المكان المناسب من الجدار لخلق نافذة، وصار قادراً عن إيصال صوته الخاص، غير المصادر، وغير المقولب. وإن اختلف معي المتشائمون هنا، أولئك الذين آذاهم الغبار إلى حد انعدام الرؤية، فإن وجهة نظري هذه ذات طابع مقارن، لأن المسافة التي قطعها المجتمع ينبغي أن تقاس من النقطة التي بدأ منها، إلى النقطة التي بلغها، وليس من النقطة التي يقفون فيها حالياً، إلى النقطة التي بلغها غيرهم، وهذا قياس غير عادل، أو بالأحرى، هذا قياس غير واقعي، وغير نافع. وهو خطأ نظري يقع فيه المتشائمون، والعاجزون، ومدمنو جلد الذات.


لن يقف شيء في وجه السيرورة الاجتماعية أبداً، ولم يكن يوماً لثقافة ما، مهما بلغت من التمكن والثبات، أن تقف في وجه الزمن المتحرك دائماً، وهذه بُشرى لكل الذين أصابهم التشاؤم في مقتلٍ من الثقة بمجتمعهم، ثم تركهم عاجزين عن إنجاز حراك اجتماعي بناء، وسبب لهم كساحاً في الرؤية، وانهزاماً في النفس. التغيير سيحدث بقوة الريح وحدها، أما رتم هذا التغيير فهو ما تحدده رؤى الجيل أولاً، ثم الظروف التي يهيئها المجتمع لذلك ثانياً، وهي حسب رؤية واقعية منطقية وعقلانية للأمور، تم ويتم تهيئتها تدريجياً حسب الممكن الاجتماعي، في هذه الحقبة من عمر الوطن.


السعودية الجديدة تحتاج إلى التخفيف من قلقها الذي تفرضه عليها قوانين التغيير، وستصبح الحركة نحو الأمام أيسر. فالوطن ينتقد نفسه بشكل جيد مؤخراً منذ أن تقاربت الهوة الأزلية بين التنظير والتنفيذ، وإذا استطاع المراقب أن يعي الفرق بين أعمار البشر، وأعمار المجتمعات، فلا شك أنه سيمتلئ حماساً وتفاؤلاً. فالحقبة الآن تشبه حقبة حمى الذهب، فرصٌ وخيراتٌ وافرة، يقابلها اتجاهات ورؤى متصارعة في ميدان واحد، الأمر الذي يتطلب حزماً في مواجهة الخلل، ومشاركة شعبية، وبالطبع: عصبية أقل.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي