|
قال راي أندرسون وهو يتحدث عن
يقظته الضميرية كمدير مصنع ((سيأتي يومٌ يكون فيه كل هذا.. ضد
القانون)). إنه لا يتحدث عن ممارسة سوداء غفلت عنها أعين الحكومات،
بل عن كل الممارسات الصناعية المشروعة (حالياً) فوق ظهر الكوكب.
هذا يعني بالضرورة أننا لو قفزنا إلى المستقبل، وأخذنا معنا كل
كبار رجالات الصناعة والاقتصاد الصناعي الحاليين على الأرض، فإن
مكانهم المستقبلي (نظرياً) هو السجن، وفي احتمالات معينة، الإعدام!
تلك ليست قصة خيال علمي، أو هذيانات التائبين المنفصمين عن العالم،
بل إنه تصريح رسمي رصين من صاحب أكبر شركة سجاد في العالم، بواقعية
رجل الأعمال العصامي الذي بنى شركته من الصفر حتى تربع على سوق
السجاد العالمي. مئات الملايين يطؤون سجاد مصنعه يومياً في كل بلد،
وهذا نجاح لا يحققه إلا من يجمع بين صفتين: القدرة على قراءة
الواقع بتفاصيله الدقيقة، والقدرة على تبصر المستقبل بآفاقه
المتعددة. وبالطبع، راي أندرسون لا ينقصه أيا منهما إطلاقاً، وهذا
ما يمنح كلماته موثوقية عالية، تدق آلاف الأجراس في ردهات الاقتصاد
العالمي، وتنبه إلى أنه قد بلغ المنعطف أخيراً، وإما أن يغيّر
اتجاهه الذي اعتاده منذ قرون، وإلا فسيقع في الهاوية.
يرى راي أندرسون أن الثورة الصناعية التي بدأت منذ القرن التاسع
عشر يجب أن تنتهي، لأنها ثورة خاطئة، مدمرة، كاد الكوكب أن يلفظ
أنفاسه تحتها. ولكن حكمه هذا ثوري أيضاً. فالثورة الصناعية التي
يطالب أندرسون بإحالتها إلى هذا التقاعد المخزي هي كل ما صنعته
البشرية منذ تعلم البريطانيون كيف يصنعون آلة تمتح الماء من البئر
بشكل أسرع وحتى تعلم الأمريكيون كيف يزرعون شريحة كمبيوتر في دماغ
الإنسان. إنها ثورة ذات رصيد ثقيل، ضربت أطنابها في الأرض، وتجذرت
حتى إنه ليستحيل نزعها دون أن نصيب الحضارة بالشلل. كل اقتصادات
العالم تأسست على هذه الثورة الصناعية، كل منتج نستخدمه يومياً هو
ابن هذه الثورة، ولكنه ابن غير شرعي، ولد سفاحاً من ثروات الأرض
المستنزفة المستباحة بلا نصير، والتي لا يمكن تعويضها.
في أطروحات راي أندرسون جانبان مختلفان في طبيعتهما، ولكنهما
متكاملان في شخصيته بشكل مدهش. أحدهما أخلاقي والآخر عملي. الجانب
الأخلاقي عبّر عنه بشكل رائع جداً في خطابه الشهير أمام عمالقة
الصناعة والاقتصاد الصناعي في العالم، عندما توجه إليهم بصوته
العميق الهادئ بسؤال يرهق الأعصاب: ((ألا تعتقدون أني أعرفكم
جميعاً بما يكفي لأناديكم: يا رفاقي الناهبين؟)) هذا هو السؤال
الذي أثار حفيظتهم، واشرأبت له أعناقهم، وتمعرّت وجوههم الرصينة،
وراحوا يتبادلون مع بعضهم نظرات عصبية رغم أنهم اعتادوا على شتائم
واتهامات أنصار البيئة، ومجانين الطبيعة، إلا أن الذي يخاطبهم الآن
هو مثلهم الأعلى، وقدوتهم المحتذاة. راي أندرسون، الصناعيّ الذي
يتمنى كل منهم تاريخاً كتاريخه، ومجداً صناعياً كأمجاده، ولهذا كان
أن يصارحهم بهذا الاتهام الفجّ، من منبر اقتصادي وصناعي كهذا الذي
يتحدث منه، صادماً جداً. وهي الصدمة التي مهّدت الطريق لبقية
الخطاب الذي عرّى فيه أندرسون حقيقة الصناعة غير المستدامة التي لا
يعرف أغلب المستهلكين في العالم نتائجها الكارثية.
بعد صدمة سؤاله الأول أكمل أندرسون خطابه الهادئ المرعب بنفس
النبرة البطيئة قائلاً ((لا يوجد شركة صناعية واحدة على وجه الأرض،
لا شركتي ولا شركاتكم، يمكن أن نعتبرها شركة صناعية مستدامة. أنا
أقف أمامكم متهماً نفسي كأحد (ناهبي) الأرض، دون أن يتهمني شخص
آخر. أنا مدان بنهب الأرض، ولكن ليس حسب تعريف حضارتنا الحالية
للنهب، فحسب تعريف حضارتنا أنا قبطان الصناعة، وبطل معاصر، ولكني
في الحقيقة، في الحقيقة، هل أنا كذلك؟))
ذلك هو الجانب الأخلاقي في انعطافة أندرسون الكبرى. أن ينظر إلى
الصورة الكبيرة بمنظار أصفى، بعيداً عن التمويه الحضاري للحقائق،
والتلميع الاقتصادي للممارسات الصناعية، وكل تلك المسميات المقصودة
للتطويح بأفعالنا بعيداً عن أثرها المباشر البسيط. عندما تكون
ثروات الكرة الأرضية محدودة جداً، واقتربت من النفاد بعد قرنين من
استنزاف رجال الصناعة لها، وفشل رجال الاقتصاد في توزيع عوائدها
بعدالة، فهل هذا مجد صناعي/اقتصادي، أم نهبٌ تاريخي منظّم لثروات
الكرة الأرضية، تحت غطاء حضاري كاذب؟
أما الجانب العملي في شخصية أندرسون فهو أنه، بعد هذه الصحوة
الضميرية الحادّة، لم ينسحب انسحاب التائبين، ولم يعتزل الصناعة
تاركاً وراءه ذيلاً طويلاً من الذنوب كما يفعل كثيرون. بل قرر أنه
إذا كان قد استطاع بناء أكبر مصنع سجاد في العالم، فهو حتماً
يستطيع أن يجعله مصنعاً مستداماً. وهو ما (يحققه) مصنعه الآن
فعلياً، ومنذ عام 1995 استطاع أندرسون أن يجعل ثلث إنتاج مصنعه من
السجاد مصنوعا بشكل مستدام (من مواد طبيعية متجددة وليست محدودة)،
ويعتزم أندرسون جعل المصنع مستداماً بنسبة 100% بحلول 2020.
إن كل من يعرف القليل جداً عن الاقتصاد الصناعي يعرف حتماً أن ما
حققه أندرسون ليس إنجازاً عادياً، بل وثبة صناعية هائلة جداً في
تاريخ الحضارة، وفي الاتجاه الصحيح هذه المرة، لا يستطيع أن يثبها
إلا أشخاص قلة يملكون عقلاً صناعياً محنكاً مثل أندرسون، وضميراً
يقظاً كضميره، ورؤية نافذة كرؤيته. |