كائن رقابي

جريدة الوطن السعودية


الرقابة لدينا كائنٌ لم يره أحد، رغم أن آثاره لا تخفى على أحد. والذي يدفعه الفضول للبحث عن هذا المخلوق الرمزي ولقياه قد يبذل من الجهد أكثر مما يجني من المعرفة، فلا طائل من ذلك إذن، لأنه سيخلص في النهاية إلى حقيقة أن الرقابة مهنة وليست شخصاً، حالة وليست ثقافة، وأداة وليست مشروعاً. إن هذا يقلل من شأن الرقابة كمرجعية، دون أن يشكك في تأثيرها كسلطة. فالمهنة متحيزة، والحالة متغيّرة، والأداة مستَهلَكة، ولا يمكن لهذه الأشياء أن تكون مرجعاً لشيء، ولكنهم، المهنة/الحالة/الأداة، يحدثون آثاراً ثقافية كبرى إذا اكتسبوا الأدوات السلطوية المناسبة.
إذا أردنا نقد الرقابة بشكل عملي فعلينا أن نتجاوز الإغراق في جدليات الرقابة وفلسفتها التاريخية والأخلاقية، ونحصر فعلنا النقدي في مساحة محلية حتى لا نخسر العائد العمليّ من ممارستنا النقدية هذه. فلن نتساءل مثلاً: لماذا الرقابة؟ وهل هي شر أم خير؟ بل سنصنع سؤالاً عملياً آخر يبحث عن إجابة نافعة ومريحة: ما هي مرجعيات الرقابة لدينا؟ وإذا تسرعنا في طرح إجابات بدهية (كالدين، والتقاليد، والسياسة، والصالح العالم..) فسنكتشف بسرعة أننا وقعنا على أحد مفاصل المتاهة الرقابية، فالإجماع البدهي على أن هذه المرجعيات الكبرى هي الرقابة، هو الذي جعل الرقابة، كما سبق، كائناً لا يراه أحد، ولا يمكن تمييز ملامحه، لأن هذه المرجعيات أكبر بكثير من أن نستخدمها للخلاص إلى مفهوم محدد.
هذا يجعل من كل الاجتهادات الثقافية الممكنة لتقليص هذه المرجعيات الكبرى، وكبسلتها في معايير دقيقة ومحددة ودائمة، هي اجتهادات موعودة بالفشل. لعدة أسباب، أولها أن بقاء المعيار فضفاضاً، والمرجعية كبيرة حد التوهان، هو هدف رقابيّ أساسي لن يتنازل عنه الرقباء، لأنه يكفيهم صداع التبرير والمراجعة والجدل مع المعترضين على حكمهم الرقابي، وهم الذين اعتادوا ألا يُسألوا عمّا يفعلون، وإن سُئلوا ففي (متاهة المرجعية الفضفاضة) ملايين التبريرات الجاهزة. والرقيب الضليع بأسرار مهنته معتاد على اختراع التأويلات، وتأليف السياقات، ليقنع نفسه ومرجعه بخطورةٍ ما، تبرر حدة مقصه.
وثاني هذه الأسباب هو أن تقنين معايير الرقابة يلغي الجانب الإبداعي في عمل الرقيب، ويحول الرقابة إلى مهنة آلية لا فضل فيها لرقيب على رقيب. وهذا بالتأكيد سيؤدي إلى انهيار (صناعة الرقابة) تماماً على رؤوس المستفيدين منها، والمقتاتين على إقناع الجهات المعنية بحاجتها الماسّة إلى خبراتهم الرقابية، والترويج لقدرتهم الاستثنائية على تسيير عجلة الإعلام في المسار الذي تريده هذه الجهات دون أن تضطر إلى تلويث يديها بوعثاء العمل الإعلامي بشكل مباشر. إن أثر (تقنين الرقابة) على هؤلاء يشبه تماماً أثر (الحكومة الإلكترونية) على مكاتب الخدمات العامة والمعقبين. فمن المتوقع إذن أن يقفوا بشدة ضد أي جهود ثقافية تدعو إلى ذلك.
هذه هي الرقابة، كحالة، وكمهنة، وكأداة في مشهدنا الفكري. إنها صناعة منظمة، ولا طائل من المجادلة حول منافعها وأضرارها، وخيرها وشرها، لأن هذا يدخل في الشقّ الفلسفي من الرقابة، والذي اتفقنا أن مناقشته تخرجنا من الإطار العمليّ الذي ننشده، والمحليّ الذي يهمنا أمره. ولننصرف مرة أخرى إلى طرح الأسئلة العمليّة النافعة، مثل: ما هو الكائن الرقابي؟ والسؤال الذي يبدأ بـ (ما هو) وليس (من هو) يشير إلى أننا نفتش عن الماهية وليس الهوية.
إن التعرف على ماهية الكائن الرقابي لدينا عن قرب يحمل فوائد كثيرة للثقافة، من أقلها أنه يجعل الكائن الرقابي مألوفاً بما يكفي لتخليص المثقف من هاجسين مدمرين: التحفظ غير المبرر، والنضال غير المبرر أيضاً. فالذي يعرف رقيبه جيداً لن يتحفظ عشوائياً، بل يستطيع ترتيب عطائه الثقافي بحسب رغبته في ملامسة الخطوط الحمراء، دون أن يمعن في الإحجام عنها إلى حد إعاقة إمكانياته الثقافية بنفسه. والذي يعرف رقيبه جيداً لن يمعن في امتطاء نضال لا طائل منه، وذي طبيعة غير ثقافية أصلاً، لأن العائد المعنويّ من هذا النضال يتضاءل كلما زادت ألفة الناس مع الكائن الرقابي. وإذا تخلصت الثقافة من هذين الهاجسين، فستنمو وتتعملق إلى الحد الذي تختفي معه الرقابة بصورتها الكلاسيكية، وتتضاءل جدواها تماماً، أو تتحور لتصبح ممارسة ثقافية مفيدة!
الكائن الرقابي يمكن حصره (عملياً) في قالبين: السلطة الفكرية، أو المسؤولية الإعلامية. مع أن قوالب أخرى (غير عملية) قد تعبّر عن كائن ثقافي، مثل (الرقيب العرفي) و(الرقيب الذوقي) وغيره، ولكن تركيزي على الأولين فقط مردّه أنهما غالباً يتأبطان أجندة ما يستعينان بالوظيفة الرقابية على إنجازها، بخلاف بقية القوالب التي تمارس الرقابة بتلقائية. وهذا ما يمنحهما بعداً عملياً مؤثراً في الثقافة يمكن محاكمتهما من خلاله.

سؤال ثالث: متى يكون الكائن الرقابي مهنة؟ ومتى يكون حالة؟ ومتى يكون أداة؟
الكائن الرقابي المقولب في سلطة فكرية أو مسؤولية إعلامية قد يكون (مهنة). أي أنها وسيلة مباشرة لتحقيق عائد ما، ذلك يشبه تعيين حارس شخصي لحماية منشأة من المنشآت، بغض النظر عن مدى قناعة الحارس بأهمية هذه المنشأة أو فضلها.
الكائن الرقابي المقولب في سلطة فكرية أو مسؤولية إعلامية قد يكون (حالة) في مرحلة ما من مراحل تطبيع الأجندة. (حالة) تستدعي الانغلاق التام من أجل إتاحة الفرصة لأفكار معينة بالنمو، وتثبيت جذورها في المشهد الثقافي، أو (حالة) أخرى تستدعي سدّ بعض الأبواب مؤقتاً حتى يتاح للمشهد الثقافي ترتيب نفسه بكيفية تتيح له تحمّل الرياح التي تأتي من هذا الباب. الحالة الأولى يمثل عليها انعدام القنوات التلفزيونية الخاصة لوقت طويل، والاكتفاء بالتلفزيون الحكومي فقط، والحالة الثانية تذكرنا بالأيام التي كانت فيها كلمة (حداثة) ممنوعة في صحفنا المحلية حتى أمد قريب نسبياً.
الكائن الرقابي المقولب في سلطة فكرية أو مسؤولية إعلامية قد يكون (أداة) لتحقيق هدف سريع قصير المدى. والذي يتصفح صحفنا المحلية يلاحظ بسهولة كيف تستخدم الرقابة (كأداة) تشبه (ماوس) الكمبيوتر الشخصي. وبالقليل من النظر الثاقب في الصحافة المحلية على مدى سنة أو سنتين يمكننا أن نبصر بوضوح (نسقيّةً) ما في ثنايا الأخبار والمقالات والتحقيقات. مثل التصعيد المكثف ضد جهة حكومية ما، ثم التجاوز عنها بعد أن اكتمل (النصاب) النقدي المقدّر لها. ومثل الترويج المكثف لفكرة أو مشروع ما، ثم انتهاء الموجة الترويجية بعد إقرار المشروع أو تحقق الفكرة.
قد يرى القارئ أن تلك مهمة روتينية من مهام الصحافة. هذا ممكن لو كانت الموجة عبارة عن مجموعة أخبار فقط، ترد إلى الصحيفة بشكل مهني وروتيني، أما أن يشترك محررو الأخبار، وكتّاب الرأي، وصحفيو التحقيقات، ورسام الكاريكاتير معاً في نفس التصعيد، ثم التجاوز، في الترويج ثم الركود، فهذا لا يجعل من السهولة تقبّل فكرة أن هذا كله لم يكن إلا الانعكاس الصحفي العفوي لأحوال المجتمع، بل إن الجميع هنا يتحول إلى (أداة) لتصحيح وضع ما، أو تحقيق هدف ما، قد لا ينتبه بعض المنتسبين في تحقيقه إلى ماهيته الحقيقية.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي