أخلاق أمريكية

جريدة الوطن السعودية


في دراسة أكاديمية حول أخلاق الجيل الجديد من الأمريكيين، قامت باحثة بتوزيع استبيان بين 400 طالب وطالبة تتراوح أعمارهم بين 16 و20 سنة، ينتمي نصفهم إلى طبقة غنية نسبياً، والنصف الآخر إلى طبقة فقيرة نسبياً أيضاً. الاستبيان لم يشترط ذكر الاسم ولم يطرح على الطلاب أكثر من عشرين كلمة، وطلب منهم ترتيب قائمة الكلمات هذه حسب أهميتها بالنسبة لحياتهم. القائمة كانت عبارة عن خليط من القيم الروحية، والاجتماعية، والخلقية، والمادية مثل: العمل، السلطة، الدين، الشهرة، العلم، المال، الحب، الصدق، التعاون.. إلى آخره.
كانت توقعات الباحثة حول قيم وأخلاق الجيل الجديد منخفضة بعض الشيء بحكم أنها شخصياً في الخمسين من عمرها، وتنتمي إلى جيل سابق. وما بين جيلها وجيل هؤلاء الطلبة حدثت في أمريكا طفرات اقتصادية وسياسية واجتماعية وأخلاقية هائلة، وانقلبت الكثير من المفاهيم التي تتحرك في عروق المجتمع. مثل حركة الحقوق المدنية في الستينات، والثورة الجنسية في السبعينات، والركود الاقتصادي في الثمانينات، وانتهاء الحرب الباردة في التسعينات، وأحداث سبتمبر في الألفين. وكلها أحداث عميقة في الوجدان الأمريكي، كفيلة بإعادة تشكيل الموازين الأخلاقية، وبناء هرم مختلف من القيم والمبادئ. كل هذا بالإضافة إلى تغير جذري في الإعلام وقدراته الجديدة، ودوره في تشكيل الفرد وصياغة المجتمعات. ولذلك كان الفضول لمعرفة إلى أي حد تغيرت قيم الجيل الأمريكي الجديد وأخلاقياته دافعاً للباحثة للقيام بهذا الاستبيان.
وحسب إفادتها في المؤتمر الذي طُرحت فيه النتائج أنها كانت تتوقع اختلافاً كبيراً، وطغياناً لقيم المادة على القيم الروحية والأخلاقية. ولكنها تفاجأت بعكس ذلك تماماً. فقد اتفقت نسبة ساحقة من الطلاب والطالبات على القيم الأخلاقية الأربع الأولى والأهم بالنسبة لهم وهي: مساعدة الآخرين، الصدق، العلم، تقدير العائلة وكبار السن. وبعد القيم الأربع الأولى، بدأت إجاباتهم بالتباين واختيار قيم مختلفة. ولم تختلف إجابات الأغنياء منهم عن أترابهم الفقراء.
حملت الباحثة استبيانها معها وسافرت إلى البرازيل، وهناك قامت بتطبيقه على المئات من الطلبة البرازيليين في المرحلة الجامعية، ولكنها هذه المرة طلبت منهم طلبين: الأول أن يرتبوا قائمة العشرين حسب أهميتها في حياتهم مثلما فعل الأمريكيون، والثاني بأن يخّمنوا إجابات نظرائهم الأمريكيين حتى يتسنى للباحثة معرفة كيف ينظر البرازيليون لأخلاق أمريكا. إجابات البرازيليين عكست اهتماماً بالغاً بالقيم والمثل العليا، مشابهة جداً لتلك التي اختارها الأمريكيون، ولكن نظرتهم لأمريكا كانت سلبية جداً. فقد اتفق أغلبهم على أن الأخلاق الأمريكية في الحضيض، وتوقعوا أن أهم ما يعني الأمريكيّ هو: المال، والشهرة، والسلطة، وغيرها. وفي المؤتمر، عرضت الباحثة على طلاب الجامعة البرازيلية نتائج الطلاب في أمريكا، ليندهش الجميع بسبب التباين الواضح بين أخلاق الأمريكيين الفعلية، وبين نظرة البرازيل لهم.
حملت الباحثة استبيانها نفسه، وقامت بتطبيقه تباعاً في الأرجنتين، وتشيلي، ولاتفيا، وليتوانيا، وأستونيا، والمجر، وروسيا. لتخرج بدهشة كبرى من تطابق النتائج. فالجميع يظنّ بأخلاق أمريكا ظنّ السوء، بينما نتائج استبيانها الذي قامت به بنفسها على 400 طالب وطالبة، من فئات اجتماعية مختلفة، كانت عكس ظنون العالم تماماً. ولهذا دخلت في مناظرات مكثفة لتحري المصادر التي استقوا منها فكرتهم حول أمريكا وأخلاقها لتكتشف أن بعضهم لم يزوروا أمريكا مطلقاً، وأنها هي كانت أول أمريكية يلتقونها في حياتهم. البقية كانت لهم تجارب مختلفة، إلا أن الغالبية أجمعت في النهاية أن الإعلام هو سفير أمريكا لديهم، عبر مصادرة الخمس الكبرى التي شكلت في النهاية وجهة نظر العالم حول أمريكا وشعبها: (1)أفلام هوليوود الزائفة، (2) مسلسلات تلفزيونية مشوهة، (3) محطات الأخبار المتحيّزة، (4)بروباجاندا الدول الكارهة لأمريكا أيديولوجياً، (5)عنجهية السياسيين الأمريكيين وقادة الجيش.
والذي زار أمريكا ماضياً، وحاضراً. وعاش بين أهليها سواءً في الحواضر الكبرى، أو في الضواحي والقرى الهادئة، يلمسُ (إن كان منصفاً) حالة عامة من البساطة والعفوية والأريحية، (بالتأكيد هناك استثناءات)، رغم كمّ التعقيد الهائل الذي صار إليه المجتمع الأمريكي بوصفه أقوى دولة في العالم، وأكبر اقتصاد في العالم، وأكبر مجتمع مهاجرين في العالم، وأغنى دولة في العالم. كل هذا لم يحدث فرقاً يذكر بين أخلاقيات جيل الباحثة قبل خمسين سنة، وأخلاقيات جيل اليوم. الجميع يعتقد أن مساعدة الآخرين هو قيمة أمريكية عليا، وهذا مرجعه إلى ظروف الهجرة المتتابعة في بدايات القرن. بل إن أحد أهم الأعياد السنوية التي يحتفل فيها الأمريكيون دون بقية العالم هو (عيد الشكر)، الذي لم يكن أكثر من تعبير عن امتنان المهاجرين للمساعدات التي قدمها الهنود الحمر لهم، قبل أن تنشب بينهم حرب الإبادة.
هل هذا يعني أن أمريكا، صاحبة أقوى آلة إعلامية في العالم، فشلت في عكس الواقع الحقيقي لأخلاق شعبها؟ ما سبب التناقض الهائل في التصورات بين داخل أمريكا وخارجها؟ وكيف وصلت هذه الدولة الكبيرة إلى هذا الحد من الانفصام بحيث صاروا ينتخبون أقل السياسيين تعبيراً عنهم، ويموّلون أكثر الأفلام تشويهاً لهم، ويبثّون الأخبار التي تستفزّ العالم، وتستعديه عليهم؟
هذه هي الأسئلة التي طرحها مثقفو أمريكا على مجتمعاتهم من قبل، وتحولت أخيراً إلى أسئلة (رأي عام)، ومن ثمّ إلى محاور انتخابية مهمة في الانتخابات الرئاسية القادمة. فكل المرشحين بلا استثناء يتحدث عن التغيير، وعن رغبة الشعب الجارفة في إعادة التصالح مع العالم، وترميم الصورة الأمريكية التي هدمتها ثماني سنوات (بوشيّة) عجاف. وهذا ما دفع مجلة (التايمز) لأن ترثي على حال بوش في سنته الأخيرة عندما قال محررها بسخرية مريرة: ((الجميع يتحدث عن التغيير وكأن جورج بوش لم يكن إلا إطاراً تالفاً!)).

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي