عيد (منع) الحب

موقع العربية


اليوم هو ما تعارف عليه العالم باسم (عيد الحب)، وما تعارف عليه السعوديون باسم عيد (منع) الحب. وهو اليوم الذي تصبح فيه الزهرة سلعة رائجة في العالم، وسلعة (محرمة) في السعودية. وهو أيضاً اليوم الذي تكتسي فيه شوارع العالم بأطياف اللون الأحمر، وتكتسي فيه شوارع السعودية بأرتال (الجموس) البنية. وهو اليوم الذي يرتاح فيه العالم من الجدل ويتفرغ للحب، واليوم الذي يتوقف فيه السعوديون عن الحب، ويتفرغون للجدل!

ولأننا نكره الغرب جداً، قررنا (تحريم) كل طبائعه وأعياده، والمعاقبة عليها بالاعتقال والمصادرة. رغم أننا نردد في وسائل الإعلام أننا شعبٌ ودودٌ لا يكره أحداً، دون أن ننتبه إلى تناقضنا في الإجابة على سؤال مثل: (لماذا تعتقل من يشتري زهرة حمراء إذن؟) فنجيب عليه بتلقائية: (لأنه تشبّه بالغرب!)، هل توجد كراهية أكبر من هذه؟ أن تكره أحداً إلى حد اعتقال من (يتشبه) به فقط، فضلاً عن أن (يكونه)؟ كيف يمكننا تبرير هذا الفعل الممعن في الكراهية وسط الرسالة المموّهة بالمحبة؟ الرسالة التي تقول أن الإسلام دين التسامح والمحبة، ولكن عندما يتعلق الأمر بالزهور الحمراء، فلا تسامح ولا محبة، والرسالة التي تقول أن السعودية مملكة الإنسانية، ما عدا في يوم 14 فبراير، عندما تنخرط في ممارسة أقرب للتنكيل بكل من تسوّل له نفسه أن يعلن الحب في عيد (منع) الحب!

عيد منع الحب السعودي لا يمكن مناقشته موضوعياً إلا بطريقتين: الأولى دراسة اجتماعية ثيولوجية شاملة تجيبنا على أسئلة من نوع: لماذا يشعر رجل الهيئة بالنشوة عندما يسحق زهرة حمراء، أكثر من نشوته إذا قبض على مروج مخدرات مثلاً؟ باعتبار رجل الهيئة هو الذراع التنفيذي للتيار الذي يتبنى منع عيد الحب. والطريقة الثانية هي كاريكاتير محبوك بيد رسام يتقن فن الضحك الباكي، لأن القضية برمتها تحمل من السخرية ما يكفي لإضحاك نصف العالم، وإبكاء نصفه الآخر.

عيد الحب ليس قضيةً وحده، لأنه يفتقر إلى أركان القضية. ولكنه جزءٌ من قضايا ثقافية أكبر، متداخلة في بعضها مثل كرة كبيرة من الصلصال الملون، لا نستطيع أن نصل إلى رأس قضية منها حتى نقع على ذيل أخرى. وعندما نتمكن من تشريح قضايانا الثقافية الكبرى مثل: هويتنا والآخر، والفرديّة مقابل الجمعيّة، سنجد أن قضية عيد الحب انزلقت بيسر وسهولة، واختفت من سطح الجدل مثل نكتة تاريخية مهترئة، لا أحد يصدق أنها في يوم ما: كانت قضية (رأي عام) تتكرر كل سنة! 

عيد منع الحب إذن ليس إلا فرصة سنويّة ليعرض أحد التيارات عضلاته على التيار الآخر. إنها موسم (الروديو) التيّاري السعودي. عندما يمتطي أحد التيارات ظهر المجتمع الهائج، ويحاول أن يثبت قدرته على السيطرة عليه، وتوجيهه حسب معتقداته التيارية، بينما التيارات الأخرى تتفرج بحنق. ولأنه فرصة سنوية لاستعراض السلطة الاجتماعية، يتم الاستعداد لعيد الحب بشكل (مارشالي) كما يحدث في الاستعراضات العسكرية. وتماماً مثلما تعلن الصحف (الهيئة تشكل فرقاً ميدانية للتصدي لمظاهر عيد الحب، الهيئة تكمل استعداداتها لعيد الحب.... الخ!)

أحد انتصارات التيار المتشدد في السعودية أنه استطاع كسب المعركة القانونية التي حولت الاحتفال بعيد الحب إلى جنحة رسمية يعاقب عليها القانون، وبالتالي اكتسب الشرعية التنفيذية بالمنع. وقبل ذلك فشل التيار نفسه في معارك قانونية أخرى ضمن سلسلة تحويل (الحرام الشرعي) إلى (ممنوع حكومي) حتى يتسنى للتيار القيام بمهامه التنفيذية. مثل: التدخين، الغناء، الاختلاط في بعض الشركات الكبرى، وغيرها. وهذه ممارسة متوقعة من التيار الذي يسعى لتعظيم مكاسبه الاجتماعية بأحد الأدوات المتاحة: القانون.

ورغم أنه من غير المعروف بشكل واضح آلية تحويل (الحرام) إلى (ممنوع) في السعودية. إلا أن المجتمع يخضع لها بشكل يومي، فلماذا لا يتساءل حولها إذن؟ هل هناك هيئة شرعية حكومية تقوم بهذه الآلية؟ وإذا كانت كذلك، فلماذا تمنع هذه الهيئة الزهرة الحمراء وتسمح بالدخان والغناء؟ رغم أن حرمتهما أشدّ غلظة، (حسب رأي التيار طبعاً)، ولكن القانون لا يعاقب عليهما لا بالمنع ولا بالمصادرة. ألا يتساءل المجتمع، بشقّه المنتمي للتيار المتشدد خاصة، كيف أن الغناء والزهرة كلاهما محرمان، ولكن الأول شأنه (متروكٌ) للخيار الشخصي، والثانية شأنها (منزوع) بالقانون الرسمي. من الذي يحدد ذلك؟

ليس في محاولة مقارنة التدخين والغناء بعيد الحب أي محاولة لمحاصرة التيار المتشدد في ركن يستفزّه، أو معايرته بعجزه عن هذا، وقدرته على ذاك. ولكن من حق المجتمع في هذه المرحلة من وعيه وإدراكه أن يفهم الآلية، بغض النظر عن الاختلاف الاجتماعي حول قائمتي المحرمات والممنوعات المتناقضتين. لا نريد إجابات تسرد لنا عشرين فتوى على تحريم عيد الحب، ولا نريد شعارات ليبرالية تمعن في التشكي والتظلم. نريد فقط تفسيراً واضحاً لكيفية انتقال التحريم من سطور الفتوى، إلى دفاتر القانون. وإذا كانت الفتوى هي القانون، فلماذا يُسمح بالتدخين، وإذا كانت الفتوى ليست القانون، فما هي العلاقة بينهما إذن؟

الأسئلة أعلاه أسذج من أن تطرح على نطاق واسع من فرط ما تعارف الناس عليها، وصارت شأناً عادياً ومتوقعاً. ولكن خلف الأشياء العادية تكمن أكثر الأسئلة غرابة، وإذا أردت أن تصرف أنظار الناس عن خبيئةٍ ما فعليك أن تحولها إلى شأن عادي، تصبُّ عليه الشمع الروتيني اليومي، فيتجمّد كحقيقةٍ يبتلعها المجتمع ويمضي. رجل الهيئة سيدخل المحلات اليوم ويمدُّ يده لمصادرة الوردة الحمراء باسم القانون، ولكنه سيترك علبة الدخان دون أن يمسها. رغم أن رجل الهيئة يحمل في جيبه فتوى تحريم التدخين وفتوى تحريم عيد الحب معاً. ورغم أن الأولى أقدم من الثانية بعقود، إلا أنها ما زالت عاجزة عن التحول مثل شقيقتها إلى قانون. كل هذا يحدث في قلب المجتمع، ثم ينشغل أفراده جدليّات هامشية، وينسون السؤال المحوري: لماذا تصادر الزهرة، وينجو الدخان؟ 

الأسئلة أعلاه إذن لا تحاول فهم آلية تحويل المحرم الشرعي إلى جرم قانوني فقط، بل تحاول تمهيد الطريق أمام تساؤلات أكبر: في مجتمع حضاري من مجتمعات القرن الحادي والعشرين، ما هي قائمة الممارسات التي يمكن للإنسان أن يمارسها أو يتجنبها باختياره الشخصي، ومنطقه الخاص، وما هي تلك التي يجب أن يتدخل النظام لمنعها أو إباحتها، ملغياً الخيار الشخصي تماماً؟ هذا السؤال ليس صعباً، لإن إجابته متوفرة في كل الجهات الأربع. إلا أننا لا نفتقد إجابته معرفياً، بقدر ما نفتقد ممارسته دستورياً. وعندما نتمكن من ذلك، نكون قد قطعنا خطوة حضارية واسعة. أوسع مما نتصور.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي