|
أتساءل ما إذا كان التصعيد
الإعلامي لجرائم (بعض) البنغاليين في السعودية يخفي وراءه أجندةً
ما، أم إنه مجرد متابعة إعلامية عادية لظاهرة متصاعدة؟ أليس من
الممكن أن يكون محاولة مدروسة لإحراج تجار التأشيرات الذين أرهقوا
البلد منذ سنوات، ومحاولة للتضييق على تجارتهم الجشعة القائمة على
نثر العمالة في الشارع وجباية الأموال منهم دون أي سؤال عن مصدرها؟
هذا الافتراض يعني أن ثمة حرباً غير معلنة قد بدأت بين تجار
التأشيرات من جهة، وبين مسؤولين في كيانات حكومية متضررة من تبعات
هذه التجارة من جهة أخرى، وامتدت هذه الحرب من ميادينها التشريعية
والتنفيذية إلى الميدان الإعلامي، ليستخدم كل طرف سلاح التحريض
الشعبي ضد خصمه هذه المرة، وهذا ما يبرر تصاعد موجتين متصادمتين في
الإعلام مؤخراً: الأولى في الهجوم المستمر على وزارة العمل
وقوانينها واتهامها بتعطيل الاقتصاد وتنفير رؤوس الأموال، والثانية
في التصعيد الإعلامي لجرائم (بعض) البنغاليين بوصفها تهدد الأمن،
وتعيث في المجتمع فساداً.
إذا كانت هذه الحرب قائمة فعلاً، فلنتمن أن تحسم لصالح الوطن بأقل
قدر من التشويش الإعلامي على المواطن الذي أرهقه القلق على أمن
مجتمعه وصحة اقتصاده. ولتكن حرباً واضحة إذن، تجعل المواطن يوجّه
غضبه على مستحقيه فعلاً من الذين اختاروا الثراء والغنى عن طريق
ارتكاب جريمة مضاعفة: الأولى بحق المجتمع الذي ترتبك مصالحه
الاقتصادية والأمنية بسبب العمالة السائبة، والثانية بحق هذه
العمالة التي وجدت نفسها في موقف لا تراجع فيه، فاختار (بعضها)
طريق الجريمة. من حق المواطن أن يتعرّف بوضوح على العوامل الرئيسة
التي تُلحق به الضرر اليومي ليتخذ موقفه ضدها على بصيرة، بدلاً من
أن يكون مجرد أداة توجهها الكيانات الحكومية والاقتصادية الكبرى عن
طريق الإعلام في معاركها الخفية.
أما إذا كان كل ما هو أعلاه مجرد تخرّص، ولا يوجد حرب ولا يحزنون،
فهذا يعني أن الموقف صعب والقضية شائكة. فمن ناحية، تقول الإحصاءات
أن جرائم البنغاليين بالذات في ازدياد، ومن ناحية أخرى فالجميع
يعرف أن تعميم الشر على الشعوب (مهما كان المبرر) هو ممارسة
شوفينية وضيعة تدينها كل الشرائع والأخلاقيات المنصفة بما فيها
الإسلام. فماذا نفعل إذن، شعباً ومسؤولين، أمام أزمة متشابكة كهذه؟
وما هو القرار المنصف الذي يخفف من هذه الجرائم المتزايدة دون أن
نرتكب أخطاءً عنصرية بغيضة؟
هذه ليست مشكلة جديدة على العالم. وبطبيعة الحال عانت منها مجتمعات
المهاجرين أكثر من المجتمعات المتجانسة. ومجتمعنا السعودي هو حالة
وسطى بينهما، فهو من ناحية مجتمعٌ متجانسٌ لأنه لا يقبل المهاجرين،
ولكن هذا لم يمنع أن يكون (ربعه) من غير السعوديين. هذا يضعنا في
حالة مربكة. فلا الحلول التي ابتكرتها مجتمعات المهاجرين طيلة
القرن الماضي يمكن تطبيقها لدينا لأسباب سياسية وقانونية، ولا
الظروف التي تتمتع بها المجتمعات المتجانسة التي (عمالتها من نفس
مواطنيها) تناسبنا لأسباب ديموغرافية واجتماعية واقتصادية. وهذه
الحالة المجتمعية لا توجد إلا في دول الخليج تقريباً التي اجتمعت
طفرتها الاقتصادية مع موروثاتها الثقافية لتجعلنا في حالة شره شديد
لليد العاملة الرخيصة. ولذلك نحن بحاجة إلى ابتكار حلولنا الخاصة
عندما نواجه أزماتنا مع العمالة، وهذه الحلول يجب أن تراعي ألا
تحملنا عبئاً اقتصادياً وأمنياً يدفع ثمنه المواطن، وأن تحفظ لنا
ماء الوجه أمام العالم باعتبارنا دولاً غير عنصرية، لا تنظر لألوان
الناس وجنسياتهم، ولا (تعمم الشر وتخصّ الخير) كما يقول مثلنا
الدارج.
قبل أسابيع، اشتكى المسؤولون في شركة البسامي للنقليات من العمالة
الباكستانية بالذات، ونعتوها بالتآمر والاحتيال. وقبل سنوات، فُجع
أهل الرياض بأول عملية احتجاز رهائن منظمة من قبل عصابة فلبينية في
بيت عائلة سعودية. وإبان حرب الخليج، اهتزت الثقة بين المجتمع
السعودي والعمال اليمنيين إلى أقصى حد. ومنذ فترة قريبة، تزايد
هروب الخادمات الإندونيسيات وتشكّلت لهن سوق منظمة للعمالة
المؤقتة. والآن، احتلّ البنغاليون الأضواء ليأخذوا دورهم في مسلسل
سعودي كبير اسمه (المال السايب). فلماذا الاستغراب إذن من نتائج
متوقعة كهذه ما دمنا وضعنا شريحة من أفقر الناس على وجه الكوكب، في
وسط دولة من أغنى دوله، ثم غفلنا عن مراقبتهم، وتركناهم عرضة
لأطماعهم البشرية التي يؤججها الفقر والجهل، أو لتحريض غير مباشر
من تجار التأشيرات الذين يجبون منهم المال جباية كل شهر؟
وبنجلاديش، بطلة الحلقة الأخيرة من مشاكل العمالة، تعتبر بلداً
فقيراً حتى بالنسبة للبلدان الفقيرة، إلى حد أن الهند، الدولة التي
تعاني من معدلات فقر عالية هي الأخرى، تحاول منع البنجلاديشيين من
التسلل إليها. تماماً مثلما تحاول إسبانيا منع قوارب الأفارقة من
الوصول لشواطئها. هذا يعني أن بنجلاديش دولة مدقعة الفقر إلى الحد
الذي تبدو معه الهند جنة من الرفاهية يحلمون بالهجرة إليها،
وتمنعهم من الوصول إليها أميال من الأسلاك الشائكة، ودوريات الحدود
الهندية. فكيف بهم إذا وصلوا السعودية، وفوجئوا بفرص لانهائية من
كسب المال، دون رقابة أمنية كافية، ولا وعي اجتماعي مسؤول؟
بالطبع لا يمكن أن نطالب السعودية بأن تطرح حلولاً أخلاقية
واجتماعية تحد من جرائم (بعض) البنغاليين مثلما فعلت أمريكا مع
المهاجرين الصقليين في بداية القرن العشرين مثلاً. فالبنغاليون
ليسوا مواطنين حتى يكون إصلاحهم جزءاً من الصداع الاجتماعي الوطني،
ولكنا نطالب بحلول نظامية مباشرة مثل وقف الاستقدام من بنجلاديش،
ولكن هل هذا هو الحل؟ إنه يبدو حاسماً ومريحاً ولكنه ليس بعيد
النظر، وحتى لو كان لدينا بدائل متعددة للاستقدام فإن شطب دولة
كاملة من ملف الاستقدام سيضع (مملكة الإنسانية) أمام سؤال عالمي
محرج: كيف تعممون الجرم على دولة كاملة مهما كانت النسب والإحصاءات
في صفكم؟ الإجابة صعبة، لاسيما أن حقوق العمالة في دول الخليج تقع
تحت (المجهر) الدولي منذ سنوات، وتنتظر أي شرارة لإشعال فضيحة
أخلاقية في شرق العالم وغربه. وبالطبع، لن تتوانى الحكومة
البنجلاديشية نفسها عن إشعال هذه الشرارة إذا ما اقتضى الأمر، لأن
إيقاف الاستقدام يعتبر ضربة قاصمة لاقتصادها الذي يعتمد على
الحوالات، وقطع الأرزاق ولا قطع الأعناق، ودون ذلك تصبح كل الوسائل
الممكنة متاحة، لاسيما سلاح الرأي العالمي.
نفس الإحصائيات التي تقول إن جرائم البنغاليين متزايدة، تقول أيضاً
إن السود أكثر إجراماً في أمريكا، والمسلمون أكثر إرهاباً في
أوروبا. فهل تبرر الإحصائيات ترحيل السود والمسلمين، ومنعهم من
دخول أمريكا وأوروبا؟ بالطبع لا، لأن الإحصائيات لم تكن يوماً
قاعدة لأخلاق الشعوب، والأزمات مهما شاكت، والمبررات مهما توفرت،
فلا يجب أن تفقدنا حلمنا وبصيرتنا، وتزحزحنا عن مبادئنا. وأهمها:
أن كل إنسان مسؤول عن عمله، وليس عن أعمال بني جلدته. ولو صلح منهم
واحد، وفسد مائة، فلا يمكن أن يؤخذ بجريرتهم. فالأرقام لا تعني
شيئاً هنا، لأن المسألة أخلاقية وإنسانية.
ماذا لو نسينا ألوان العمالة، وجنسياتها، وركّزنا على حلول إنسانية
تليق بنا؟ ماذا لو طورنا نظاماً دقيقاً جداً يجتثُّ تجارة
التأشيرات من أساسها، ويجعلها جزءاً من التاريخ؟ ماذا لو طورنا
الأداء الأمني في السعودية أضعاف ما هو عليه الآن ليتحول إلى رادع
قائم فوق كل من تحدثه نفسه بالجريمة أياً كان؟ ماذا لو أسسنا
برنامجاً توعوياً شاملاً للعمالة بكل لغاتها توضح لهم ثوابهم
وعقابهم؟ ماذا لو طوّرنا اقتصاداً لا مجال فيه للجحور التي تزدهر
فيها ممارسات السوق السوداء، فتختنق وحدها وتموت؟ ماذا لو ركّزنا
على الحد من (المال السائب) حتى لا يأتي من (يتعلم السرقة) في
مجتمعنا؟ ماذا لو سعينا إلى تحقيق العدالة الاجتماعية بين المواطن
والمقيم حتى لا يبقى مجالٌ للحقد الذي يبرر الجريمة، والتعالي الذي
يضاعف النقمة؟
ثمة حلول حضارية كثيرة، تليق بإنسانيتنا ومكانتنا العالمية، أفضل
من: منع الاستقدام.. والسلام! |