قصتان.. وراء ارتفاع الأسعار

 جريدة الوطن السعودية


منذ ثلاثين سنة وأسعار الغذاء العالمي تنخفض باستمرار إلى الحد الذي ظنّ معه العالم أن الغذاء لم يعد مشكلة من مشاكل البشر، ويئس المزارعون من العودة مرة أخرى إلى صدارة الاقتصاد كما كانوا من قبل. ولكن كل هذا تغّير فجأة، بسبب قصتين من عجائب الاقتصاد العالمي، غيّرتا كل ما كنا نعرفه من قبل عن أسعار الغذاء. "القصتان ذكرهما المحللون الاقتصاديون لمجلة الإيكونمست البريطانية (عدد 8 ديسمبر2007)".
القصة الأولى تقول إن الصين والهند استيقظتا من بياتهما الطويل، وراحتا تحققان نمواً اقتصادياً مذهلاً عاماً بعد عام، مما أدى إلى ارتفاع دخل المواطن، وازدياد قدرته على شراء طعام أفضل. وهكذا صار هناك صينيون وهنود كثر قادرون على شراء اللحم. ففي عام 1985 كان المواطن الصيني العادي يستهلك ما معدله 20 كيلو جراماً من اللحم في السنة فقط، أما الآن فقد أصبح كثير من الصينيين أغنياء بما يكفي لاستهلاك 50 كيلو جراماً في السنة. هذه الزيادة المضاعفة في الطلب على اللحم، مضروبة في عدد سكان الهند والصين الذين يشكلون ثلث سكان العالم، أدت إلى ازدهار تربية المواشي بشكل هائل، ودفعت بالمزارعين إلى توجيه غلالهم لإطعام الأبقار والأغنام والخنازير، بدلاً من إطعام الإنسان مباشرة. لأن ذلك أربح لهم، مما أدى إلى ارتفاع أسعار الغلال والحبوب في العالم كله.
وبالطبع فإن المعادلة تضيق جداً عندما نطعم المحاصيل الزراعية للحيوان بدلاً من الإنسان، لأن الحيوانات تستهلك من الحبوب أكثر مما تعطينا من اللحم. وكل 8 كيلو جرامات كاملة من الحبوب لا تنتج سوى كيلو جرام واحد من اللحم البقري. بينما هذه الكيلو جرامات الثمانية يمكن أن نصنع منها 576 رغيفاً من الخبز، تطعم حيّاً كاملاً من البشر، بدلاً من شريحتي لحم.. تطعمان أسرة واحدة!
القصة الثانية لا تحدث في الصين والهند، بل في أمريكا. فبسبب ارتفاع أسعار النفط، وظاهرة الاحتباس الحراري، قررت الحكومة الأمريكية تشجيع إنتاج الوقود البديل (الإيثانول) الذي يستخرج من الذرة. وأصدرت دعماً حكومياً للمزارعين ليغذّوا معامل الإيثانول بحوالي ثلث محصول أمريكا السنوي من الذرة. وإذا علمنا أن أمريكا هي أكبر منتج للذرة في العالم، فإن دعمها لاستخدام الذرة في إنتاج الإيثانول بدلاً من تصديره للخارج لم يتسبب فقط في رفع أسعار الذرة، بل أسعار الغذاء كافة، لسببين: الأول أن الذرة تستخدم غالباً لإطعام الماشية، وارتفاع أسعارها أدى إلى ارتفاع تكاليف تربية المواشي، وبالتالي ارتفاع أسعار المنتجات الحيوانية من اللحم، والجبن، والحليب، والبيض، وغيرها. والثاني، أن الكثير من المزارعين قرروا التوقف عن زراعة المحاصيل الأخرى مثل الأرز، الشعير، والقمح.. وراحوا يزرعون الذرة فقط، ليستفيدوا من الدعم الحكومي والطفرة الإيثانولية، مما أدى إلى انخفاض المعروض من هذه المحاصيل، وبالتالي ارتفاع أسعارها أيضاً.
ورغم أن الإيثانول وقود صديق للبيئة، ويسهم في خفض أسعار النفط، إلا أن الصورة ليست جميلة إلى هذا الحد. لأن عملية إنتاجه شرهة جداً، وتعبئة خزان وقود واحد، مرة واحدة فقط، تستهلك من الذرة ما يكفي لإطعام إنسان بالغ لمدة سنة كاملة!
هذا هو حال الاقتصاد العالمي اليوم. يقرر أناسٌ في الشرق أن يأكلوا اللحم، ويقرر أناسٌ في الغرب أن يستخدموا الإيثانول، فتنقلب أسعار الغذاء في العالم ما بينهما. الحيوانات والسيارات تشارك الإنسان غذاءه بمشيئة الإنسان نفسه. والمشكلة أن هذه الممارسات ليست سحابة صيف ستنجلي وتعود الأسعار إلى سابق عهدها. فالنمو الاقتصادي في الصين والهند ما زال مستمراً، وفي كل يوم يصبح المواطن الصيني والهندي أغنى، ويأكل لحماً أكثر. والدعم الأمريكي للإيثانول سيستمر طويلاً أيضاً حسب ما تردده البرامج الانتخابية للرؤساء القادمين. هذه الأسباب الرئيسة التي جعلت المحللين الاقتصاديين يقولون للعالم بكل أسى: وداعاً زمن الغذاء الرخيص!
وعلى مستوى الدول، فهناك دولٌ مستفيدة ودول متضررة. فالدول المستفيدة هي تلك التي يعتمد اقتصادها على الإنتاج الزراعي بشكل كبير. مثل أمريكا (أكبر مصدّر للغذاء في العالم)، والهند، وجنوب أفريقيا، وسويسرا، ومالاوي، وزيمبابوي. أما الدول المتضررة فهي تلك التي تستورد أغلب غذائها من الخارج، أو مكوناته الأساسية على الأقل، مثل اليابان، والمكسيك، والسعودية، وبنجلاديش، ونيبال، والنيجر، وأفغانستان وغيرها.
ومن الملاحظ أن استفادة الدولة أو تضررها من ارتفاع أسعار الغذاء العالمي لا علاقة لها بكونها دولة غنية أو فقيرة أصلاً. فأمريكا الغنية وزيمبابوي الفقيرة استفادتا من الأسعار المرتفعة، بينما تضررت منها اليابان الغنية وأفغانستان الفقيرة معاً. ولكن الفرق يكمن في أن الدول الغنية المتضررة لن تموت جوعاً على الأقل، وستتحمل الأسعار بشكل أو بآخر، ولو تأزمت ميزانيات الأسر بعض الشيء، وزادت احتجاجات الناس. ولكن الكارثة تحل بالدول الفقيرة غير الزراعية، والتي اجتمع عليها الحشف، وسوء الكيلة. فلا أراضيهم تُزرع فيربحوا، ولا الغذاء ظلّ رخيصاً فيأكلوا!
وعلى الرغم من تعقيد الخارطة الاقتصادية للعالم اليوم، إلا أن المشكلة يمكن تبسيطها بشكل ما في أن فقراء الأمس يريدون أن يستمتعوا بما استمتعنا به طويلاً، كدول غنيّة، من غذاء فاره ورخيص. مع العلم أنه لم يكن من الممكن أن نستمتع بسنوات الغذاء الرخيص السابقة لولا أن شريحة كبرى من العالم لم يكونوا ينافسوننا عليه، لعدم اقتدارهم المادي. ولكنهم الآن صاروا كذلك، والمزارعون في كل دول العالم أصبحت لهم السلطة التفاوضية، وبعد أن كانوا مجبرين على بيع نتاجهم بأي سعر، صاروا الآن يزرعون ما يريدون، ويبيعون لمن يدفع أكثر.
ورغم هذا البُعد العالمي لمشكلة الغذاء، إلا أن الحكومات مسؤولة أمام شعوبها عن توفير الغذاء بأسعار مقبولة. فمهمة الحكومة هي حماية الشعوب من الضرر الخارجي قدر المستطاع، وتمثيلهم في الأسواق العالمية، والتفاوض باسمهم مع موردي الغذاء وغيرهم للحصول على أفضل سعر ممكن. وبالطبع، فإن حكومة واحدة كالسعودية لا يمكنها التحكم في أسعار الغذاء العالمي، فهذا ما لم تقدر عليه حكومات أكبر وأكثر تأثيراً في الاقتصاد العالمي، مثل أوروبا وروسيا والصين، ولكنْ للحكومات أدوارٌ أخرى للتخفيف من ضرر ارتفاع الأسعار على مواطنيها، لعل من أهمها ضبط الارتباك التجاري الذي يخلفه ارتفاع الأسعار فجأة، وطمأنة التاجر والمستهلك على استتباب التموين الغذائي للدولة حتى لا يمعنوا في التخزين، ومنع التجار من رفع أسعار سلع لا علاقة لها بالقصص المذكورة أعلاه، ولم ترتفع أسعار تكلفتها، ولكنهم يستغلون التبرير العالمي الواسع لتمرير أسعار جديدة على المستهلك.
ماذا يمكن أن تفعل حكومات الدول المتضررة لحل مشكلة أسعار الغذاء؟ هذا السؤال يُطرح في كل دول العالم اليوم، مثلما هو يُطرح بشكل يومي في الصحف السعودية. فنحن وهم نستورد الغذاء من نفس الموردين العالميين، بنفس الأسعار المرتفعة، ونعاني مثل معاناتهم. هل توجد حلول اقتصادية لمثل هذه الأزمات؟ الحقيقة أنه لا يوجد حلٌ متفق عليه، فالاقتصاديون في كل بلد يختلفون في قراءة أوضاع بلادهم، والكل يقترح ويراهن على حلول معينة. فالمشكلة جديدة على الجميع، ولأول مرة يمتزج الاقتصاد العالمي ببعضه إلى هذا الحد بحيث إذا اشتهى الناس اللحم في بكين، ارتفعت أسعار الأرز في الرياض. وإذا عبأت خزان وقودك بالإيثانول في نيويورك، نام النيجيريون بلا عشاء. لا توجد حلول مجربة وجاهزة على الرف إذن. ولكن هناك (محاولات) قامت بها بعض الدول للحد من ضرر ارتفاع الأسعار على مواطنيها، وسأستعرض بعض هذه المحاولات في مقال قادم.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي