|
ليزا بير
تقول في مقالها الشهر الماضي بمجلة تايم إنها،
ومن خلال خبرتها الطويلة في التغطيات
الإخبارية في منطقة الشرق الأوسط، توصلت
أخيراً إلى اكتشاف هام جداً، من شأنه أن يساعد
المهتمين على إعادة النظر في جميع رؤاهم حول
قضايا الشرق الأوسط، وربما كان سيستفيد منه
جيمس بيكر ورفاقه في تقريرهم الأخير عن
العراق. واكتشاف ليزا بير الذي أفردت له
مقالها ذاك بالكامل، وبشرت به القارئ الدولي،
هو باختصار غير مخل: (أن العرب في الحقيقة لا
يهتمون لأمر فلسطين كما يدّعون، وأن دموعهم
عليها ليست إلا دموع التماسيح). وكم تمنيتُ لو
أن الكاتبة الطيبة ليزا وفرت على نفسها صعوبة
الاستنتاج، ورهق التنقيب، والفحص، والتحليل،
والمراقبة، واستعاضت عن ذلك كله بأن سألت أي
مواطن عربي صادق في الشارع عن مدى استعداده
لبذل جهد شخصي حقيقي من أجل خدمة القضية
الفلسطينية التي يؤمن بها، على شرط، ألا يكون
هذا الجهد من ضمن قائمة الجهود التالية لثبوت
عدم جدواها أولاً، ولأن العرض فيها أكثر من
الطلب ثانياً، وهي: اللعنات الصادقة أمام نشرة
الأخبار، المنبريات المكرورة منذ ستين سنة،
حرق الأعلام في الشوارع، تلفيق كل عيوب الجنس
البشري باليهود بسبب أو بدون سبب، وأخيراً،
اختراق مواقع الإنترنت الإسرائيلية!
وهذه الأخيرة، أعني اختراق مواقع الإنترنت،
تحمل في طياتها مشكلاً أخلاقياً، لا ندري إذا
كان يجدر بنا التشجيع عليه، أو التحذير منه،
بعد أن لاحظتُ أن بعض الصحف نصبت القائمين بها
أبطالاً يشاد بأعمالهم التخريبية التي تعاقب
عليها أغلب دول العالم بالسجن. من غير المعقول
أن تتجه كل جهودنا وطاقاتنا وعبقرياتنا
الإلكترونية نحو التخريب على إسرائيل في الوقت
الذي لا يمكن للمواطن العربي فيه أن ينعم
باتصال إنترنت هادئ في العالم العربي بأكمله،
لا ينغص عليك فيه البطء، والانقطاع، والرقابة!
ولا أعتقد أن الصورة التي نحب أن يراها العالم
عن مساهماتنا في الفضاء الإلكتروني هي صورة
التخريب، والاختراق، واستخدام التقنية التي
طورت من أجل تسهيل الحياة لا من أجل معارك
أيديولوجية، ولتحقيق انتصارات رقمية وهمية،
تخفف علينا وطأة إرثنا الكبير من الهزائم!
أعود إلى ليزا بير، الخبيرة في شؤون الشرق
الأوسط، واستنتاجها الذي تقول في حيثياته: (إن
الاستمرار في ترويج الفكرة التي تقول إن جذور
كل مشاكل العرب هي القضية الفلسطينية سيلحق
ضرراً كبيراً بالمنطقة، لأنه ببساطة يشجع
العرب على الاستمرار في تجنب مواجهة مشاكلهم
الاجتماعية وأمراضهم السياسية، والاختباء
دائماً خلف المبرر الكبير: كله من إسرائيل!)،
وشخصياً، تعتقد ليزا أن إسرائيل كانت بالفعل
جاراً بغيضاً وسيئاً، ولكنها في الوقت نفسه
تشعر بالتعاطف مع حكام العرب فيما لو انتهت
القضية الفلسطينية يوماً ما، ووجدوا أنفسهم
فجأة بدون شماعة كبيرة يعلقون عليها فشلهم
الذريع في قيادة شعوبهم نحو الحياة على وجه
الكوكب كأمم راشدة، ولنتخيل معاً أن إسرائيل
اختفت من خارطة الصداع العربي المزمن، فكيف
ستتمكن مصر إذن من تبرير كون أربعة مواطنين من
كل عشرة لا يجيدون القراءة والكتابة، وكيف
ستتمكن سوريا من تبرير كون عشرة في المئة من
الشعب السوري لا يملك المقومات الأساسية
للعيش، وكيف ستتمكن الدول البوليسية من إبقاء
قوانين الطوارئ سارية، وخزينة الدولة خالية،
وفم الرئيس مليء بالخطب القومية الرنانة، هذا
بالإضافة إلى خلطة مزمنة ذات مقادير معتادة من
مشكلات حرية التعبير، وحقوق الإنسان، واضطهاد
الأقليات الدينية، وغياب المؤسسات
الديموقراطية المستقلة، والانتخابات غير
المقيدة.
سبحان الذي ألهم ليزا بير ما لم يلهمه الشريحة
العظمى من العرب الذين ينددون بالظلم البعيد،
وهم رازحون تحت الظلم القريب. وسبحان الذي
جعلها تكتشف، بعد خمس عشرة سنة من العيش في
خضم قضايا المنطقة الموحلة، أن هذا الوحل في
الحقيقة هو وحلٌ صناعي مقصود، يُراد به تعطيل
كل شيء، حتى يظل الطريق مغلقاً أمام عربة
المساءلات، بينما نحن العرب الذين نعيش منذ
ستين سنة في وسط هذا الوحل، حتى صار جزءاً من
جباهنا وخبزنا، لم نكتشف أنه وحلٌ عربيٌ، صنع
في دوائر القرار العربية، وبمواصفات عربية
أصيلة، ولا تقدر حتى إسرائيل على الإتيان بوحل
مثله ولو حاولت!
القضية الفلسطينية لا تبدو قضية متعثرة،
وفاشلة أبداً، بل إنها في الحقيقة، بالنسبة
لنوايا أطرافها، قضية ناجحة للغاية، ومازالت
مستمرة في تحقيق الأهداف التي صيغت لها بكل
ثبات، وتمطر من نعمها وعوائدها على المنتفعين
من استمراريتها، المنشغلين بإذكاء أوارها،
والذين هم بالطبع، عربٌ حذقون، يختلفون عن
غالبية العرب الآخرين بأنهم يتقنون لعبة
الكراسي والمنابر وتسيير القطيع. فأن تكون
قائداً ملهماً لدولة غير محررة أفضل من أن
تكون مواطناً مغموراً في دولة محررة، لا يسمع
عنك إلا الجار القريب، ولا تعرف وجهك الصحف
ونشرات الأخبار. ثمة من تحوله القضية
الفلسطينية إلى رئيس دولة وهو لا يحمل إلا
مؤهلات بلطجي حارة، فنجده يدخل مبنى الأمم
المتحدة، ويجلس جنباً إلى جنب مع زعامات
العالم، ويفتح حساباً سويسرياً أنيقاً يساوي
وحده، كل موجودات البنوك الفلسطينية المختنقة
برواتب الناس الضئيلة المقطوعة!
القضية الفلسطينية مبدعة جداً في قدرتها
الاستثنائية على إنجاب زعامات من هذا النوع،
غير أن رحمها الخصب هذا يبدو أنه مؤخراً قد
أنجب أكثر مما يجب!، وأكثر مما تتحمله مساحة
الضفة الغربية وغزة، مما يفسر العنف المتربص
بالساحة الفلسطينية الآن، والذي لا يبرره إلا
صراع شخصي على الزعامة، ولا علاقة له بأجندة
أي طرف في حل القضية مع إسرائيل. وهذا خلل
متوقع من قضية عجوز كهذه القضية، التي تعتبر،
بدون منازع، واحدة من أطول القضايا السياسية
على مدى تاريخ البشرية.
إنها بالفعل قضية تبعث على الملل!، كان من
المفترض أن نموت من فرط الرتابة وليس من رصاص
إسرائيل، هل يعقل أن يكون على جانبي مشكلة ما،
طرفان عاقلان، في هذا العصر، ولا يجدان حلاً
للمشكلة طيلة هذه الأجيال، لا أعتقد، حتى لو
كان أحد الطرفين عاقلاً فقط لوجد الحل وحده
دون الآخر. لا بد أن هناك خللاً ما، فإما أن
يكون الطرفان محرومين من نعمة الرشد الإنساني،
أو أن كليهما يملك أجندة مختلفة عن تلك
المتساقطة من المنابر، والتي تمضغها الشعوب
منذ عقود طويلة! وإذا افترضنا أن إسرائيل دولة
ديموقراطية نسبياً، ومساحة المشاركة الشعبية
في القرار السياسي أوسع من مجموع مساحات
المشاركة الشعبية في كل الدول العربية مجتمعة،
فإن هذا يحملنا إلى منطقة مؤلمة من الشك بأن
ليزا بير على حق، لا أحد يهتم بأمر فلسطين!
أعتقد أن العرب محرومون من نعمة اسمها: الملل
السياسي!، وهذا ما يؤجل دائماً حسم المشكلات،
والمضي قدماً. ويشجعهم على الاستمرار في دأبهم
السيئ، وشعوبهم ما زالت تلوك نفس نشرة الأخبار
منذ عشرات السنين، ولا يوجد مواطن واحد يستطيع
أن يمد يده إلى داخل المجال الكهربائي السياسي
دون أن تمنعه من ذلك عشرات الأيدي والأصوات،
تماماً مثلما نمنع الأطفال من لمس الأواني
الساخنة. قليل من الملل، نحن في حاجة إليه
فعلاً! |