حرية التعبير.. وحرية التأويل

 جريدة الوطن السعودية


وصلت تعقيبات كثيرة على المقال الأخير، (الديماغوجية تبعد المدونات عن هدفها الأسمى، الوطن 25 ذي الحجة 1428)، اختلف أكثرها مع نوايا المقال المفترضة، وليس المقال نفسه. ولهذا كان لا بد أن الكتابة، ليس لتوضيح ما تضمنه المقال، بل ما لم يتضمنه! باعتبار أن أغلب الاحتجاجات كانت تدور حول تجنب المقال لتناول مسألة الاعتقال، مما اعتبره البعض تبريراً لها. وهذا ما لم يدر بذهني أبداً. ولقد حرصتُ أثناء كتابة هذا المقال على أن يخرج واضحاً قدر المستطاع، لعلمي بأن الظروف المحيطة بالقضية صارت شائكة، وسيئة، ككل قضايا الرأي إذا اعترضتها السلطة. فوسط خضم الانفعال والعاطفة المحتدمة، لا أتوقع أن تصل مضامين المقال كما يراد لها أن تصل. فالجميع اتخذ موقفه، وحفر خندقه، ولم يعد يقبل إلا الصوت المؤيد لقضيته، مهما جاء مفتعلاً، ويرفض الصوت المعارض، مهما كان منصفاً. المشكلة أن المقال لم يأتِ للتأييد ولا الاعتراض. وهذا ما أغضب أكثر المخالفين. فعندما تبلغ القضية هذه الحدة في الأنفس والصدور، فإن الامتناع عن التصويت يصبح (تلقائياً) موقفاً معارضاً!
والحقيقة أنني في المقال تجنبت الحديث عن الاعتقال لأنه حتى تاريخ النشر لم تتوفر معلومات كافية حول حيثياته باستثناء تصريح اللواء التركي المقتضب جداً، وما يتداوله المتابعون للقضية في مواقع الإنترنت، بالإضافة إلى ما بثته بعض المحطات العالمية المشكوك في حيادها تجاه قضايا الشأن الداخلي السعودي بالذات. وكلها معلومات أقل من أن يُبنى عليها تصور كامل للقضية، ولذلك آثرتُ الابتعاد عن تناول هذا الجانب، لأن الهدف من المقال هو توضيح مفهوم الديماغوجية باعتبار (بعض) موضوعات مدوّنة فؤاد الفرحان تدل عليه. فكان التطرق إلى الاعتقال سيجرّ المقال إلى مناطق سياسية واجتماعية، حريٌّ بأن يتناولها مقالٌ منفصل، ذو طبيعة أخرى.
إذن، فإن الأسباب المذكورة أعلاه وحدها هي ما جعل المقال لا يتطرق إلى مسألة الاعتقال، الأمر الذي فسره بعض المهتمين بالقضية إنه موافقة ضمنية على الاعتقال، مثلما فسروا نقدي الأسلوبي للمدوّن على أنه إدانة مبطنة له. وهذا أبعد ما يكون عن رأيي الشخصي. والجميع يدافع عن حقه في التأويل والفهم كما يقوده حدسه بالطبع، إلا أنه في مثل هذه القضايا الشائكة التي تتطلب مواقف صريحة، يصبح افتراض النوايا، وتأويل الكلام، والأخذ بالشبهة ردود أفعال غير ثقافية في أصلها، وإنما تشبه ردود الأفعال الحزبية والتيّارية والحركيّة والشللية.
اعترض البعض على توقيت المقال أيضاً، في الوقت الذي ما زال فيه المدون معتقلاً. ولم يكن تأجيل المقال حتى يخرج من دائرة انتباه الرأي العام مبرراً، لأن المقال في النهاية لن يؤثر على مجريات القضية، ولن يضرَّ المدوِّن شخصياً بأي حال من الأحول. فهو مقال نقديّ، يتناول البنية الأسلوبية لتدويناته، ولا يهاجم موضوعاته نفسها. فلو افترضنا أن المدوّن كان شاعراً، وتم اعتقاله، فلا أعتقد أنه سيتأثر لو انتقدنا وزن قصائده أو أخطاء تفعيلاته، لأنه انتقاد فني تكنيكي. بينما لو انتقدنا موضوعات قصائده نفسها، وتوجهاتها، فذلك فعلٌ غير أخلاقي، يهاجم الرجل في حالته الأضعف، وهو عاجزٌ عن الرد. وهذا بالطبع مالم أقصده أبداً، ولكن خلطاً ما حصل بين (النقد الفني لأسلوب المدونة) وبين (حق الكاتب في حرية التدوين). فالأولى هي ممارسة نقدية تحدث كل يوم، ولا يؤثر توقيتها على مسار أي قضية، ولا ننتظر بعدها رداً أو دفاعاً من الكاتب، بينما الثانية هي ما حسمه العالم منذ زمن طويل بوصفها حقاً فطرياً لكل إنسان، لا تنتزعه منه الأخطاء الأسلوبية، ولا نقد النقاد.
إن الديماغوجية إذن ليست تهمة كما افترض بعض القراء، بل مجرد خلل أسلوبي، قد يتعرض له الكاتب دون أن ينتبه. ولكن بعض القراء خلطوا بين الديماغوجية باعتبارها (خللاً أسلوبياً) وبين كونها (تهمة ما). فاعتبروا أن انتقادي للديماغوجية في أسلوب فؤاد الفرحان اتهام غير مباشر له، وأنه يستحق الاعتقال لديماغوجيته! ولا أدري منذ متى كان كتّاب الرأي في الصحافة قضاةً يعتقلون ويطلقون؟ ولهذا كان هذا الخلط غير منطقي، ولو كان صحيحاً، فهذا يعني أن كل شاعر لا يجيد وزن الأبيات.. يجب اعتقاله!
الديماغوجية إذن لا تختلف عن الخلل الموسيقي في الشعر، والخطأ الإملائي في النص. مجرد قصور أسلوبي، يجعل الكتابة أقل احترافاً، ونفعاً، وجودة. إنها مشكلة تكنيكية في البناء النقدي، ولا علاقة لها بحرية التعبير. فالديماغوجيون وغير الديماغوجيين مكفولٌ لهم جميعاً حرية التعبير كيفما شاؤوا، وليتحمّل الديماغوجي منهم توابع تعبيره بهذه الطريقة، من انصراف الناس، إلى اهتزاز الموثوقية، وغيرها. لقد أوضحتُ أنني أرى في بعض تدوينات فؤاد الفرحان ديماغوجية واضحة، ولكني بالتأكيد أقف مع حقه الإنساني بحرية التعبير كما يشاء، وبالطريقة التي يراها هو مناسبة، وليس عليّ إلا اقتراح طريقة أفضل، تجعل صوته أعلى، وتدوينه أجود.
أما المحور الخلافي الأخير فكان بسبب عنوان المقال، والذي افترض الكثير من القراء أنه يهاجم التدوين عموماً، والمدونين والمدونات في السعودية خصوصاً. وافتَرَضَوا أيضاً أن استخدامي (لمدوّنة) كمثال على الديماغوجية، ونقدها في (مقال صحفي) كان محاولة لتقزيم قامة (التدوين) أمام قامة (الكتابة الصحفية). ومقالي بريء من هذا الافتراض، لأن الديماغوجية هي ممارسة إعلامية قد يرتكبها المدوّن، والكاتب الصحفي، والخطيب، والمرشح الانتخابي. وشخصياً، لا أرى للكتابة الصحفية أي كعب أعلى على التدوين، وكلاهما كتابة في النهاية، ومحاولة لصناعة فكرة، مرهونة بذائقة المتلقي، والكتابة النقية الجيدة ستجد طريقها إلى قارئها سواءً على ورق الجريدة، أو شاشة المدونة.
وكما ذكرتُ في المقال، فإن شخصية فؤاد الفرحان الكتابية تنضح بالطيبة، والمثالية، وروح التطوع، والعمل على تطوير الحس الأخلاقي والوطني العام. وهذه هي الروح التي نعوّل عليه جميعاً، باعتبارنا أبناء وطن واحد، نسعى لبناء مجتمع مختلف، متجدد، ذي ثقافة حرة، يتناسب مع الخريطة الإصلاحية الكبيرة التي يبدو واضحاً أن الوطن يتحرك عليها في السنوات الأخيرة. ولذلك، فإن ما أتمناه له من حضور فاعل، ومساهمة جادة في بناء مجتمعنا هو ما أتمناه لنفسي، وما أخشاه عليه هو ما أخشاه على نفسي أيضاً. وهذا ما يفرضه علينا الواقع المشترك، وإن لم نصرح بذلك الأمر، لبداهته.

|الصفحة الرئيسة|

السيرة الذاتية | القصائد | الروايات | القصة | مقالات |حوارات | كتاب الزوار | اتصل بي